يتم التحميل...

أهلُ البُشرى

جمادى الثانية

تحدَّثَ القرآنُ الكريمُ عَنِ التكليفِ الإلهيِّ بالجهادِ في سبيلِه باعتبارِه فرضاً واجباً، ووصفَ أهلَ الجهادِ بأنَّهُمُ الذينَ باعوا أنفسَهم للهِ عزَّ وجلّ، فجعلوا هذه الدنيا ثمناً للآخرة،

عدد الزوار: 118

قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[1] صدقَ اللهُ العليُّ العظيم.

تحدَّثَ القرآنُ الكريمُ عَنِ التكليفِ الإلهيِّ بالجهادِ في سبيلِه باعتبارِه فرضاً واجباً، ووصفَ أهلَ الجهادِ بأنَّهُمُ الذينَ باعوا أنفسَهم للهِ عزَّ وجلّ، فجعلوا هذه الدنيا ثمناً للآخرة، بل هم على الرَغمِ مِنَ أنَّ الموتَ أصابَهم، لا يصُحُّ وصفُهم بأنَّهم أموات، قالَ تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[2].

يقولُ الإمامُ الخمينيّ: «ما الذي بوسعِ إنسانٍ قاصرٍ مثلي أنْ يقولَ عَنِ الشهداءِ الأعزّاءِ الذين قالَ اللهُ تعالى في شأنِهم تلكَ الكلمةَ العظيمة: ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وهل يمكنُ بالقلمِ والبيانِ والكلامِ التعبيرُ عَنِ الالتحاقِ باللهِ، واستضافةِ مقامِ الربوبيّةِ للشهداء؟ أليسَ هذا مقامَ: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾[3]، الذي رأى الحديثُ الشريفُ مصداقَه في سيّدِ الشهداءِ والمظلومين؟ وهلْ هذهِ الجنّةُ هي التي يدخلُها المؤمنونَ أم لطيفتُها الإلهيّة؟ هَلِ الالتحاقُ والارتزاقُ عندَ ربِّ الأربابِ هو هذا المعنى البشريّ، أمْ أنَّهُ رمزٌ إلهيٌّ أسمى وفوقَ تصوُّرِ البشرِ الترابيِّ؟».

ويقولُ (قُدِّسَ سرُّه): «يجبُ أنْ يعلمَ عملاءُ أمريكا أنَّ الشهادةَ في سبيلِ اللهِ لا يمكنُ أنْ تُقاسَ بالغَلَبةِ أو الهزيمةِ في ميادينِ القتال. مقامُ الشهادةِ نهايةُ العبوديّةِ والسيرِ والسلوكِ في العالمِ المعنويّ».

إنَّ مِنَ الصفاتِ الثابتةِ لهؤلاءِ الشهداءِ هي أنَّهُم كانوا يُقدِمونَ على الشهادةِ بعشقٍ ووَلَه، يقولُ أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) واصفاً المجاهدين: «مَنْ رائِحٌ إِلَى اللهِ كَالظَّمَآنِ يَرِدُ الْمَاءَ؟ الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي [أي الرماح]»[4].

إذاً، في حياةِ الشهداءِ تكونُ الشهادةُ حاضرةً قبلَ أنْ يصيبَهُمُ القتل، يقولُ الإمامُ الخامنئيُّ (دام ظلُّه) عَنِ الشهيدِ سليمانيّ: «نُقِلَ عَنِ الشهيدِ أنَّه قالَ في خطابٍ لَه: مَنْ يعيشُ شهيداً يصيرُ شهيداً. لقدْ عاشَ على ذلك النحو، حقَّاً عاشَ شهيداً، عاشَ كما الشهداء.

أنا أقرأُ هذهِ الأيَّامَ كتاباً يتناولُ شرحاً لحالةِ الشهيدِ [سليمانيّ] الأخلاقيّةِ وحياتِه... كتبَ أحدُ أصدقائِه القدامى في عنوانٍ كما أعتقد: «سليمانيُّ الذي أعرِف». وردتْ فيه أمورٌ لافتة؛ يقول: أرادوا إجراءَ عمليّةٍ جراحيّةٍ لحفيدِ أحدِ أصدقائِه الشهداء، فذهبَ إلى المشفى، وانتظرَ حتّى انتهاءِ العمليّة. قالتْ والدةُ ذاكَ الطّفل: حسناً، إنَّ العمليّةَ انتهت، يا حاجّ، فلتذهبوا وتتفرّغوا لإنجازِ أعمالِكم، قال: لا! والدُكِ؛ أيّ جدَّ هذا الطّفل، ذهبَ بدلاً عنّي واستُشهد، وأنا أقفُ الآنَ هنا بدلاً عنه. بقِيَ واقفاً حتّى عادَ الطّفلُ إلى وعيِه. اطمأنَّ إليهِ ثمَّ ذهب. هكذا كانَ تعامُلُه مع عائلاتِ الشهداء. أيضاً تعامُلُه مَعِ الأشرارِ والمفسدينَ خارجَ البلادِ بطريقة، وداخلَ البلادِ بطريقةٍ أخرى... في جنوبِ كرمان، ومنطقةِ جيرفت، وتلك الأعمالُ التي أنجزها خلالَ تلكَ الأعوامِ بطريقةٍ أخرى، وتلكَ القوّةِ التي أبرزَها، والتحرّكاتُ الحاسمةُ والشديدةُ التي كانَ يفعلُها، كانتْ على نحوٍ أنَّهُ عندما يدخلُ مكاناً معيّناً يعرفونَ أنَّهُ قدْ جاء. قدومُه في حدِّ ذاتِه يُبيدُ معنويّاتِ الطرفِ المقابلِ والعدوّ، ويزيلُها بتلكَ الطريقة».

هذهِ هِيَ مدرسةُ سيِّدِ شهداءِ محورِ المقاومةِ الشهيدِ الحاجِّ قاسمِ سليمانيّ.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] سورة النساء، الآية 74.
[2] سورة آل عمران، الآية 169.
[3] سورة الفجر، الآية 30.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص181 ، الخطبة 124.

2023-01-05