يتم التحميل...

أصناف الأخوان

الأخوة

قبل أن نتحدث عن حقوق الاخوان ونتعرف على ما ينبغي القيام به أو الاجتناب عنه في تعاملنا معهم، نتعرض لتصنيفهم حيث ليسوا هم برتبة واحدة بل بعضهم أفضل من بعض لأن منهم من لا يمكن الاستغناء عنه بحال من الأحوال لأنه كالغذاء اليومي ومنهم من ليس كذلك وبالامكان الابتعاد عنه ولو لفترات محددة، أو طويلة ولنأخذ بيان أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المجال مع شي‏ء من التفصيل.

عدد الزوار: 134


 
هل تعرف إخوانك؟


إخوان الثقة وإخوان المكاشرة:

قبل أن نتحدث عن حقوق الاخوان ونتعرف على ما ينبغي القيام به أو الاجتناب عنه في تعاملنا معهم، نتعرض لتصنيفهم حيث ليسوا هم برتبة واحدة بل بعضهم أفضل من بعض لأن منهم من لا يمكن الاستغناء عنه بحال من الأحوال لأنه كالغذاء اليومي ومنهم من ليس كذلك وبالامكان الابتعاد عنه ولو لفترات محددة، أو طويلة ولنأخذ بيان أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المجال مع شي‏ء من التفصيل.

في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:

"الاخوان صنفان: اخوان الثقة واخوان المكاشرة1 فأما اخوان الثقة، فهم الكف والجناح والأهل والمال، فإذا كنت من أخيك على حدّ الثقة، فابذل له مالك وبدنك، وصاف من صافاه وعاد من عاداه، واكتم سرّه وعيبه، واظهر منه الحسن، واعلم أيها السائل أنهم أقلّ من الكبريت الأحمر، وأما اخوان المكاشرة، فإنك تصيب لذتك منهم، فلا تقطعنّ ذلك منهم، ولا تطلبنّ ما وراء ذلك من ضميرهم وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان".2

لقد بيّن عليه السلام في هذا التصنيف مرحلتين أو شكلين من العلاقة الأخوية يمكن أن نطلق على المرحلة الأولى المعبّر عنها بـ (اخوان الثقة) العلاقة العميقة المتينة في أبعادها الرسالية ومحاكاة داخل كل واحد منهما بما يكنّه للاخر من مودة ووفاء واحترام، بما هما عليه من وحدة في المنطلق والهدف، وصدق في الكلمة والموقف ضرورة أن الأفعال بينهما معربة دائماً عن الأقوال، فلا زيف ولا مداهنة ولا مجاراة ولذلك من الطبيعي أن يكون حالهم ما ذكر في الحديث الشريف، فهم أهل الصلاح والصدق والأمانة الذين يوثق بهم في الدين وموافقة ظاهرهم لباطنهم والثقة بهم هي سبب البذل لهم واعانتهم ومصافاتهم ومعاداة أعدائهم وكتمان أسرارهم، واظهار محاسنهم، واخفاء مساوئهم وهم الكف والجناح أي هم قوة يمكن الاعتماد عليها في كف الأذى ورفع الباطل والاستعانة بها في الموارد التي يحتاج فيها إلى عون.

وأما المرحلة الثانية أو الشكل الثاني من العلاقة المعبّر عنها بـ (اخوان المكاشرة) يمكن وصفها بالعلاقة السطحية التي لا تتعدى الظاهر والمجاملة والمقابلة بمعنى أنها مقتصرة على دلالات الوجه واللسان دون البناء على ما وراء ذلك من داخل الاخر، فلذا لا يمكن أن يكون هذا الصنف بمثابة الصنف الأول بالتعويل عليه ومكاشفته بالشؤون الخاصة وايداع الأسرار لديه، بل يندرج نمط الارتباط هذا في حدود الشكل لا المضمون.

ولا يوجد واحد منا إلا وله اخوان أو أصدقاء من الصنفين المذكورين سواء في مكان عمله أو سكناه أو جامعته أو مدرسته والخطأ الذي طالما نقع فيه أننا نعكس النوع المطلوب من التعاطي مع كل صنف منهما فربما نختصر على طلاقة الوجه وحلاوة اللسان واللياقات المتبعة في الأماكن العامة مع الصنف الذي ينبغي لنا مصافاته وبذل ما يمكن بذله مع حاجته في بعض الأحيان إليها أو نغوص مع الصنف الاخر الذي ينبغي الاحتراز منه، في ابداء الخصوصيات وايداع كل شي‏ء لديه مع أننا لم نثق بعد في أمانته ثم بعد ذلك تقع المشكلة، حيث نصطدم ونتفاجأ بحصول ما لا ينبغي حصوله من نقض عهد أو عدم وفاء بوعد، أو خيانة مالية أو معنوية والخلل إذا كان بهذه الصورة أو غيرها فإن سببه الأول هو نحن حيث لم نقم باختيار الوظيفة المطلوبة مع كل صنف بحسبه ولذلك في بعض تعابير المعصومين عليهم السلام تصريح ودلالة على مكان المشكلة كما في قول الصادق عليه السلام:

"لم يخنك الأمين ولكن ائتمنت الخائن"3.

بمعنى أن الخلل نشأ من عندك حينما أوليت ثقتك ووضعتها في غير محلها في ائتمان الخائن وإلا لم يكن خلل وهذا معنى انعكاس التعامل بين الصنفين الذي يجلب الكثير من الأزمات في أوساط الناس.

فالمطلوب أولاً هو التعرف على كل من اخوانك إنه إلى أي صنفٍ ينتمي ثم بعد ذلك إقامة العلاقة معه على أساس معرفته، إما بشكل عميق أو بشكل سطحي.

ويرشدنا الإمام الصادق عليه السلام إلى حقيقة أصناف الاخوان في بيان يعتبر تفصيلاً لما ذكره أمير المؤمنين عليه السلام لا أنه يغايره، وعلى ضوئه يمكن تحديد طبيعة العلاقة حيث يقول عليه السلام:

"الإخوان ثلاثة، فواحد كالغذاء الذي يحتاج إليه كل وقت فهو العاقل، والثاني في معنى الداء وهو الأحمق والثالث في معنى الدواء فهو اللبيب".4 5

أما الأول: فإنه يمثّل حاجة دائمة ومستمرة في الحياة الفكرية والدينية والعلمية والعملية لأخيه كما الطعام والشراب بالنسبة للبدن ولذلك قال عليه السلام: يحتاج إليه كل وقت.

وأما الثاني: أي الأحمق فهو من فسد عقله فبات مصدراً للانحراف والاضلال عن الطريق القويم والكل في غنى عنه ومأمور بالاحتراز منه.

وأما الثالث: أي اللبيب فهو ضرورة في دوام العافية الاجتماعية ودواء عند حلول المشاكل أو الوقوع في الأزمات سواء كانت خاصة أم عامة فهو الأهم الذي يصونه ويحفظه ومعه يشعر بالراحة والأمان.

فيكون العاقل واللبيب من اخوان الثقة والأحمق من اخوان المكاشرة ويدخل في الصنف الأول المواسي بنفسه أو ماله كما يدخل في الصنف الثاني صاحب الغاية التي متى ما تحققت فارق أخاه جاء في الحديث:

"الاخوان ثلاثة: مواسٍ بنفسه واخر مواسٍ بماله واخر يأخذ منك البلغة6ويريدك لبعض اللذة فلا تعدّه من أهل الثقة".7

ومن هذا الأخير يحذرنا الإمام الصادق عليه السلام قائلاً:

"واحذر أن تؤاخي من أرادك لطمع أو خوف أو ميل أو مال أو أكل أو شرب واطلب مؤاخاة الأتقياء
".8

خصلتان هامتان:

يمكننا أن نعرّف اخوان الثقة بخصلتين هامتين، من خلالهما نرى من هو الأخ حقاً.

الأولى: الاصلاح وهو أن يلتزم الأخ سبيلاً بناءً في علاقته مع أخيه من خلال مكاشفته بعيوبه وعدم مداهنته وكثرة الاطراء عليه مع ما يراه من أعماله غير المرضية، ومعاونته على التغيير ليكون على أحسن ما يرام، فيحب له أن تجتمع الأوصاف الحميدة فيه بأجمعها.

والثانية: الإخلاص بمعنى أن يكون صادقاً معه مخلصاً له في باطنه وسريرته فلا يظهر له خلاف ما يضمره ولسانه ترجمان قلبه على الدوام. فإذا توفرت هاتان الخصلتان في رجل كان لا محيص عن معاشرته، هذا ما أوصانا به مولانا الكاظم عليه السلام وهو يعرّفنا على اخوان الثقة من خلال الركيزتين المتقدمتين قائلاً:

"اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة اللَّه، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الاخوان والثقات الذين يعرّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم"9.

أعظم الاخوان:

عرفنا مما تقدم أنه يوجد تفاوت في درجات الاخوان بحسب ما يمتلكون من خصال جميلة، لكن لم نشر إلى الدرجة العظمى والرتبة العليا من درجات الاخوة إلى حد أن يكون ذلك الرجل هو أعظم اخوانه على الاطلاق فبماذا يا ترى يبلغ هذه المنزلة؟

نسأل مولانا الحسن بن علي عليه السلام ليكون الجواب التالي، في الحديث:

"خطب الناس الحسن بن علي عليه السلام فقال: أيّها الناس، أنا أُخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يُكثر إذا وجد، كان خارجاً من سلطان فرجه، فلا يستخفّ له عقله ولا رأيه، كان خارجاً من سلطان الجهالة فلا يمدّ يده إلاّ على ثقة لمنفعة، كان لا يتشهّى ولا يتسخّط ولا يتبرّم، كان أكثر دهره صماتاً فإذا قال، بذّ القائلين، كان لا يدخل في مراء ولا يشارك في دعوى ولا يُدلي بحجّة حتّى يرى قاضياً وكان لا يغفل عن إخوانه ولا يخصّ نفسه بشي‏ء دونهم.

كان ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جاء الجدّ كان ليثاً عادياً، كان لا يلوم أحداً فيما يقع العذر في مثله حتّى يرى اعتذاراً كان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول، كان إذا ابتزّه أمران لا يدري أيّهما أفضل، نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه، كان لا يشكو وجعاً إلاّ عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير إلاّ من يرجو عنده النصيحة، كان لا يتبرّم ولا يتسخّط ولا يتشكّى ولا يتشهّى ولا ينتقم ولا يغفل عن العدوّ.

فعليكم بمثل هذه الأخلاق الكريمة إن أطقتموها، فإن لم تطيقوها كلّها فأخذ القليل خير من ترك الكثير، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللَّه
"10.


*أخوة الإيمان، سلسلة الاجتماعيات الاسلامية، إعداد ونشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية، ط2، ت2، 2004م-1425هـ، ص25-32.


1- المكاشرة في اللغة: من الكَشْر وهو ظهور الأسنان للضحك وكاشره إذا ضحك في وجهه وباسطه.
2- الكافي، ج2، ص193.
3- البحار، ج78.
4- تحف العقول، ص323.
5- في اللغة: اللبيب: اللبّ: العقل الخالص من الشوائب وسمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من معانيه كاللب واللباب من الشي‏ء وقيل: هو ما زكى من العقل فكل لبّ عقل وليس كل عقل لباً ولهذا علّق اللَّه تعالى الاحكام التي لا يدركها إلا العقول الزكية بأولي الألباب نحو قوله تعالى: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكّر إلا أولوا الألباب.
6- مصباح الشريعة، ص36.
7- البلغة: أي ما يبلغه ويكفيه من العيش.
8- تحف العقول، ص324.
9- تحف العقول، ص302.
10- الكافي، ج2، ص186، باب المؤمن وعلاماته، ح26.

2011-03-04