يتم التحميل...

مِن صفاتِ الكمالِ

ذو الحجة

منْ دعاءِ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام) في يومِ عرفةٍ: «اللّهُمَّ اجْعَلْ غِنايَ فِي نَفْسِي، وَاليَّقِينَ فِي قَلْبِي، وَالإِخْلاصَ فِي عَمَلِي، وَالنُّورَ فِي بَصَرِي، وَالبَصِيرَةَ فِي دِينِي، وَمَتِّعْنِي بِجَوارِحِي، وَاجْعَلْ سَمْعِي وَبَصَرِي الوارِثَيْنِ مِنِّي»

عدد الزوار: 461

منْ دعاءِ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام) في يومِ عرفةٍ: «اللّهُمَّ اجْعَلْ غِنايَ فِي نَفْسِي، وَاليَّقِينَ فِي قَلْبِي، وَالإِخْلاصَ فِي عَمَلِي، وَالنُّورَ فِي بَصَرِي، وَالبَصِيرَةَ فِي دِينِي، وَمَتِّعْنِي بِجَوارِحِي، وَاجْعَلْ سَمْعِي وَبَصَرِي الوارِثَيْنِ مِنِّي»[1].

في الأدعيةِ المأثورةِ عنْ أهلِ بيتِ العصمةِ والطهارةِ (عليهم السلام)، مضامينُ تربويّةٌ تشيرُ إلى تلكَ الصفاتِ الكماليّةِ، الّتي على الإنسانِ أنْ يسعى للتحلّي بها، وأنْ يتوسّلَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ لِنيلِها، وفي هذهِ الفِقْرةِ منْ دعاءِ يومِ عرفةٍ -وهوَ منْ أعظمِ الأدعيةِ المأثورةِ عنْ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)- أمورٌ:

1. غِنى النفسِ: ويتمثَّلُ بالثقةِ بما عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فعنْ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ، فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِ غَيْرِهِ»[2].

وكلَّما كانَ الإنسانُ أقربَ إلى اللهِ، استغنى بهِ عزَّ وجلَّ عنِ الناسِ، فعنْ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «الْغِنَى بِاللَّهِ أَعْظَمُ الْغِنَى»، و«الْغِنَى بِغَيْرِ اللَّهِ أَعْظَمُ الْفَقْرِ وَالشَّقَاءِ»[3].

ويُبيِّنُ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) ذلكَ في صفاتٍ ثلاثٍ: «مَنْ رُزِقَ ثَلَاثاً، نَالَ ثَلَاثاً، وَهُوَ الْغِنَى الْأَكْبَرُ: الْقَنَاعَةُ بِمَا أُعْطِيَ، وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَتَرْكُ الْفُضُولِ»[4].

2. اليقينُ: وهوَ الدرجةُ العُليا الّتي يصلُ إليها الإنسانُ، بعدَ أنْ يطويَ منازلَ منَ المعرفةِ، ففي الروايةِ عنِ الإمامِ الرضا (عليه السلام): «الْإِيمَانُ فَوْقَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ، وَالتَّقْوَى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ، وَالْيَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ، وَلَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ الْعِبَادِ شَيْءٌ أَقَلُّ مِنَ الْيَقِينِ»[5].

وفي بيانِ الفرقِ بينَهُ وبينَ الإيمانِ، وردَ أنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) سَأَلَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ (عليهما السلام)، فَقَالَ لَهُمَا: «مَا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ؟»، فَسَكَتَا، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: «أَجِبْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ»، قَالَ: «بَيْنَهُمَا شِبْرٌ»، قَالَ: «وَكَيْفَ ذَاكَ؟»، قَالَ: «لِأَنَّ الْإِيمَانَ مَا سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا وَصَدَّقْنَاهُ بِقُلُوبِنَا، وَالْيَقِينَ مَا أَبْصَرْنَاهُ بِأَعْيُنِنَا وَاسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَى مَا غَابَ عَنَّا»[6].

3. الإخلاصُ: وهوَ أنْ لا يُشرِكَ في نيَّتِهِ في كلِّ عملٍ يقومُ بهِ أحداً غيرَ اللهِ عزَّ وجلَّ، فعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ؛ مَنْ أَشْرَكَ بِي فِي عَمَلِهِ، لَنْ أَقْبَلَهُ إِلَّا مَا كَانَ لِي خَالِصاً»[7].

 وعلامتُهُ عدمُ انتظارِ الثناءِ منْ أحدٍ منَ الناسِ عليهِ، فعنْ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِخْلَاصِ حَتَّى لَا يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ اللَّهِ»[8].

4. نورُ البصرِ والبصيرةُ: وهما الضمانةُ لسلامةِ الوصولِ إلى الغاياتِ، فعنْ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً، يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي‏»[9].

5. سلامةُ الجوارحِ: لأنَّ القيامَ بالتكاليفِ الإلهيّةِ يتوقّفُ على امتلاكِ القدرةِ البدنيّةِ، فإنَّ ممّا يدعو بهِ صاحبُ السعيِ للوصولِ إلى مقاماتِ القربِ، أنْ يحفظَ اللهُ عزَّ وجلَّ لهُ تلكَ القِوى، ومنْ أهمِّها السمعُ والبصرُ. لذا، يعلِّمُنا الإمامُ الدعاءَ للهِ عزَّ وجلَّ بأنْ يدفعَ عنّا الابتلاءَ بالعمى والصممِ؛ أيْ: يا ربِّ، أَبقِهِما صحيحَينِ سليمَينِ إلى وقتِ الموتِ، وفي دعاءِ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) يطلبُ أنْ تكونَ النفسُ أوّلَ ما يُؤخذُ، قبلَ أنْ تُؤخذَ سائرُ النِّعمِ منَ الجوارحِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي، وَأَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي...»[10].

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة، ج2، ص78.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص185.
[3] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص54.
[4] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ص318.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص52.
[6] الشيخ الطبرسيّ، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، ص15.
[7] العيّاشيّ، تفسير العيّاشيّ، ج2، ص353.
[8] ابن فهد الحلّيّ، عدّة الداعي ونجاح الساعي، ص217.
[9] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص213، الخطبة 153.
[10] المصدر نفسه، ص332، الخطبة 215.

2024-06-12