يتم التحميل...

طالبُ الموعظة

رجب

قَالَ لِلْجَوَادِ (عليه السلام) رَجُلٌ: أَوْصِنِي؟ قَالَ: «وَتَقْبَلُ؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ (عليه السلام): «تَوَسَّدِ الصَّبْرَ، وَاعْتَنِقِ الْفَقْرَ، وَارْفُضِ الشَّهَوَاتِ، وَخَالِفِ الْهَوَى، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَخْلُوَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ»

عدد الزوار: 291

قَالَ لِلْجَوَادِ (عليه السلام) رَجُلٌ: أَوْصِنِي؟ قَالَ: «وَتَقْبَلُ؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ (عليه السلام): «تَوَسَّدِ الصَّبْرَ، وَاعْتَنِقِ الْفَقْرَ، وَارْفُضِ الشَّهَوَاتِ، وَخَالِفِ الْهَوَى، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَخْلُوَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ»[1].

مَنْ يطلبُ الموعظةَ عليه أنْ يملكَ عزماً على العملِ بها؛ لذا كانَ تأكيدُ الإمام (عليه السلام) على قَبولِ ما سوفَ يذكرُهُ له.

وحديثُ أهلِ البيتِ (عليهمُ السلام)، وبعظيمِ ما أعطاهُمُ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَ العلمِ والمعرفةِ والبيان، فيه موعظةٌ شافيةٌ لمَنِ اتّخذَهُ دواءً، وواظبَ على العملِ به.

ووصيّةُ الإمامِ الجوادِ (عليه السلام) تتشعّبُ إلى عناصرَ، هي:

1ـ توسَّدِ الصبر: والصبرُ هو ضبطُ النفْسِ وعدمُ خروجِها عَنِ الاعتدالِ أمامَ البلاءاتِ والشدائد، كموتِ الأحبَّة، أو فقدانِ ما يحتاجُ إليه، أو نزولِ مرضٍ به. وقولُ الإمامِ (عليه السلام) (توسَّدْ) أي: اجعَلِ الصبرَ بمثابةِ (وسادةٍ) تتّكئُ عليها وتعتمدُها في مواجهةِ ما حلَّ بساحتِك.

2ـ اعتَنِقِ الفقر: إذا كانَ الفقرُ بلاءً مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وكانَ الخروجُ منهُ مستلزماً لمعصيتِه تعالى، كأنْ تمتدَّ يدُ الإنسانِ إلى الحرام، فإنَّ عليهِ أنْ يتمسَّكَ بذلكَ الفقرِ ويرضى به عَنِ الحرام.

كما أنَّ للتمسُّكِ بهِ باباً آخرَ، وهو أنَّ الفقرَ قد يكونُ أحياناً موجباً للتقرُّبِ إلى الله؛ إذْ مِنَ المشاهَدَ أنَّ الإنسانَ يلجأُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، ويشتدُّ ارتباطُهُ وتعلُّقُهُ بهِ في الأزماتِ والمُلِمَّات، قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾[2].

3. ارفُضِ الشهوات: وهو المعنى المقابلُ تماماً للانقيادِ لها واتِّباعِها؛ وذلكَ بأنْ ينظرَ إلى حقيقتِها التي وصَفَها بها أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) بما رويَ عنه: «الشهواتُ سمومٌ قاتلات»[3]، و«إنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللهِ اِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ... قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ، إِلَّا هَمّاً وَاحِدَاً انْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى»[4].

4ـ خالِفِ الهوى: لأنَّ هوى النفسِ هو حبُّ النفسِ وميلُها إلى الغَرَقِ في الشهواتِ بدلَ اتّباعِ أوامرِ اللهِ والالتزامِ بأحكامِه؛ ولذا كانتْ مخالفةُ الهوى أيضاً مِنْ أبوابِ القُربِ مِنَ الطاعة، قالَ تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾[5].

5ـ إنَّكَ بعينِ الله: أيْ أنَّ الشعورَ بالرقابةِ الإلهيَّةِ في كلِّ حالٍ أنتَ عليهِ يجعلُكَ تُحسِنُ التصرُّفَ، وهذا جزءٌ مِنْ حقيقةِ الإيمان، يقولُ الإمامُ الخمينيُّ (قُدِّسَ سِرُّه): «الإيمانُ يعني أنْ تعيَ قلوبُكُم وتُصدِّقَ تلكَ الأمورَ التي أدركَتْهَا عقولُكُم. وهذا يحتاجُ إلى المجاهدةِ حتَّى تفهمَ قلوبُكُم أنَّ العالمَ كلَّه محضرٌ لله، فنحنُ الآنَ في محضرِ الله، ولو أدركَ قلبُنا هذا المعنى بأنَّنا الآنَ في محضرِ الله، وبأنَّ هذا المجلسَ محضرٌ لله، وإذا وجدَ قلبُ الإنسانِ هذا الأمر، فإنَّه سيبتعدُ عَنْ جميعِ المعاصي؛ إذْ إنَّ سببَ جميعِ المعاصي أنَّ الإنسانَ لمْ يجدْ هذا الشيء».

ختاماً، نباركُ لمولانا صاحبِ العصرِ والزمانِ (عجَّلَ اللهُ فرجه)، ولوليِ أمرِ المسلمين، وللمجاهدينَ جميعاً ذكرى ولادةِ الإمامِ الجوادِ (عليه السلام) في العاشرِ مِنْ شهرِ رجبٍ مِنْ عامِ 195 هجريّة.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج‏75، ص358.
[2] سورة يونس، الآية 10.
[3] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص41.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص118، الخطبة 87.
[5] سورة النازعات، الآيتان 40 و41.

2023-01-28