يتم التحميل...

فتحُ كربلاء

محرم

«مِنَ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، إلى بني هاشم. أمّا بعد، فإنّهُ مَنْ لَحِقَ بي منكم استُشهِدَ معي، ومَن تخلّفَ لم يبلغِ الفتح»

عدد الزوار: 230

«مِنَ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، إلى بني هاشم. أمّا بعد، فإنّهُ مَنْ لَحِقَ بي منكم استُشهِدَ معي، ومَن تخلّفَ لم يبلغِ الفتح»[1].

هذه الرسالةُ بَعَثَ بها الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) إلى أخيهِ محمدِ بنِ عليّ، والعبارةُ الجليّةُ الواضحةُ فيها أنّ الإمامَ (عليه السلام) حدّدَ لمسيرتِهِ نهايتانِ واضحتان: شهادةٌ وفتحٌ، فمَن لحقَ بالحسينِ سوف ينالُهُما، ومَن تخلّفَ عنه سوف يضيّعُهُما.

والشهادةُ في مسيرِ كربلاءَ كانت عظيمةً جليلةً، بقيتْ حاضرةً مدى العصور، مُلهِمةً لكلِّ الأحرارِ في العالم، مبيِّنةً كيف ينتصرُ الدمُ على السيف.

وأمّا الفتح، فقد وَصَفَ اللهُ عزَّ وجلَّ في كتابِهِ انتصارَ المسلمينَ على قريشٍ يومَ فتحِ مكّةَ بذلك، فقال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾[2]، وقال: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾[3].

وقد ذكر بعضُ المفسّرينَ أنه سُمّيَ فتحاً لأنهُ كان مِنَ الفتحِ المعنويّ، وهو الظَّفَرُ على الأعداءِ بالحججِ البيّنةِ والمعجزاتِ الباهرةِ التي غَلَبَتْ بها كلمةُ الحقِّ على الباطل، وظَهَرَ الإسلامُ على الدينِ كلِّه.

لقد قامت سياسةُ بني أميّةَ خلالَ فتراتٍ متماديةٍ، لا سيّما تلكَ التي شَغَلَها معاويةُ، والتي وَصلت إلى عشرينَ عاماً؛ على أساسٍ من الفتنةِ على ما وصفها أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) في نهجِ البلاغةِ بقولِه: «أَلاَ وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فَتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، فإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ: عَمَّتْ خُطَّتُهَا، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا، وَأَصَابَ الْبَلاَءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا، وَأَخْطَأَ الْبَلاَءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا. وَايْمُ اللهِ، لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوْءٍ بَعْدِي»[4].

ويُعَدِّدُ أصحابُ السيرةِ الحسينيةِ مساوئَ فعالِ بني أميّةَ مِنَ التحريفِ في دِينِ الإسلامِ، وفي شريعةِ سيّدِ المرسلين، واعتمادِ التفرقةِ بينَ المسلمينَ؛ وسيلةً للوصولِ إلى الغاياتِ التي يريدونَها. ولكنْ مِن أسوأِ ما قاموا به، الإساءةُ للنبيِّ (صلى الله عليه وآله) ولأميرِ المؤمنينَ (عليه السلام)، وكان لاستمرارِ ذلكَ سنينَ عدّةَ أثرُهُ على المجتمعِ الإسلاميِّ الذي أصبحَ في سهوٍ وغفلة، حتى قالَ الإمامُ الحسينُ (عليه السلام): «ألَا تَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ لا يُعْمَلُ بِه، وَأنَّ الباطِلَ لا يُتناهى عَنه»[5].

وبهذا كان من اللازمِ أن يتحقَّقَ في الأمّةِ حدثٌ يوقظُها ويخرجُها من حالةِ السباتِ التي كانت فيها، فكان مشهدُ الشهادةِ العظيمُ، الذي شكَّلَ بابَ الفتحِ الجديدِ للأمّةِ، وهَدَمَ كلَّ ما كان يخطِّطُ له بنو أميّة.

وفي الروايةِ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) لَمّا قَدِمَ عليُّ بنُ الحسينِ (عليهما السلام)، وقد قُتلَ الحسينُ بنُ عليٍّ (صلوات الله عليهما)، استقبلَهُ إبراهيمُ بنُ طلحةَ بنُ عبيدِ الله، وقال: يا عليَّ بنَ الحسين، مَن غَلب؟ وهو مغطًّى رأسُه، وهو في المحمِل. قال: فقال له عليُّ بنُ الحسين: «إذا أردتَ أن تعلمَ مَن غَلب، ودَخَلَ وقتُ الصلاة، فأذّنْ ثمّ أقِمْ...»[6].

فارتفاعُ صوتِ الأذانِ حُفِظَ ببركةِ كربلاء، ولذا كانت كربلاءُ فتحاً.


[1] راجع: العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج‏42، ص81.
[2] سورة الفتح، الآيتان 1 و2.
[3] سورة النصر.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص137، الخطبة 93.
[5] الشيخ الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ص245.
[6] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص677.

2022-08-11