يتم التحميل...

خدمة المؤمنين

الأخلاق والثقافة الإسلامية

"أيّما مؤمن أتى أخاه في حاجة، فإنّما ذلك رحمة من الله ساقها إليه وسبّبها له، فإنْ قضى حاجته كان قد قَبِل الرَّحمة بقبوله، وإن

عدد الزوار: 297

عن أمير المؤمنين عليه السلام:
"أيّما مؤمن أتى أخاه في حاجة، فإنّما ذلك رحمة من الله ساقها إليه وسبّبها له، فإنْ قضى حاجته كان قد قَبِل الرَّحمة بقبوله، وإن ردّه عن حاجته وهو يقدر على قضائها، فإنّه ردّ عن نفسه رحمة من الله عزَّ وجلَّ ساقها إليه وسبَّبها له، وذخر الله تلك الرَّحمة إلى يوم القيامة، حتّى يكون المردود عن حاجته هو الحاكم فيها، إن شاء صرفها إلى نفسه، وإن شاء صرفها إلى غيره..."1.

خدمة النَّاس رحمة إلهيَّة
من النّعم الإلهيّة الكبرى أن يوفّق الإنسان للقيام بخدمة أو معروف اتجاه إخوانه، لأنَّه لو اطلع على ما أعدّه الله تعالى له من عطاء أبدي لا ينفذ لأدرك أنّ الأمر بالعكس، بمعنى أنّ المحتاج والمخدوم هو الّذي يُسدي خدمة للخادم والباذل، لأنَّه السّبب في حصوله على هذه الهبة الرّبانيّة الفريدة، وعليه ليس من الصّواب أن تُتاح فرصة لأحدنا بتقديم مساعدة للآخرين وقضاء حوائجهم فيفوِّت تلك الفرصة. وقد دعت الشريعة المقدّسة إلى التنافس في خدمة الناس وتقديم المعروف إليهم فعن الإمام الصادق عليه السلام أنَّه قال: "تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله، فإنّ للجنة باباً يقال له المعروف، لا يدخله إلّا من اصطنع المعروف في الحياة الدُّني، فإنّ العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكّل الله به ملكين، واحداً عن يمينه وآخر عنشماله، يستغفران له ربّه ويدعوان بقضاء حاجته..."2.

وإنْ طَرَقَ بابك أحدهم طلباً للمعونة استبشر خير، ، فتلك رحمة من الله تعالى ساقها إليك، فإنْ قضيتَ حاجته فقد قبلتَ الرحمة الإلهية وكان ذلك ذخراً وزيادة في ميزانك يوم القيامة، وإن رفضتها فقد منعت عنك الرحمة والخير، فقد ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أيّما مؤمن أتى أخاه في حاجة، فإنّما ذلك رحمة من الله ساقها إليه وسبّبها له، فإنْ قضى حاجته كان قد قبل الرَّحمة بقبوله، وإنْ ردّه عن حاجته وهو يقدر على قضائها، فإنّه ردّ عن نفسه رحمة من الله عزَّ وجلَّساقها إليه وسبَّبها له، وذخر الله تلك الرَّحمة إلى يوم القيامة، حتّى يكون المردود عن حاجته هو الحاكم فيها، إنْ شاء صرفها إلى نفسه، وإنْ شاء صرفها إلى غيره..."3.

وفي الوصيَّة المتقدِّمة حدّثنا أمير المؤمنين عليه السلام عن الثَّواب الجزيل المعدّ لأهل المعروف، جزاء مشيهم وخطواتهم في حاجات إخوانهم مشيراً إلى الميدان الّذي فيه تكون هذه التّجارة الرَّابحة مع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله عليه السلام: "من اصطنع المعروف في الحياة الدُّنيا". فعلينا اغتنام هذه الفرصة الثّمينة، وتزيين صفحات وجودنا بها، ولنا من الخالق سبحانه، خير الجزاء.

خدمة النَّاس هي خدمة الله‏
فيما جاء عن مولانا الصَّادق عليه السلام قوله: "من قضى لأخيه المسلم حاجة كان كمن خدم الله تعالى، عمره"4.

يكشف لنا هذا الحديث الشّريف عن عمق وحقيقة الخدمة الإنسانية مبيّناً أنّها خدمة إلهيّة طالما المراد بها وجه الله تعالى، ونيل رضاه، وإلّا لو كانت للتّباهي وكسب مودَّة أصحاب النُّفوذ والرياء يراد بها وجه الناس، فليس هناك شكّ في عدم اعتبارها خدمة للَّه تعالى وإنّما خدمة للنّاس بغية نيل مكانة لديهم أو الحصول على منصب من مناصب الدُّنيا الفانية.

وفي قول للإمام الخمينيّ قدس سره: "ليُهي‏ء الأحبّة الأعزّاء أنفسهم لخدمة الإسلام والشّعب المحروم وليشدّوا الأحزمة لخدمة العباد الّتي تعني خدمة الله"5.

عندما تُجعل خدمة الناس وخدمة الله عزّ وجلّ في كفّةٍ واحدة، بحسب ما ورد في السنة الشريفة، ففي ذلك تأكيد على عظمة ومكانة هذا العمل المبارك في الحسابات الإلهية.

خدمة الناس أفضل الأعمال‏
الخدمة طالما كانت خالصة لوجه الله تعالى، فهي من أفضل الأعمال وأحبّها إلى الله عزَّ وجلّ،‏َ يقول الإمام الخميني قدس سره: "لا أظنّ أنّ هناك عبادة أفضل من خدمة المحرومين".
لقد كانت حياة الإمام قدس سره عامرة من بداياتها، إلى أن التحق بالملكوت الأعلى بخدمة المؤمنين والشعب المستضعف والعلماء والأصدقاء. ينقل بعضهم أنّ الإمام الخميني قدس سره بعد أن تشرّف بزيارة الإمام الرضا عليه السلام في إحدى المرّات كان يترك رفاقه في الحرم المشرّف يتعبّدون إلى الصباح ويعود إلى المنزل لكي يُهيّى‏ء لهم الفطور ويشتري الخبز ويقوم بخدمات المنزل الذي نزلوا به وحينما سأله أحدهم: لماذا لم تبق أنت في الحرم المطهّر وتأمر أحدنا بأن يعود إلى المنزل ويقوم بتهيئة الطعام، يكون جوابه قدس سره: "لم يثبت عندي أنّ البقاء في حرم الإمام عليه السلام بعد الزيارة أفضل من خدمة المؤمنين"6.

ويُحدّثنا مولانا الصَّادق عليه السلام عن هذه الحقيقة، قائلاً: "لأنْ أمشي في حاجة أخٍ لي مسلم أحبّ إليّ من أن أعتق ألف نسمة وأحمل في سبيل الله على ألف فرس مسرجة ملجمة"7.

وفي حديث آخر: "قال الله عزَّ وجلّ: الخلق عيالي، فأحبّهم إليّ ألطفهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم"8.

كما يُحدّثنا مولانا الباقر عليه السلام عن مدى حبّه وتفضيله لخدمة المحرومين حيث يقول: "لأنْ أعول أهل بيت من المسلمين. أسدّ جوعتهم وأكسو عورتهم، فأكفّ وجوههم عن النَّاس أحبّ إليّ من أن أحجّ حجَّة وحجّة ومثلها ومثلها حتّى بلغ عشراً ومثلها ومثلها حتّى بلغ السَّبعين"9.

كيف نخدم؟
إنّ خدمة الناس ليست مجرّد شعار يستحضره الإنسان ليُطلقه عند حماسه ويتغنّى به في عروضه ومناظراته، بل هو برنامج لا بد أن ينتهجه وخطوات لا بدّ أن يسير بها، فما لم تتحوّل الخدمة من مجرّد شعار إلى برنامج وخطوات عملية مدروسة ومنسّقة ومتكاملة لن تتمكّن من تحقيق أهدافها، ولن تكون جدّية وبالمستوى المطلوب الذي يواجه الحرمان والحاجة...

والخدمة لا تنحصر بالأمور المادّية فقط، بل لها طرقها المتعدّدة، فبالإضافة إلى بذل المال في سبيل الخدمة الذي تُشير إليه العديد من الروايات.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ إدخال السرور على المؤمن: إشباع جوعته أو تنفيس كربته أو قضاء دينه"10.

يُمكن الاستفادة من الجاه أيضاً.

فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تعالى ليسأل العبد في جاهه كما يسأل في ماله، فيقول يا عبدي رزقتك جاهاً، فهل أعنت به مظلوماً أو أعنت به ملهوفاً"11.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في منفعة برّ أو تيسير عسر، أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام"12. فيمكن استعمال الجاه للتخفيف عن المؤمن أيضاً.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من كان وصلة لأخيه بشفاعة في دفع مغرم أو جرّ مغنم، ثبّت الله قدميه يوم تزلّ فيه الأقدام"13.

ويمكن أن تكون الخدمة من خلال حفظ كرامته وصونه من بذل ماء وجهه.

ففي الرواية عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ في شيعتنا لمن يهب الله تعالى له في الجنان من الدرجات والمنازل والخيرات ما لا تكون الدنيا وخيراتها في جنبها إلا كالرملة في البداية الفضفاضة فما هو إلا أن يرى أخاً له مؤمناً فقيراً فيتواضع له ويُكرمه ويُعينه ويمونه ويصونه عن بذل وجهه له حتى يرى الملائكة الموكلين بتلك المنازل والقصور وقد تضاعفت..."14.

ويمكن أن تكون الخدمة على شكل كلمة تُشكّل نصيحة يحتاج إليها الناس، وتُساعدهم على حلّ مشاكلهم.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من مضى مع أخيه في حاجة فناصحه فيها، جعل الله تعالى بينه وبين النار يوم القيامة سبعة خنادق، والخندق ما بين السماء والأرض"15..

بل نجد الروايات تعتبر عدم النصيحة مع القدرة عليها خيانة!

فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من مشى مع أخيه المؤمن في حاجة فلم يُناصحه فقد خان الله ورسوله"16.

وأقل ما يُمكن للإنسان أن يخدم أخيه بدعوة، فقد تكون الخدمة مجرّد دعاء يدعوه المؤمن بحقّ أخيه المؤمن. فعن الإمام الصادق عليه السلام: "وما من مؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكلّ الله به ملكاً يقول: ولك مثل ذلك"17.

الثّمار الطّيّبة لخدمة النّاس‏
في روايات أهل البيت عليهم السلام بيان كافٍ ووافٍ للآثار المترتَّبة على خدمة النّاس باختلاف أشكالها وأساليبها، حتّى ورد التَّفضيل في كلّ نوع من هذه الخدمات بما لها من ثمرات، من هذه الآثار:

1- الأمن يوم القيامة: روي عن مولانا الكاظم عليه السلام أنّه قال: "إنّ لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج النّاس هم الآمنون يوم القيامة"18.

2- ألف ألف حسنة: عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله كتب الله له ألف ألف حسنة"19. نُلاحظ هنا أنّ هذا الأثر الأخرويّ مترتِّب على السّعي حتّى وإن لم تُقض الحاجة، فلو بذل الإنسان وسعه وسعى ليقضي حاجة أخيه فلم يوفّق كان له هذا الأثر، فكيف لو قضيت؟ وكذلك يُشير هذا الحديث الشَّريف إلى مسألة طلب وجه الله تعالى بذلك لا طلب وجه الناس والدُّنيا.

3- ثواب عبادة تسعة آلاف سنة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: "من سعى في حاجة أخيه المؤمن فكأنّما عبد الله تسعة آلاف سنة، صائماً نهاره قائماً ليله"20.

4- كان الله في حاجته: عن الإمام الصَّادق عليه السلام أنّه قال: "من كان في حاجة أخيه المؤمن المسلم، كان الله في حاجته ما كان في حاجة أخيه"21.

5- استغفار الملائكة له: في الحديث عن الإمام الصَّادق عليه السلام: "إنّ العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن، فيوكّل الله عزَّ وجلّ،‏ به ملكين: واحداً عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربّه ويدعوان بقضاء حاجته"22.

6- ثواب المجاهدين: عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من مشى في عون أخيه ومنفعته فله ثواب المجاهدين في سبيل الله"23.

7- ثواب السعي بين الصفا والمروة: عن الإمام الصَّادق عليه السلام أنّه قال: "الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة"24.

8- كمن عبد الله دهره: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من قضى لأخيه المؤمن حاجة كان كمن عبد الله دهره"25.

9- الفوز بالجنّة: عن الإمام الصَّادق عليه السلام أنّه قال: "ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلا ناداه الله تبارك وتعالى: عليّ ثوابك، ولا أرضى لك بدون الجنّة"26.

10- تهون عليه سكرات الموت وأهوال القبر: في الحديث عن الإمام الصَّادق عليه السلام: "من كسا أخاه كسوة شتاء أو صيف كان حقّاً على الله أن يكسوه من ثياب الجنّة، وأن يُهوّن عليه سكرات الموت، وأن يوسّع عليه قبره، وأن يلقى الملائكة إذاخرج من قبره بالبشرى"27.

11- قبول الأعمال: عن مولانا الكاظم عليه السلام أنّه قال: "إنّ خواتيم أعمالكم قضاء حوائج إخوانكم والإحسان إليهم ما قدرتم وإلّا لم يقبل منكم عمل"28.

* كتاب هدى وبشرى، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 193.
2- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 195.
3- م.ن ص 193.
4- العلّامة الحلّي، الرسالة السعديّة، ص 162، تحقيق: السَّيّد المرعشيّ بقّال، ط 1، المكتبة العامة لآية الله العظمى مرعشيّ نجفي، 1410هـ.
5- خدمة الناس في فكر الإمام الخميني، إعداد: مركز الإمام الخميني، ط 1، لا. م، مركز الإمام الخميني الثّقافي، 1429هـ 2008م، ص 12.
6- مجلّة بقية الله، العدد 140، ص 43.
7- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 197.
8- م.ن، ج 2، ص 194.
9- م. ن، ص 195.
10- الشيخ محمد مهدي الحائري، شجرة طوبى، ج‏2، ص‏439، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها - النجف الأشرف، لا.مط، الطبعة الخامسة، محرم الحرام 1385.
11- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج‏21، ص‏429.
12- ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، ج‏1، ص‏374، تقديم: السيد شهاب الدين النجفي المرعشي / تحقيق: الحاج آقا مجتبى العراقي، لا.ن، سيد الشهداء - قم، الطبعة الأولى، 1403 - 1983م.
13- الشيخ هادي النجفي، ألف حديث في المؤمن، ص‏324، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى، شوال 1416.
14- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج‏8، ص‏47.
15- ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، ج‏1، ص‏375.
16- الشيخ الكليني، الكافي، ج‏2، ص‏372.
17- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج‏21، ص‏389.
18- الشيخ الكليني، الكافي، ج‏2، ص‏197.
19- م. ن.
20- العلامة المجلسي، بحار الأنوار،ج 71، ص 315.
21- م. ن، ص 286.
22- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 195.
23- الشيخ الصدوق، ثواب الأعمال، ص 288، تقديم: السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي - قم، أمير - قم، الطبعة الثانية، 1368 ش.
24- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 75، ص 281.
25- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 16، ص 36.
26- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 194.
27- م.ن، ج 2، ص 204.
28- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 72، ص 79.

2017-01-26