يتم التحميل...

أرضيّة تثبيت الإسلام

ولادة الرسول الأكرم(ص)

في مثل هذه الظروف ظهر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ومن عائلة وشجرة ليس من السهل لأحد مواجهتها. فلو كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد اختير من بين العائلات الضعيفة أو من عائلات المجتمع السفليّ، لكان التصدّي له أسهل بالنسبة للمتنفّذين، ولقلّ احتمال تجذّر هذه الشجرة.

عدد الزوار: 90

بيئة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

في مثل هذه الظروف ظهر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ومن عائلة وشجرة ليس من السهل لأحد مواجهتها. فلو كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد اختير من بين العائلات الضعيفة أو من عائلات المجتمع السفليّ، لكان التصدّي له أسهل بالنسبة للمتنفّذين، ولقلّ احتمال تجذّر هذه الشجرة.

وكانت أخلاق هذا الإنسان وتصرّفاته وشخصيّته، على امتداد حياته إلى الأربعين سنةً، تلقي بظلالها على الجميع. في هذه السنوات، بدأ دعوته، وكلّ هذه كانت ظروفًا ومقدّمات لأن تبقى غرسة الإسلام1.

عائلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

تُوفي والده صلى الله عليه وآله وسلم قبل ولادته، وعلى رواية أخرى، بعد ولادته بعدّة أشهر.

طبقًا لعادات العائلات الشريفة والأصيلة في الحجاز، حينذاك، كانت تُودِع أولادها لدى النساء العفيفات والنجيبات ليربّينهم بين القبائل العربيّة، أُودِع هذا الطفل العزيز، نور عين عائلته، لدى امرأةٍ أصيلة ونجيبة ـ من بني سعد ـ تُدعى حليمة السعديّة. فحملته معها إلى قبيلتها، وبقي ذلك الدرّ النفيس عندها ستّ سنوات، أرضعته وربّته، لذا، ترعرع النبيّ في الصحراء (بين القبائل العربيّة).

ومن وقت لآخر، كانتْ تُحضِر هذا الطفل لأمّه ـ السيّدة آمنة ـ لتراه ومن ثمّ تُرجعه. بعد ستّ سنوات حيث تلقّى هذا الطفل من الناحية الجسميّة والروحيّة تربيةً ممتازة، حيث أصبح من الناحية الجسديّة قويًّا، وجميلًا، ونشيطًا ومجرّبًا (مقتدرًا)، ومن الناحية الروحيّة كان قويًّا، وصبورًا، وحسن الأخلاق والمسلك، وبعيد النظر - والتي هي لازمة للحياة في تلك الظروف - أُعيد إلى أمّه وعائلته. حملت الأمّ هذا الطفل وأخذته معها إلى يثرب لزيارة قبر أبيه ـ الذي تُوفّي هناك ودُفن. فيما بعد، حين قصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وكان مارًّا من هناك قال: هنا دُفن والدي وأذكر أنّني جئت مع والدتي إلى هنا لزيارته. وفي طريق العودة، وفي منطقةٍ تُسمّى بالأبواء، تُوفّيت الأمّ، ليصبح الطفل يتيم الأبوين. فحملته أمّ أيمن2 إلى المدينة وأودعته عند جدّه.

اعتنى عبد المطّلب بهذا الطفل واحتضنه كاحتضانه روحه ومهجته. وفي أحد أشعاره يقول عبد المطّلب: إنّني كأمّ بالنسبة إليه. اهتمّ هذا الشيخ الذي قارب المئة سنة ـ وكان رئيس قريش وعزيزًا في قومه، وفائق الاحترام ـ اهتمامًا بالغًا بهذا الطفل، حتّى لا تظهر عقدة النقص العاطفي فيه على الإطلاق، وبالفعل لم تظهر، وإنّه لأمرٌ مدهش أن يتحمّل هذا الحَدَث قساوةَ العيشِ من دون أبٍ وأمّ، وذلك لكي تزداد قابليّته ويقوى استعداده، لكن لم يحدث له حتّى مقدار رأس إبرة من الدونية3، التي يمكن أن تصيب أطفالًا في مثل سنّه. فقد كرّمه عبد المطّلب وأعزّه، بنحوٍ مثير للدهشة.

ورد في كتب التاريخ والحديث أنّ بساطًا ومسندًا كان يُفرش لعبد المطلب إلى جانب الكعبة، فكان يجلس عليه وكان يجتمع حوله أبناؤه وشبابُ بني هاشم بعزّة واحترام. عندما كان يغيب عبد المطّلب أو يكون داخل الكعبة، كان هذا الطفل يأتي ويجلس مكانه. وحين كان عبد المطّلب يعود، كان شباب بني هاشم يطلبون من هذا الطفل القيام قائلين: إنّ هذا المكان مكان أبين، فيقول عبد المطّلب: لا، هذا مكانه، وينبغي أن يجلس هنا. حينذاك، كان (عبد المطلب) يجلس جانبًا ويترك ذلك الطفل العزيز والشريف والمكرّم جالسًا في مكانه. كان عمره ثماني سنوات حين مات جدّه.

وفي الرواية أنّه عندما حضرت عبدَ المطلب الوفاة، استدعى أبو طالب ابنه الشريف والنجيب، وأخذ منه عهدًا وأودعه هذا الطفل، وطلب منه الاهتمام به كما كان يفعل هو. وافق أبو طالب واصطحب الطفل معه إلى منزله واحتفى به كعزيزٍ له. حمى أبو طالب وزوجته المرأة العربيّة الشجاعة، أي فاطمة بنت أسد والدة أمير المؤمنين عليه السلام هذا الإنسان العظيم لمدّة تقرب من أربعين عامًا وساعداه. في هذه الظروف كانت طفولة وشباب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. تجذّرت في هذا الطفل الخصال الأخلاقيّة المتعالية، والشخصيّة الإنسانيّة العزيزة، والصبر والتحمّل الكبيران، والتعرّف على الآلام والعذابات التي قد تحصل للإنسان أثناء الطفولة، مهّدت الأرضيّة لنسج شخصيّة هذا الطفل العظيمة والعميقة. وفي هذه المرحلة، رافق أبو طالب في سفر بقصد التجارة.

تكرّرت أسفار التجارة، حتّى وصل إلى مرحلة الشباب ومرحلة الزواج من خديجة وبالتالي مرحلة الأربعين التي هي مرحلة النبوّة4.

* كتاب الشخصية القيادية لرسول الإسلام محمد (ص) في فكر الإمام الخامنئي دام ظله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- من كلمة له في القيادة المركزيّة للحرس (17/7/1367) (9/9/1988).
2- كانت أمّ أيمن جارية لعبد الله أو لآمنة بنت وهب، حيث أُعتقت فيما بعد، وتزوّجت من " الحارث الخزرجي". بعد موت الحارث تزوّجت من زيد بن حارثة، وكانت ثمرة هذا الزواج "أسامة بن زيد".
3- أو بمعنى عقدة النقص.
4- خطبتا صلاة الجمعة في طهران (23/2/1379)(12/5/2000).

2015-01-15