يتم التحميل...

النبي(ص) على لسان علي(ع)

صفر

نعزي الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف وولي الأمر في غيبته مدّ ظلّه العالي والمؤمنين لا سيما المجاهدين في الذكريات الحزينة التي حصلت في أواخر شهر صفر، ففي أواخر أيّامه استُشهد الإمامان الحسن المجتبى وعليّ الرضا عليه السلام، كما فجعت الأمّة في الثامن والعشرين منه بوفاة سيّد بني البشر محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله.

عدد الزوار: 92
نور الأسبوع: النبي(ص) على لسان علي(ع)
المناسبة: ذكرى استشهاد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله

نعزي الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف وولي الأمر في غيبته مدّ ظلّه العالي والمؤمنين لا سيما المجاهدين في الذكريات الحزينة التي حصلت في أواخر شهر صفر، ففي أواخر أيّامه استُشهد الإمامان الحسن المجتبى وعليّ الرضا عليه السلام، كما فجعت الأمّة في الثامن والعشرين منه بوفاة سيّد بني البشر محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله.

روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا".

من النعم الإلهيّة الكبرى التي أفاضها الله سبحانه وتعالى على الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ملازمته الدائمة والمستمرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومصاحبته له، فتربّى في حجره، واتّبعه اتّباع الفصيل أَثَرَ أمّه، ولم يفارقه منذ ولادته في جوف الكعبة، ونصره عند إظهار دعوته، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، وكان أوّل المؤمنين به، وأوّل المصلّين خلفه، إلى أن كان آخر المودّعين له حين ارتفاعه إلى الله تعالى.

هذه المسيرة جعلت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعطي الإمام علياً عليه السلام المئات، بل الآلاف من الأوسمة، والتي يأتي في صدارتها حيازته لتلك المرتبة التي لم يصل إليها أحد من البشر على الإطلاق، وهي المعرفة التامة والكاملة بالله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.

ولذا نراه في حديثه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يكشف لنا بوضوح عمق شخصيّته من جميع جوانبها الفرديّة والاجتماعية والرساليّة والجهاديّة والأخلاقيّة، لأنّه حديث العارف المطّلع على مكنونات الشخصيّة العظيمة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

* المنبت الطيب:
 أما المنبت الطّيب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيصفه الإمام علي بكلمات موجزة: "مُسْتَقَرُّه خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ، ومَنْبِتُه أَشْرَفُ مَنْبِتٍ، فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ، ومَمَاهِدِ السَّلَامَةِ".

فالنبيّ كان مستقرّه في الأصلاب الشامخة، وهو خير مستقر. ونبت في أشرف رحم مطهّرة، وأسرة النّبي صلى الله عليه وآله وسلم هي أسرة الكرامة والسلامة من أن تدنّس بالتلوث بأي رجس من الأرجاس المعنوية.

وفي خطبة أخرى: "حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ الله سُبْحَانَه وتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، فَأَخْرَجَه مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً، وأَعَزِّ الأَرُومَاتِ (الأصول) مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَه، وانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَه، عِتْرَتُه خَيْرُ الْعِتَرِ، وأُسْرَتُه خَيْرُ الأُسَرِ وشَجَرَتُه خَيْرُ الشَّجَرِ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وبَسَقَتْ فِي كَرَمٍ".

* في ظل الرعاية الإلهية:

 وأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طفولته، فيصفه الإمام عليه السلام بأنه "خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً"، ويصف عناية الله عز وجل به وهو طفل بقوله: "ولَقَدْ قَرَنَ الله بِه صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه".

فالعناية الإلهية بالأنبياء والرسل لا ترتبط بزمان بعثتهم، بل هي قبل ذلك، فقد شملت العناية الالهيّة موسى الكليم عليه السلام منذ أن كان طفلاً، بما أُلهمت أمّه أن تلقيه في النهر وردّه الله إليها. وهذا النص من أمير المؤمنين يشهد على أن النبي حتى قبل بعثته كان محلاً للعناية الإلهية بالتربية التامة، ولذا لم يتمكن أعداء رسول الله ممن حارب دعوته أن يعيب على رسول الله بشيء من مثالب الأخلاق قبل البعثة مع أنه قد لبث فيهم أربعين سنة، يعيش بينهم كعيشتهم، ولكنه امتاز عنهم بما وهبه الله من لطف.

* البعثة النبوية المباركة:
 تتعدد النصوص في نهج البلاغة حول بعثة النبي وظروفها، فالنّبي بعث في قوم أبعد النّاس عن الحق يعيشون في ظلمات الجهل والضلال، يتقاتلون فيما بينهم، يقول عليه السلام: "أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأُمَمِ، واعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ، وانْتِشَارٍ مِنَ الأُمُورِ، وتَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، واغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى، وظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا".

وأما أداء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لهذه المهمة فهو ما يذكره الإمام عليه السلام بقوله: "وقَبَضَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم وقَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ الْهُدَى بِهِ. فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ، ولَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلَّا وجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً".

وفي خطبة أخرى: "دَفَنَ الله بِه الضَّغَائِنَ، وأَطْفَأَ بِه الثَّوَائِرَ، أَلَّفَ بِه إِخْوَاناً، وفَرَّقَ بِه أَقْرَاناً، أَعَزَّ بِه الذِّلَّةَ، وأَذَلَّ بِه الْعِزَّةَ".

فثمار البعثة النّبوية كانت على المستويين الدنيوي والأخروي، فعلى المستوى الأخروي كانت الهداية الضامنة للفوز في الآخرة وعلى المستوى الدنيوي كانت العزة والسيادة والسؤدد والحياة المليئة بالمحبة والأخوّة.

* الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله:
 إنّ فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه حثٌّ للناس كافة على التأسّي به في نظرتهم إلى هذه الدنيا وما ينالونه منها. ولذا يحثّ الإمام في وصاياه على الاقتداء برسول الله في ذلك: "تَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطْيَبِ الأَطْهَرِ صلى الله عليه وآله وسلم فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى، وعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى. وأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، والْمُقْتَصُّ لأَثَرِهِ. قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً، ولَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً... ولَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وعُيُوبِهَا: إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ، وزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ. فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ: أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ، فَإِنْ قَالَ: أَهَانَهُ، فَقَدْ كَذَبَ - واللَّهِ الْعَظِيمِ - بِالإِفْكِ الْعَظِيمِ، وإِنْ قَالَ: أَكْرَمَهُ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهً قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ، وزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ. فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ، واقْتَصَّ أَثَرَهُ، ووَلَجَ مَوْلِجَهُ، وإِلَّا فَلَا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ، فَإِنَّ الله جَعَلَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم عَلَماً لِلسَّاعَةِ، ومُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ، ومُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ. خَرَجَ منَ الدُّنْيَا خَمِيصاً، ووَرَدَ الآخِرَةَ سَلِيماً. لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ. فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ، وقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ".

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
2013-01-02