27 شباط 2021 م الموافق لـ 15 رجب 1442 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: إضاءات إسلامية

الإمام الهادي (عليه السلام) والمتوكل العباسي




 
من جملة الأساليب التي اعتمدها المتوكل العباسي لإسقاط هيبة الإمام (عليه السلام)، التأثير على قواعده الشعبية، محاولة إحراجه على المستوى العلمي، وإثبات ضعفه في المسائل العويصة والحساسة، فقد قال المتوكل لابن السكيت: إسأل ابن الرضا مسألة عوصاء بحضرتي، فسأله، فأجابه الإمام. فقال يحيى بن أكثم: ما لابن السكيت ومناظرته، وإنما هو صاحب نحو وشعر ولغة.

ثم رفع قرطاسا فيه مسائل، فأملى الإمام جوابها على ابن السكيت، وأمره أن يكتبها، فلما قرأ يحيى بن أكثم أجوبة الإمام (عليه السلام) قال للمتوكل: ما نحب أن نسأل هذا الرجل عن شيء بعد مسائلي هذه، وأنه لا يرد عليه شيء بعدها إلا دونها، وفي ظهور علمه تقوية للرافضة[1]. 

وهذا اعتراف صريح من ابن أكثم بعجزهم عن مجاراته (عليه السلام)، وأن كل محاولاتهم العلمية ستبوء بالفشل، وستنقلب الأمور لصالحه وصالح شيعته.

ويذكر المؤرخون أن المتوكل كثيرا ما كان يعطي المبالغ الطائلة، ويجعل الجعول الكثيرة لمن يستطيع إحراج الإمام (عليه السلام)، حتى حاول الاستعاذة من المشعوذين للوصول إلى غايته.

في مقابل ذلك نجد الإمام (عليه السلام) قد حرص على بيان قدراته العلمية، في مختلف المجالات أيضا، حتى أنه كان يخاطب الناس في لغاتهم الخاصة كأنه واحد منهم، مما كان يثير استغرابهم وتعجبهم، وبالتالي توليهم له وإقرارهم بإمامته[2].
 
تحركات الإمام (عليه السلام):
لقد استطاع المتوكل أن يؤثر على المؤرخين في نقلهم سيرة الإمام (عليه السلام) وتحركاته، وبذلك وقع أكبر الظلم بحق هذا الإمام العظيم، فلم يذكر التاريخ من تحركاته وأعماله إلا ما لا يكاد يشفي الغليل، بالنسبة لتحركاتهم السياسية والاجتماعية، وهذه الظاهرة نجحت بحق أبيه الجواد وابنه العسكري (عليهما السلام).

إلا أن يد الظلم والجبروت مهما عبثت بأقلام التاريخ، ومهما سيطر الظلام على صفحات الواقع، لكنه لا يمكن أن يحجب نور الحق وشمس الإسلام، فقد وردت بعض الشذرات القليلة، التي تتحدث عن أعمال الإمام (عليه السلام) وحركاته، بحيث يمكنها أن تسلط بعض الضوء وسط الظلام الدامس، خصوصا تلك التي تتحدث عن كراماتهم ومعجزاتهم، ذات الوجوه والظروف المختلفة، التي كان الإمام يستفيد منها، في بيان الوجهة السليمة للدين، دون أن يثير حفيظة الحكام وأحقادهم، بحيث يتمكن الباحث عبر مراجعتها واستقرائها، من أن يكشف شيئا من جوانب الحق.

فقد قال خطيب يلقب بالهريسة للمتوكل: ما يعمل أحد بك ما تعمله بنفسك في علي بن محمد، فلا في الدار إلا من يخدمه، ولا يتبعونه يشيل الستر لنفسه، فأمر المتوكل بأن لا يخدمه أحد، ولا يشيل الستر بين يديه، فهب هواء فرفع الستر حتى دخل وخرج، فقالوا: شيلوا له الستر بعد ذلك، فلا نريد أن يشيل له الهواء[3].

تشير هذه الرواية إلى مدى قدرة الإمام (عليه السلام) على التعامل مع الأحداث، فإن منطق الأمور يفرض، أن لا يكون هؤلاء الخدم من أتباعه وشيعته بادئ الأمر، وهو ما يتضح بملاحظة مواقف المتوكل منه ومن شيعته، ومحاولات التضييق عليه، وتشديد الرقابة في سامراء، الأمر الذي يعني أنهم زرعوا في بيته (عليه السلام) لمراقبته، وإحصاء جميع تحركاته، غير أنه بحكمته وحسن تدبيره، استطاع أن يكسر الحصار المفروض عليه بواسطتهم، والتواصل مع شيعته ومحبيه من خلالهم.

ومما يؤكد هذه الحقيقة ما تقدم من حديث يحيى بن هرثمة عندما أشخصه من المدينة بأمر المتوكل، بعدما فتش بيته رجاء أن يجد مالا أو سلاحا يأخذه به. كما نمي إلى المتوكل أن لديه مالا كثيرا وسلاحا يأتيه من شيعته في قم، وأنه عازم على الوثوب بالدولة، فبعث إليه جماعة من الأتراك فهاجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا ورجعوا خائبين[4].

هذا مع أن هذه القصة كانت صحيحة، كما يحدث الفتح بن خاقان، الذي أرسله المتوكل ليرصد وصول الأموال إلى الإمام (عليه السلام)، فذهب إلى دار الإمام ورأى وصولها إليه بطريق إعجازي، مما دفعه إلى الإيمان به واليقين بحقه[5].

وكان الإمام (عليه السلام) ينفق هذه الأموال على ضعاف المسلمين بسخاء منقطع النظير، يرفع حاجاتهم ويحل مشكلاتهم، كما تحدثت كتب التاريخ، وأفصحت عنه تارة بإبراز معجزاته، وأخرى ببيان كراماته، كما تقدمت الإشارة إليه، ما يدل على ما كان يتمتع به من قدرة على مواجهة الأحداث، والتعامل معها، بصورة لا تثير الشبهات من جهة، وتخدم قضية الحق، وتوصل سفينة الإمامة إلى الغاية المنشودة، رغم صغر سنة الشريف، والظروف القاسية والقاهرة التي أحاطت به طيلة حياته الشريفة.
 
سماحة الشيخ حاتم اسماعيل


[1] مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج4، ص435-437
[2] يلاحظ مثلا: كشف الغمة في معرفة الأئمة، مرجع مذكور، ج4، فقد ذكر فيه الكثير من الشواهد على ذلك
[3] مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج4، ص438
[4] تذكرة الخواص، مرجع مذكور، ص360
[5] مناقب آل أبي طالب، مرجع مذكور، ج4، ص444

15-02-2021 عدد القراءات 186



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا