27 أيار 2019 م الموافق لـ 21 شهر رمضان 1440 هـ
En FR

القائد الخامنئي :: خطاب القائد :: 2019

كلمة الإمام الخامنئي في لقائه حشدًا من قادة ومنتسبي القوّة الجوية



كلمة الإمام الخامنئي في لقائه حشدًا من قادة ومنتسبي القوّة الجوية في جيش الجمهورية الإسلامية (1)_08/02/2019 م

الشعب الإيراني سيردد دوماً "الموت لأمريكا" ما دامت أمريكا على شرها

محاور رئيسية
• موقف القوة الجوية الثوري في 19 من بهمن كان مذهلاً
• النظام الأمريكي مظهر حقيقي للشر والعنف
• مهمة العدو بث الرعب فلا تخافوهم
• الأوروبيون ليسوا موضع ثقة فلا تثقوا بهم

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفي محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين.

أرحّب بكم كثيرًا أعزائي، الشباب والمسؤولين المحترمين في القوة الجوية في جيش الجمهورية الإسلامية في إيران والدفاع الجويّ. إنّ اللقاء السنويّ بكم مدعاة سرور لي بالمعني الحقيقي للكلمة؛ الوجوه الشابة، الوجوه المتفائلة، الوجوه المبتهجة الباعثة على الأمل، أين ما تكونوا فوجودكم يبعث الأمل وهو نعمة كبيرة من الله. أتقدّم بالشكر من القائد المحترم على كلمته التي أدلى بها وكانت باعثة على الارتياح. والأعمال الواردة في هذا التقرير القصير هي عناوين مهمة تحتاج إلى المتابعة والملاحقة. فالشروع بكلّ عمل أمر، واستمراره ودوامه أمر آخر وعلى جانب كبير من الأهمية. كما أتقدّم بالشكر من الأعزّاء في الفرقة الانشاديّة العسكريّة. فقد كان شعرهم جيدًا جدًا. وكذا لحنهم كان جميلًا جدًا. فعسي أن يكونوا موفّقين إن شاء الله.

تعاطف الجيش مع الثورة جنّب البلاد مشكلات كبيرة
ما أقوله لكم أيها الأعزاء، إنّ من النعم الإلهية الكبرى على هذا الشعب أنّ الجيش في هذا البلد تضامن مع الشعب وواكبه، وهذه نعمة كبيرة جدًا. ولو لم يتعاطف الجيش مع الشعب ويواكبه في الثورة لاستحال الوضع إلى شيء آخر، ولبرزت مشكلات عجيبة. لقد كان لقادة الجيش حكم ولعامة الجيش حكم آخر، وقد أدّت كلّ قوّة من قوي الجيش دورًا معيّنًا، أعرض هنا لدور القوة الجوية في بضع كلمات:

موقف القوة الجوية الثوري في 19 من بهمن كان مذهلاً
لقد كان دور القوة الجوية بارزًا جدًا. والدور الأوّل للقوة الجوية في الثورة كان حادثة التاسع عشر من بهمن هذه، فقد كانت حادثة التاسع عشر من بهمن كالثورة نفسها. وكما كانت الثورة مدهشة ومذهلة كذلك كانت حادثة التاسع عشر من بهمن. لقد كنت هناك عندما كان هؤلاء الشباب يدخلون من الشارع: بعضهم ضباط وبعضهم ذوو رتب، والكثير منهم منتسبون. وقد شاهدت المنظر من الأعلى من إحدى البنايات حيث كنا نعمل، فسارعت إلى المكان (2) الذي كان الإمام الخميني موجودًا فيه. ثم جاء هؤلاء وتتابعت الأحداث. كان حدثًا مذهلًا بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ حدثًا بعث اليأس في قلب العدوّ وهزّ معنوياته، وأفرح الثوار بشدّة وزاد من معنوياتهم. كان حدثًا مذهلًا. والواقع أنّ مجيء عدّة مجموعات من القوة الجوية -وفي الجملة عدّة سرايا- حيث وقفت في المدرسة وأنشدت نشيدها وقدّمت التحية للإمام الخميني، إنّما كان رزقًا من حيث لا يحتسب الإنسان لهذه الثورة وللمناضلين وللإمام الخميني الجليل «وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» (3). لقد كان هذا بحقّ رزقًا غير محتسب. كانت هذه مرحلة.

أ ــ في 21 من بهمن أفشلوا هجوم الدبابات المضاد ببسالة
والمرحلة التالية كانت واقعة ليلة الحادي والعشرين من بهمن، والتي قلّما تمّ التطرق إليها والحديث عنها. فقد تعرّضت القوّة الجوية ليلة الحادي والعشرين من بهمن لهجوم بالدبابات انتقامًا منها لما قامت به في التاسع عشر من بهمن، فهبّ الناس لمساعدتها. وقد وقفت هذه القوة بصلابة، وسلّمت الأسلحة الموجودة داخل المخزن للناس؛ فسلّحتهم وانتصروا. انتصرت البنادق والأجساد [العارية] والتضحيات، على الدبابات والمجموعات الغاضبة بشدة، التي هاجمت شباب القوة الجوية. وقد كانت هذه أيضًا مرحلة أخرى. وأذكر تلك الليلة تمامًا، حيث كان شباب البلاد يسيرون في الشوارع بما في ذلك شارع "إيران" الذي كنّا فيه ويهتفون: إنّهم يرتكبون مجزرة في القوة الجوية، اخرجوا أيها الناس وتعالوا.. فكان الشباب يهرعون لنجدة القوّة الجوية. وهذه بدورها مرحلة أخرى.

ب ــ ضابط شاب من طياري القوة الجوية أحبط مؤامرة انقلابية
ومرحلة أخرى تتعلّق بقضية الكشف عن مؤامرة انقلاب معسكر همدان، معسكر الشهيد "نوژه". حيث كشفت المؤامرة من قبل ضابط في القوّة الجوية؛ ضابط شاب من طياري القوة الجوية ـ وقد التقيته لاحقًا في فترة الحرب وكان قد تعرّض للإصابة وأصبح جريح حرب ـ قصدني في وقت السحر، في منتصف الليل تقريبًا، وجاء إلى منزلي وأخبرني بما يجري وأنّه من المقرّر [القيام بانقلاب]، ولم نكن نصدّق الأمر، هذا الشاب قصد بنفسه في منتصف الليل ـ وقصة ذلك طويلة ـ هذا وذاك، وطرق الأبواب، وبذل ما بذل من جهود عساه يستطيع الوصول إلى الإمام الخميني وإخباره، لكنّه لم يستطع، فقالوا له اذهب إلى فلان، فجاءني وقال: القضية كيت وكيت، جاء متعبًا، مرهقًا، وخائفًا، فاستدعيت عناصر الأمن، وقلت لهم إنّه يقول كذا وكذا، فذهبوا في ذلك اليوم نفسه [وتابعوا المسألة]. كان من المقرر غداة ذلك اليوم، تنفيذ الانقلاب في طهران، فاستطاع شاب من القوة الجوية أن يحبط ويفشل تلك المؤامرة. هذه صفحات من تاريخنا. وللأسف فإنّ تاريخ الثورة وتاريخ الأحداث والأدوار العجيبة التي أُدّيت في هذه الثورة، لا تزال مجهولة لدى الكثيرين ولم يسمعوا بها. هذا أيضًا أضعه في حساب القوّة الجوية. وأسجّله لصالحها، هذا التحرّك الكبير والعمل العظيم الذي قام به [هذا الشخص].

ج ــ شباب القوة الجوية أطلقوا مشروع الاكتفاء الذاتي في الجيش
القضية الأخرى قضية جهاد الاكتفاء الذاتي. لقد كان جهاد الاكتفاء الذاتي من إبداعات القوة الجوية، حيث كنت حينها في وزارة الدفاع ومسؤول الشؤون العسكرية من قبل مجلس شورى الثورة. ولم نكن نحن من اقترح هذا الأمر، [بل] هم من اقترحوه علينا، فقالوا: إنّ بوسعنا تأسيس تشكيلات باسم جهاد الاكتفاء الذاتي ـ وهم الذين اختاروا الاسم ـ فأيدنا هذا الاقتراح وصادقنا عليه ودعمناه. وإلّا فشباب القوة الجوية هم الذين قاموا بالعمل. وكان بينهم ضبّاط، ومنتسبون، تجمّعوا، وبدأوا العمل وانطلق جهاد الاكتفاء الذاتي في الجيش. وأنتم ـ والفنّيون منكم بالحدّ الأدنى ـ تعلمون أيّ أعمال كبيرة حقّقها جهاد الاكتفاء الذاتي في البلاد طوال هذه العقود. هذه أيضًا من آثار ومميّزات القوة الجوية.

د ــ أول رد فعل ساحق في الحرب المفروضة جاء من القوة الجوية
نقطة أخرى أيضًا، وهي أنّ أوّل ردّ فعل ساحق في الحرب المفروضة كان من فعل القوة الجوية. ففي اليوم الثاني للحرب ـ وكان العدوّ هو الذي هاجمنا في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني وما بعده ـ نفّذت بتلك الطلعات المدهشة غارات على بغداد والعراق ما أذهل الجميع. فالعدوّ لم يكن يتوقع ذلك، وإمكانياتنا وقدراتنا كانت قليلة للغايةز لم نكن نمتلك بعض الإمكانيات، والبعض الآخر لم نكن نعلم بوجوده. كان متوفّرًا لكنّنا لا نعلم به، وقادتنا لم يكونوا متمرّسين بعد. ومع ذلك فقد نفّذوا عددًا كبيرًا، قرابة المائة والأربعين طلعة أو أكثر في يوم واحد، توجّهت إلى العراق وقصفت مطاراته ومواقع مختلفة منه، ردًّا على قصفهم مطاراتنا، فكانت هذه الحركة الضاربة الأولي من قبل الجيش والقوة الجوية في الحرب المفروضة.

هـ ــ إنجازات أخرى على امتداد الحرب: عمليات "والفجر 8" أنموذجاً
ومن ثم، هناك نشاطات الجيش الأخرى على امتداد فترة الحرب، ومن نماذجها عمليات «والفجر 8». رحم الله الشهيد ستّاري الذي كان حينها ضابطًا تقنيًا فنيًا في القوة الجوية، ولم يكن قد تولّى قيادة القوة الجوية بعد. لقد قام بعمل في عمليات «والفجر 8» مكّن المقاتلين من عبور نهر أروند إلى الجهة الثانية واحتلال الفاو ووقوع تلك الأحداث المهمة التي هزّت العالم حقًّا. حينها، لم ينم الشهيد ستاري وزملاؤه طوال عدة أيام. كانوا ينقلون المضادّات وأجهزة الدفاع الجوّي من ناحية إلى أخرى، ويطلقون المضادات دون توقف، يسقطون الطائرات، ثمّ يغيّرون أماكنها من أجل أن لا تستهدف. فقاموا بعمل استثنائيّ غير قابل للوصف على الإطلاق. على من هم من أهل القلم والكتابة، وعلى من هم من أهل الخطابة، وعلى من هم من أهل الإنشاد، أن ينشدوا هذه الأحداث والوقائع ويكتبوها. إنّها إنجازات كبيرة جدًا تلك التي حصلت ووقعت، وشعبنا، وشبابنا في الغالب، لا يدرون بها ولا يعلمون بما حصل. ونموذج واحد منها كان عمليات «والفجر 8» وهناك حالات وأحداث أخرى وقعت.

و ــ أول طائرة حربية محلية الصنع كانت من إنجاز القوة الجوية
ومن الأعمال المهمّة صناعة الطائرات. فأول طائرة حربية صنعت في البلاد صنعت في القوة الجوية. وقد ذهبت إلى هناك وزرت الموقع وشاهدته. فبالاستفادة من الطائرات التي كانت لدينا أجريت بعض التغييرات، وعملوا [على المسألة]، وتمّت صناعة طائرة حربية بقمرتين في داخل البلاد. حصل هذا في القوة الجوية وكان عملًا مهمًّا. ثم استمرت هذه الأعمال إلى الفترة الأخيرة، فكان آخر أعمال هذه القوّة المساندة والدعم للمدافعين عن المراقد حيث تمّ إنجاز عمل كبير. على هذا الصعيد أيضًا تمّ إنجاز عمل كبير.

أيها الشباب: هذا هو تاريخكم؛ هذه هي هويتكم فحافظوا عليها
حسنًا، كان هذا جزءًا من ماضيكم أيها الشباب. الكثيرون منكم أنتم الذين تستمعون هذا الكلام، لم تشهدوا تلك الأيام ولم تدركوها. ولم تكونوا قد ولدتم بعد. لكن هذه وقائع حصلت. هذا هو تاريخكم، هذا هو ماضيكم، هذه هي هويتكم، فحافظوا على هذه الهوية ما استطعتم، هذا ما أقوله. ما أقوله هو أنّ أهم الأعمال ـ وهو ما تتمخّض عنه كلّ هذه الأمور والأشياء التي قلتها بل وعشرات أضعافها ـ عبارة عن بناء الإنسان، وبناء الطاقات الإنسانية، وقوة الهوية والشخصية للجماعة والأفراد الذين يشكّلون تلك الجماعة. هذا هو الأهمّ من كلّ شيء، فعليكم ببناء الإنسان. لقد خرّجت القوة الجوية أشخاصًا كالشهيد بابائي، والشهيد ستّاري، وبقية الشهداء وهم كثر ـ الشهداء الكبار ـ وكلّ هذا بفضل الثورة الإسلامية. في النظام الطاغوتي ، كانت الطاقات والمواهب موجودة، لكنّها لم تكن تُفعّل، وإنّ الذي استطاع تبديل النحاس إلى ذهب، واستطاع تغيير العناصر بالكامل وتحويلها، وتبديل البشر والأفراد إلى مثل هذه الشخصيات البارزة، هو الثورة الإسلامية والحراك العظيم للشعب الإيراني.

صورة قضايا البلاد
أ ــ الشعب لن يُعرض عن استقلاله وعزته
حسنًا، إنّ تصوّري اليوم لقضايا البلاد المختلفة تصوّر ينعكس تمامًا في كلامي وقد سمعه الجميع. فتصوّري تصوّر متفائل، لا أنّني لا أعرف الأحداث ولا أعلم بها، ولا أعلم بالمشكلات، ولا أرى الغلاء؛ وكيف لا؟ فهذه كلّها أمور واضحة، والمعلومات والأخبار تصلنا بنحو أكثر ممّا تصل إلى الأماكن الأخرى، ولكنّني إجمالًا، حينما أنظر [حولي] أرى أنّ الشعب الإيراني يقف اليوم كالبطل وكالشخصية المتفوّقة مقابل جبهة معاندة لعدوّ خبيث ماكر، وتعلم ما الذي تريد فعله، هذا هو المهمّ. إنّنا نعلم ما الذي نسعي إليه ونريده. المبادئ واضحة بالنسبة لنا، والأهداف واضحة. الشعب الإيراني يقف وراء هذه الثورة وهذا النظام بكلّ قواه. توجد في بعض المواطن حالات عتاب، وانزعاج، وتوقّعات. لكنّ هذا العتاب وهذه التوقّعات لم تؤدِّ أبدًا إلى إعراض الشعب الإيراني عن الاستقلال والعزّة والشموخ الذي أحرزه بفضل الثورة. وسوف لن يعرض في المستقبل أيضًا. جميعنا هنا مكلّفون ومسؤولون.

قيام الجميع بتكاليفهم تتجاوز بهم الأخطار نحوغايتهم النهائية
توصيفي [للمشهد] هو كالتالي: افترضوا أنّ متسلق جبال يصعد منعطفًا جبليًا، وقد صعد وتجاوز جزءًا مهمًّا من هذا المنعطف الصعب والزلق والمتعرّج والخطير، وكانت التهديدات والمخاطر كثيرة، لكنّه تحدّاها وسار لأنّ عليه الوصول إلى القمة. وطالما لم يصل إلى القمّة فالأخطار موجودة؛ فإذا ما وصل إليها فلن يعود للتهديدات أثر. على الجميع أن يشحذوا الهمّة، والأمر لا يختصّ بالقوات المسلحة، ولا بالقوّة الجوية، ولا يختص بقسم من المجتمع وجزء من المسؤولين وجانب من الشباب، إنّما بالجميع. وعلى الجميع أينما كانوا أن يشحذوا الهمم ويعملوا ويجدوا ويسعوا ويشخّصوا تكاليفهم ويملؤوا جدول التكاليف والأعمال هذا. وخانات الجدول تملأ بهذه الطريقة: أنت تؤدّي تكليفك وتملأ خانة من خانات الجدول، وآخر يملأ الخانة اللاحقة، وثالث يملأ خانته. عندما يمتلأ جدول التكاليف والواجبات هذه سوف تتمّ الأعمال وتتحقّق ونصل إلى الهدف. هذا هو واجب الجميع.

مهمة العدو بث الرعب فلا تخافوهم وخافوا الله فقط
إنّ مهمّة العدوّ هي بثّ الرعب والاضطراب. مهمّة العدوّ أن ينشر الذعر والخوف واليأس. هذه هي مهمّة العدوّ وما يقوم به الشيطان. والمسألة ليست وليدة اليوم. فلطالما كانت موجودة ومستمرّة على مدي التاريخ، وطوال تاريخ الإسلام: «إِنَّما ذٰلِكمُ الشَّيطانُ يخَوِّفُ أَولِياءَهُ». إنّها آية قرآنية «فَلا تَخافوهُم وَ خافونِ إِن كنتُم مُؤمِنينَ» (4). يقول الله تعالى: أيّها المؤمنون لا تخافوا أولياء الشيطان وأتباعه ولا تخشوا القوى الشيطانية، بل خافوني وخافوا الانحراف عن الصراط المستقيم. إذا انحرف الإنسان عن الصراط المستقيم فهذا أمر مخوف. لأنّكم عندما تنحرفون عن الجادة المستقيمة والصحيحة والقويمة سوف تتيهون في الصحراء. وهذا ما يجب أن تخافوه. أمّا العدوّ فلا تخافوه إطلاقًا؛ لا تخافوا العدوّ. ويقول في موضع آخر «فَلا تَخشَوهُم وَاخشَونِ» (5)، أو قوله «الذين قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَد جَمَعوا لَكم فَاخشَوهُم فَزادَهُم إيمانا.. وَقالوا حَسبُنَا اللَّهُ وَ نِعمَ الوَكيلُ» (6).

لاحظوا، إن آيات القرآن دروس حياة ودروس تقدّم وتطوّر. بعد معركة أُحُد حيث قدّم المسلمون الشهداء، واستشهد شخص كحمزة سيد الشهداء، واستشهد آخرون، والبعض الآخر جرحوا وأصيبوا، وانتهت المعركة بالتالي، وانقضى ذلك اليوم وهمّوا بالعودة إلى المدينة... وعلى أعتاب المدينة، وخارجها، في منطقة أحد، كان هناك بعض الجرحى وبعض المتألّمين والمهمومين. وبعد أن ابتعد العدوّ عن المدينة ـ إذ في المرحلة الأخيرة [من المعركة] وجّه المسلمون ضربات شديدة للعدوّ وأجبروه على الابتعاد ـ خطرت بباله فكرة وخطة، وهي أنّه طالما عاد المسلمون إلى المدينة وألقوا السلاح، فليعودوا هم ويهاجموهم فجأة وينهوا كلّ شيء. ولكي يبثوا الفزع والهلع في نفوس المسلمين، فقد سرّبوا الخبر بنحو من الأنحاء، بأنّ الأعداء سوف يهجمون الآن. حسنًا، البعض جرحي والبعض متعبون «قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَد جَمَعوا لَكم». جاء المندسّون بين الناس وقالوا لهم إنّ الجيش خارج المدينة بانتظار الهجوم عليكم ـ فَاخشَوهُم ـ وسوف يذيقونكم الويل والثبور. عندها أمر الرسول الذين جرحوا اليوم في أحد فقط، بالخروج إلى العدوّ، وقال: هؤلاء لا غيرهم، من يجب أن يحملوا السلاح ويقاتلوا ... [وهكذا]، انبرى بعض الجرحى، وهم مؤمنون بالتالي، مؤمنون بالرسول ويقبلون عنه، فحملوا السيوف وخرجوا واشتبكوا مع تلك الجماعة التي كانت بالقرب من المدينة ـ على بعد فرسخ أو نصف فرسخ ـ وانتصروا عليهم انتصارًا عظيمًا «فَانقَلَبوا بِنِعمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضلٍ لَم يمسَسهُم سوءٌ» (7). في البداية «قالوا حَسبُنَا اللهُ وَ نِعمَ الوَكيلُ » ثم ساروا «فَانقَلَبوا بِنِعمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضلٍ» عادوا ومعهم الغنائم، قد هزموا العدوّ ورجعوا مرفوعي الرأس غانمين. هذا هو منطق الإسلام.

إنّ ما يدفعكم إلى الخوف واليأس والقنوط هو الشيطان. وهؤلاء الشياطين يعملون اليوم بشكل متواصل، عبر الإذاعات وشبكات التلفزة والفضاء الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي وما إلى ذلك من أجل أن تخافوا. ولكن لا، «فَلا تَخافوهُم» (8)، بل خافوا الانحراف عن طريق الله، لأنّنا إذا انحرفنا عن الطريق المستقيم كان مصيرنا مصير البلدان الخاضعة لأمريكا: مصير العربية السعودية، ومصير نظام الشاه. وفي مثل تلك البلدان كلّ إمكانيات البلد تكون ملكًا للعدوّ، فيما الشعب ذليل مقابل العدوّ، لا ملاذ ولا ملجأ له منه.

• شباب القوة الجوية أنموذجاً
حسنًا، أشعر أنّ التاسع عشر من بهمن هذا يملي علينا نوعًا من الشعور بالواجب فيما يتعلّق بالسيطرة على النفس والشعور بالاقتدار. وقد كان التاسع عشر من بهمن في ذلك العام أيضًا على هذا النحو. فالشباب الذين هبّوا في التاسع عشر من بهمن وجاؤوا من القوة الجوية وبايعوا الإمام الخميني ـ كانوا بالتالي عرضة للتهديدات والمخاطر، حيث كانت المخاطر والتهديدات قائمة يومذاك وكان نظام الطاغوت لا يزال قائمًا ـ هؤلاء تغلّبوا على خوفهم وعلّقوا الآمال على الله ولم يخشوا الشيطان. ولم تكن القضية سرّية خفية. وأنا أتذكّرها ـ وهي ماثلة أمام عيني، وكان الكثيرون منهم قد أخرجوا هوياتهم الشخصية من جيوبهم ورفعوها بأيديهم، بمعني أنّنا فلان وفلان، وإذا أردتم أن تعرفونا فاعرفونا ـ تغلبوا على الخوف ولم يفقدوا الأمل بالله. وهذا هو الحلّ اليوم أيضًا. أمام الشعب الإيراني وأمام مسيرة الشعب الإيراني العظيمة، بما فيه أنتم أيها الأعزاء. وهكذا ستكون أيضًا تظاهرات الثاني والعشرين من بهمن.

وسوف أذكر نقطتين أو ثلاثًا بخصوص المظاهرات لاحقًا. إنّ تظاهرات الثاني والعشرين من بهمن محطّمة للأعداء بالمعني الحقيقي للكلمة. وهي مظهر الحركة الوطنية. فمنذ أربعين عامًا والشعب يخرج إلى الشوارع عندما يحلّ الثاني والعشرون من بهمن، ليس في طهران فحسب، بل في سائر مدن البلاد، وليس بعشرة آلاف أو عشرين ألفًا بل بحشود هائلة عظيمة، وبحشود مليونية في بعض الحالات، وأنا أعتقد أنّ هذا الحراك سيكون في هذه السنة أعظم من السنين السابقة.

النظام الأمريكي مظهر حقيقي للشر والعنف
النظام الأمريكي تجسيد للشر والعنف بالمعني الحقيقي للكلمة. إنّه نظام مفتعل للأزمات ومؤجّج للحروب. ليس اليوم فقط، بل طوال هذه الأعوام التي شهدنا نحن بعضها بأنفسنا، وقرأنا عن بعضها الآخر. حياة النظام الأمريكي منذ بداياته ـ ولا نقول منذ بداية البدايات، ولا نقصد عندما استقل عن بريطانيا، بل بعد مدة من الزمن ـ كانت قائمة على التطاول والعدوان على هذه المنطقة وتلك المنطقة من العالم، للحفاظ على مصالحه وتحقيقها واكتسابها. أمّا الشعوب فلم تكن لها أيّ أهمية عندهم وكانوا على استعداد لسحقها بأقدامهم. إنّه أساسًا مظهر للشرّ.

الشعب الإيراني سيردد دوماً "الموت لأمريكا" ما دامت أمريكا على شرها
وفي الوقت الذي يوجّه مثل هذا النظام الإهانات للجمهورية الإسلامية وللشعب الإيراني، يشتكي ويقول لماذا يرفع الشعب الإيراني شعار «الموت لأمريكا»؟ أوّلًا، أوضّح للسادة الكبار في أمريكا، نقطة وهي أنّ «الموت لأمريكا» تعني الموت لترامب وجون بولتون وبومبيو؛الموت لهؤلاء. يعني الموت لرؤسائهم، ولا شأن لنا بالشعب الأمريكي. الموت لأمريكا تعني الموت لكم أنتم تلك الحفنة من الأشخاص وتلك الجماعة التي تديرون بلادكم. هذا هو المقصود. والموجودون [على رأس السلطة] في هذه الفترة هم المقصودون، وغيرهم في الفترات الأخرى. وليس المقصود به الشعب الأمريكي. ثانيًا، طالما انطوت أعمال الحكومة الأمريكية والنظام الأمريكي على هذا الشر وهذا التدخل وهذا الخبث وهذه الخسّة، فإنّ [شعار] «الموت لأمريكا» لن يفارق شفاه الشعب الإيراني.

الأوروبيون ليسوا موضع ثقة فلا تثقوا بهم
حسنًا، الكلام في البلاد هذه الأيام عن الأوروبيين ومقترحاتهم. توصيتي هي أن لا تثقوا بالأوروبيين أيضًا. وفيما يتعلّق بأمريكا أيضًا، فقد قلت منذ عامين أو ثلاثة أعوام عندما كانت المفاوضات النووية جارية، سواءً للمسؤولين بشكل خاصّ، أو في اللقاءات العامّة، وفي الخطابات، وكرّرت القول بأنّني: لا أثق بهؤلاء. فلا تثقوا بهم ولا تطمئنوا إليهم، ولا تثقوا بكلامهم ولا بأقوالهم ولابتواقيعهم ولا بابتساماتهم، فهم ليسوا موضع ثقة. حسنًا، وكانت النتيجة الآن، أنّ المسؤولين أنفسهم الذين كانوا يخوضون المفاوضات يومذاك أصبحوا يقولون اليوم إنّ أمريكا ليست موضع ثقة. كان عليهم أن يشخّصوا منذ البداية بأنّ أمريكا ليست موضع ثقة ويتحرّكوا على هذا الأساس. واليوم أيضًا أقول فيما يتعلّق بأوروبا والأوروبيّين، "إنّهم ليسوا موضع ثقة". لا أقول أن لا تقيموا علاقات معهم في القضايا التي هي مورد حاجة وما إلى ذلك. لا، فنحن بالتالي حكومة ودولة مقتدرة والحمد لله ولنا قدراتنا. ليس الكلام عن هذا، إنّما الكلام هو في أن تنظروا إليهم بعين الريبة.فهم لا يلتزمون بأيّ شيء.

يتعرضون للمتظاهرين في باريس ويطالبوننا ـ بوقاحة ـ بمراعاة حقوق الإنسان!
لاحظوا: إنّهم يخيّبون آمال مواطنيهم في شوارع باريس. فالمتظاهرون في شوارع باريس يتعرّضون للهجمات من قبل قوّات الشرطة الفرنسية، ما يتسبّب بيأسهم وخيبتهم. هكذا يتعاطون مع شعبهم ،ثم تراهم يطالبوننا بمراعاة حقوق الإنسان! وما شأنكم أنتم بهذا؟! وما علاقتكم بحقوق الإنسان لتطالبوا بلدًا آخر وشعبًا آخر بها؟ وهل تعرفون حقوق الإنسان أصلًا؟ إنّهم اليوم لا يعرفونها، ولم يعرفوها بالأمس، ولم يكونوا يعرفونها في تاريخهم. هكذا هم. أي إنّهم يقفون بمنتهي الوقاحة ويطالبون بشيء،؛يطالبون به بطريقة جدّ استعلائيّة ومتكبرة. لا يمكن الوثوق بهؤلاء ولا يمكن احترامهم. هكذا هم. ولقد شاهدنا ذلك مرارًا في القضايا والأحداث المختلفة؛ فرنسا بنحو، وبريطانيا بنحو، وتلك الدولة بنحو، وأخرى بنحو آخر، كلّ واحدة منهنّ بنحو. هكذا هو سلوكهم وتعاطيهم. طبعًا نحن لنا علاقاتنا مع العالم كلّه ـ مع بعض الاستثناءات ـ وستبقي لنا هذه العلاقات، لكن علينا أن نعلم من هو الطرف المقابل، مع من نتفاوض، ومع من نبرم الاتفاقيات والعقود، وعلى أيّ أساس نعقدها. هذه أيضًا نقطة ضرورية.

مظاهرات 22 من بهمن من أعاجيب الثورة
أمّا فيما يتعلّق بالمظاهرات، فمظاهرات الثاني والعشرين من بهمن من أعاجيب الثورة الإسلامية، إنّها شيء مثير للعجب حقًّا كالثورة نفسها. إنّ الاحتفالات السنوية للثورات في العالم ـ الذين قاموا بثورات ويحتفلون سنويًا بثوراتهم ـ تقتصر، كما نشاهده على شبكات التلفزة بالحدّ الأدنى، على حضور بعض الشخصيّات ووقوفهم على المنصّة، ومن ثمّ تأتي القوات المسلّحة فتسير وتقدم عرضًا ولا شيء غير ذلك. هذا هو الاحتفال. أمّا أن ينزل الناس إلى الشوارع لعدّة ساعات، في هواء الشتاء البارد، وقد كان من حظّ الشعب الإيراني أن تنتصر ثورته في شهر "بهمن" حيث الجوّ البارد والثلوج والأمطار، وتسير هذه الحشود الشعبية الهائلة، وتستمع للكلمات والخطابات، وتستمرّ هذه العملية لأربعين سنة ـ وليست القضية قضية سنة وسنتين، فهذه السنة هي السنة الأربعون ـ فهذا بحدّ ذاته من المعجزات ومن عجائب الثورة الإسلامية العظيمة. هذا شيء يجب أن يستمر ويتواصل بكلّ قوة، فهو محطّم ومدمّر للعدوّ، وهذا بحدّ ذاته يرعبه. إنّه مؤشّر على الإرادة الوطنية، ويعبّر عن عزم الشعب الإيراني ويشير إلى الحضور العامّ للشعب الإيراني في الساحة. إنّ حضور الشعب في الساحة كاسر للعدوّ. وهذا الحضور في الثاني والعشرين من بهمن دليل على المشاركة الأساسية العامّة، وعلى الوحدة الوطنية، [نعم] الوحدة الوطنيّة. هناك اختلاف في الأذواق والسلائق، لكن حين يتعلّق الأمر بالثورة، وبالثاني والعشرين من بهمن، وبنظام الجمهورية الإسلامية، فإنّ اختلاف السلائق هذا يتلاشى ويضمحل، ويحضر الجميع جنبًا إلى جنب بعضهم البعض.

• حافظوا على عظمة المظاهرات ولا تتخذوا منها فرصة للاختلافات
ولديّ هنا أيضًا توصية. يُلاحظ أحيانًا في مظاهرات الثاني والعشرين من بهمن أن جنابك ـ مثلًا ـ لا ترتاح للشخص الفلاني، الذي يشارك مثلك في المظاهرات، فتقرّر أن تتظاهر ضدّه وترفع الشعارات ضدّه؛ هذا غير صحيح. قد يكون ثمّة اختلاف في وجهات النظر، وأنت لا توافقه لأيّ سبب من الأسباب. قد لا توافق المسؤول الفلاني أو الرئيس الفلاني أو الشخص الفلاني؛ لا بأس، ولا إشكال في ذلك. لكنّ مظاهرات الثاني والعشرين من بهمن ليست مكانًا لتصفية الحسابات. هذا ما أوصي به الجميع؛ فاحذروا، وارفعوا شعاراتكم، وأدوّا أعمالكم. وإذا كان مبناكم أساسًا منطقيًا فحافظوا عليه، لكن لا تجعلوا المظاهرات مظهرًا للاختلافات والنزاعات وما إلى ذلك. دعوا هذه الحركة العظيمة المعبّرة عن الإرادة الشعبيّة، والحضور الشعبي، والوحدة الوطنية تبقي هكذا على عظمتها المعهودة.

أعزائي، إنّ غد الشعب الإيراني أفضل من حاضره بمرّات. وإن مستقبل القوات المسلّحة في الجمهورية الإسلامية خير من حاضرها بأضعاف. وإنغدكم أيها الشباب الأعزاء الذين يراد لكم أن تملؤوا مكان الماضين، وتسيروا بنحو أفضل منهم، وتتقدّموهم درجة، سيكون أفضل من يومكم بكثير. فتوكّلوا على الله جميعًا، وجدّوا واجتهدوا، واشعروا بالمسؤولية والتكليف أينما كنتم واعملوا بمقتضاهما، وسينظر لكم الله تعالي نظرة لطف ويفتح الطريق أمامكم إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


1 ـ في بداية هذا اللقاء قدّم الأمير اللواء نصير زاده (قائد القوة الجوية في جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية) تقريرًا بالمناسبة.
2 ـ مدرسة علوي بطهران.
3 ـ سورة الطلاق، شطر من الآيتين 2 و 3 .
4 ـ سورة آل عمران، الآية 175 .
5 ـ سورة المائدة، شطر من الآية 3 .
6 ـ سورة آل عمران، الآية 173 .
7 ـ سورة آل عمران، شطر من الآية 174 .
8 ـ سورة آل عمران، شطر من الآية 175 .

13-02-2019 عدد القراءات 268



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا