13 كانون الأول 2019 م الموافق لـ 16 ربيع الثاني 1441 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الإمام محمد المهدي(عج)

الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: عقيدة المهدويّة وانتظار الفرج



الشّيعة وعقيدة المهدويّة
إنّ أصل المهدويّة هو محلّ اتّفاق جميع المسلمين. وفي عقائد الأديان الأخرى، يوجد أيضًا انتظار المنجي في نهاية الزّمان. فقد فهموا هذا المطلب أيضًا بنحوٍ صحيح في بُعدٍ من أبعاد القضيّة، ولكن في البُعد الأساس المتعلّق بتحديد ومعرفة الشّخص المنجي، ابتُلوا بنقص المعرفة. والشّيعة يعرفون المنجي بالاسم والعلامة والخصائص وتاريخ الولادة، من خلال الأخبار المسلَّمة والقطعيّة عندهم.

إنّ خصوصية اعتقاد الشّيعة هي تبديل هذه الحقيقة في مذهب التّشيّع من حالة الأُمنية والأمر الذهنيّ المحض، إلى حالة واقعيّة موجودة. الحقيقة هي أنّ الشّيعة عندما ينتظرون المهديّ الموعود، فإنّهم ينتظرون اليد المنجية تلك، ولا يغرقون في عالم العقليّات، بل يبحثون عن الواقعيّة وهي موجودة. وحجّة الله حيٌّ بين النّاس، وموجودٌ ويعيش فيما بينهم، ويرى النّاس، وهو معهم، ويشعر بآلامهم وأسقامهم. وأصحاب السّعادة والاستعداد يزورونه في بعض الأحيان بصورة خفيّة. إنّه موجودٌ، هو إنسانٌ واقعيّ مشخَّص باسمٍ معيَّن، له أبٌ وأمّ محدّدان، وهو بين النّاس ويعيش معهم.

أولئك الّذين لا يقبلون هذه العقيدة من المذاهب الأخرى، لم يتمكّنوا في أيّ وقتٍ من إقامة أيّ دليلٍ يقبل به العقل لردّ هذه الفكرة وهذه الحقيقة.

فجميع الأدلّة الواضحة والراسخة، الّتي يُصدّقها الكثير من أهل السنّة أيضًا، تحكي بصورة قاطعة ويقينيّة عن وجود هذا الإنسان العظيم، فهو حجّة الله، وهو الحقيقة الواضحة والسّاطعة، والتي توجد أيضاً في العديد من المصادر غير الشيعيّة.

فتاريخ ولادة الابن المبارَك والمطهَّر للإمام الحسن العسكريّ عليه الصلاة والسّلام معروفٌ، وكذلك والداه وأصحابه ومعجزاته، وقد منحه الله عمرًا طويلًا، وما زال. وهو تجسيدٌ لتلك الأمنية الكبرى، لجميع أمم العالم، وقبائله وأديانه وأعراقه عبر العصور جميعها.

العلاقة بين الوجود المقدَّس لحضرة بقيّة الله (أرواحنا فداه) وبين الأنبياء
إنّ الوجود المقدّس لحضرة بقيّة الله (أرواحنا فداه) هو عبارة عن استمرار النبوّات والدّعوات الإلهيّة منذ بداية التّاريخ وإلى يومنا هذا، أي كما تقرؤون في دعاء النّدبة من: "فبعض أسكنته جنّتك"1، الّذي هو آدم، وإلى: "أن انتهيت بالأمر"، أي الوصول إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، ومن بعدها قضيّة الوصيّة وأهل بيت هذا النبيّ العظيم، إلى أن يصل الأمر إلى إمام الزمان، فالجميع عبارة عن سلسلة متّصلة ومرتبطة ببعضها في تاريخ البشريّة. وهذا بمعنى أنّ تلك الحركة العظيمة للنبوّات، وتلك الدعوات الإلهيّة بواسطة الرّسل، لم تتوقّف في أيّ مقطعٍ من الزمان. فالبشريّة تحتاج إلى الأنبياء والدّعوات الإلهيّة، والدُعاة الإلهيّين، وهذا الاحتياج باقٍ إلى يومنا هذا، وكلّما مرّ الزمان، فإنّ البشر يُصبحون أقرب إلى تعاليم الأنبياء.

لقد أدرك المجتمع البشريّ اليوم من خلال التقدّم الفكريّ والمدنيّة والمعرفة، الكثير من تعاليم الأنبياء - والّتي لم تكن قابلة للإدراك من قبل البشر قَبْلَ عشرات القرون من هذا - فقضيّة العدالة هذه، وقضيّة الحريّة، وكرامة الإنسان، وهذه الألفاظ الرائجة في العالم اليوم، هي كلماتُ الأنبياء. في ذلك الزّمن، لم يُدرك عامّة النّاس والرأي العامّ، هذه المفاهيم. وبعد مجيء الأنبياء وانتشار دعوتهم، غُرست هذه الأفكار في أذهان النّاس وفي فطرتهم وفي قلوبهم جيلًا بعد جيل. فالدّعاة الإلهيّون لم تنقطع سلالتهم اليوم، والوجود المقدّس لبقيّة الله الأعظم (أرواحنا فداه) هو استمرار سلالة الدّعاة الإلهيّين، حيث ورد في زيارة آل ياسين: "السّلام عليك يا داعي الله، وربّانيّ آياته"2. هنا يوجد تجسيدٌ لدعوة إبراهيم ودعوة موسى ودعوة عيسى ودعوة الأنبياء والمصلحين الإلهيّين جميعهم ودعوة النبيّ الخاتم في وجود حضرة بقيّة الله. فهذا الإنسان العظيم هو وارثهم جميعًا، وبيده دعوتهم ورايتهم جميعًا، وهو يدعو البشريّة ويعرض عليها تلك المعارف الّتي جاء بها الأنبياء عبر الزمان الممتدّ.

المعنى الحقيقيّ لانتظار الفرج
انتظار الفرج مفهومٌ واسعٌ جدًّا. وأحد أنواعه هو انتظار الفرج النهائيّ، أي أنّ النّاس عندما يرون طواغيت العالم مشغولين بالنّهب والسّلب والإفساد والاعتداء على حقوق النّاس، لا ينبغي أن يتخيّلوا أنّ مصير العالم هو هذا. لا ينبغي أن يُتصوّر أنّه في نهاية المطاف لا بدّ ولا مناص من القبول بهذا الوضع، والإذعان له، بل ينبغي أن يُعلم أنّ هذا الوضع هو وضعٌ عابر ،- "للباطل جولة"3 - وأمّا ما هو مرتبطٌ بهذا العالم وطبيعته، فهو عبارة عن استقرار حكومة العدل، وهو سوف يأتي. إنّ انتظار الفرج والفتح في نهاية العصر الّذي نحن فيه، حيث تُعاني البشريّة من الظلم والعذابات، هو مصداقٌ لانتظار الفرج، ولكن لانتظار الفرج مصاديق أخرى أيضًا.

فعندما يُقال لنا انتظار الفرج، يعني أنّ كلّ طريقٍ مسدودة قابلة للفتح. الفرج يعني الشقّ والفتح. فالمسلم يتعلّم من خلال درس انتظار الفرج أنّه لا يوجد طريق مسدودة في حياة البشر ممّا لا يمكن أن تُفتح، وأنّه لا يجب عليه أن ييأس ويُحبَط ويجلس ساكنًا ويقول لا يمكن أن نفعل شيئًا، كلا، فعندما يظهر في نهاية مطاف حياة البشر، وفي مقابل كلّ هذه الحركات الظّالمة والجائرة، عندما تظهر شمس الفرج، فهذا يعني أنّه في كلّ هذه العقبات والسدود الموجودة في الحياة الآن، هناك فرجٌ متوقَّع ومحلّ انتظار. هذا هو درس الأمل للبشريّة كلّها، وهذا هو درس الانتظار الواقعيّ للنّاس جميعهم.

لهذا، عُدّ انتظار الفرج من أفضل الأعمال. ويُعلم من ذلك أنّ الانتظار هو عملٌ لا بطالةٌ، فلا ينبغي الاشتباه والتصوّر أنّ الانتظار يعني أن نضع يداً فوق يد ونبقى منتظرين حتّى يحدث أمرٌ ما. الانتظار عملٌ وتهيّؤٌ وباعثٌ على الاندفاع والحماس في القلب والباطن، وهو نشاطٌ وتحرّكٌ وتجدّدٌ في كلّ المجالات. وهذا هو في الواقع تفسير هذه الآيات القرآنية الكريمة ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ4 أو ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ5، أي أنّه لا ينبغي أن تيأس الشعوب والأُمم من الفرج في أيّ وقتٍ من الأوقات.

لهذا ينبغي انتظار الفرج النهائيّ، مثلما ينبغي انتظار الفرج في مراحل الحياة الفرديّة والاجتماعيّة جميعها. وعدم السماح لليأس أن يُسيطر على قلوبنا، فينبغي انتظار الفرج، والعلم بأنّ هذا الفرج سيتحقّق، وهو مشروطٌ في أن يكون انتظارنا انتظارًا واقعيًّا، وأن يكون فيه العمل والسّعي والاندفاع والتحرّك.

يجب أن نعدّ أنفسنا كجنودٍ مستعدّين لتلك الظروف والشّرائط، ونجاهد في هذا المجال. إنّ انتظار الفرج لا يعني أن يجلس الإنسان ولا يفعل أيّ شيء، ولا ينهض لأيّ إصلاحٍ، ولا أن يُمنّي نفسه بأنّه منتظرٌ لإمام الزّمان عليه السلام، فهذا ليس انتظارًا.

فالانتظار يعني عدم الاقتناع والقبول بالوضع الموجود لحياة البشر، وهو السّعي من أجل الوصول إلى الوضع المطلوب. ومن المسلَّم به أنّ هذا الوضع المطلوب سوف يتحقّق على يد وليّ الله المقتدرة، الحجّة بن الحسن المهديّ، صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.

فالانتظار يعني أنّه لا بدّ من مجيء يدٍ قادرةٍ مقتدرةٍ ملكوتيّةٍ إلهيّةٍ، وتستعين بهؤلاء النّاس من أجل القضاء على سيطرة الظّلم، ومن أجل غلبة الحقّ وحاكمية العدل في حياة البشريّة، ورفع راية التّوحيد، وجعل البشر عبادًا حقيقيّين لله. يجب الإعداد لهذا الأمر. فكلّ إقدامٍ على طريق استقرار العدالة يُمثّل خطوةً نحو ذلك الهدف الأسمى، الانتظار يعني هذه الأمور، الانتظار حركةٌ وليس سكونًا، ليس الانتظار إهمالاً وقعوداً إلى أن تصلح الأمور بنفسها، الانتظار حركةٌ واستعدادٌ، هذا هو انتظار الفرج.

المفهوم الخاطىء حول انتظار الفرج
إنّ الإعلام والأفكار المغلوطة قد انغرست في ذهن النّاس، وعبر كلّ هذه السّنين المتمادية، إلى تلك الدّرجة حيث اعتقدوا أنّ أيّ تحرّكٍ إصلاحيّ لن يكون مفيدًا ومثمرًا قبل قيام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويستدلّون بأنّ الدنيا يجب أن تُملأ ظلمًا وجورًا حتّى يأتي الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وما لم تمتلئ بالظّلم والجور فإنّه لن يظهر. كانوا يقولون إنّ الإمام يظهر بعد أن تصبح هذه الدنيا مليئةً بالظّلم والجور. والنّقطة الموجودة هنا هي أنّ في جميع الرّوايات الّتي وردت بشأن الإمام المهديّ، فإنّ الجملة هي هكذا: "يملأ الله به الأرض قسطًا وعدلًا، كما مُلئت ظلمًا وجورًا"6. أنا العبد لم أُشاهد موضعًا واحدًا، ولا أظنّ أنّه يوجد "بعدما مُلئت ظلمًا وجورًا". فبالالتفات إلى هذه النّقطة، رجعت إلى الرّوايات العديدة في الأبواب المختلفة، ولم أجد في أيّ مكانٍ جملة، "بعدما مُلئت ظلمًا وجورا". ففي كلّ الأماكن يوجد "كما مُلئت ظلمًا وجورا"، أي أنّ امتلاء الدنيا بالعدل والقسط بواسطة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لا يكون مباشرةً بعد أن تُملأ بالظّلم والجور، كلّا، بل إنّه كما حصل طوال التّاريخ، وليس في موضعٍ واحدٍ أو زمان واحد، بل في أزمنة مختلفة، كانت الدنيا تُملأ بالظّلم والجور، سواءٌ في عهد الفراعنة، أو في عصور الحكومات الطاغوتيّة، أو في أيّام السّلطات الظّالمة الّتي جعلت كلّ هذه الدّنيا ترزح تحت وطأة ظلمها، وفي ظلّ السّحب السّوداء للجور والعدوان، بحيث إنّه لم نرَ فيها أيّ علامة على العدالة والحرّية. فكما أنّ الدنيا عاشت مثل هذا اليوم، فإنّها سترى يومًا يمتلئ العالم كلّه في جميع آفاقه بنور العدل، ولا يكون فيه أيّ مكانٍ لا يمتلئ بالقسط. وهناك لن يكون أيّ مكانٍ يحكمه الظّلم، أو يكون فيه البشر تحت وطأة الظّلم، وجور الحكومات، وتسلّط المقتدرين، وآلام التمييز العنصريّ، أي أنّ هذا الوضع الّذي يُهيمن على العالم اليوم، وقد كان يعمّ هذه الدّنيا في يومٍ من الأيّام، سوف يتبدّل إلى عموميّة العدل.

ليس إنّه بوجود الحكومة الإسلاميّة لن تتأخّر عاقبة الموعود فحسب، بل سيسرّع من ذلك، وهذا هو معنى الانتظار. انتظار الفرج يعني انتظار حاكميّة القرآن والإسلام. فأنتم لم تقنعوا بما هو موجودٌ الآن في العالم، حتّى بهذا التقدّم الّذي حقّقتموه عبر الثورة الإسلاميّة تريدون أن تقتربوا أكثر إلى حاكمية القرآن والإسلام، هذا هو انتظار الفرج. انتظار الفرج يعني انتظار فرج أمر البشريّة.

أثر اعتقاد الشعوب بالامام المهديّ
يوجد أثرٌ آخر ونتيجةٌ مختلفة لمستقبل هذا العالم، حيث يزول اليأس والإحباط من قلوب الشّعوب، ونعلم حينها أنّ جهادنا مؤثّرٌ ومنتج. أحيانًا، هناك أفرادٌ ممّن ليس لديهم اطّلاع على هذا البعد من الفكر الإسلاميّ، يُصابون بالحيرة واليأس أمام هذه الحسابات والمعادلات المادّيّة الكبرى في العالم، ويتساءلون فيما بينهم كيف يُمكن لشعبٍ يريد أن يثور أن يقاوم مثل هذه القوى العظمى والتكنولوجيا المتطوّرة والأسلحة المدمّرة، ومثل هذه القنابل النوويّة الموجودة في العالم؟ يشعرون أنّ الصمود مقابل ضغط قوى الظلم والاستكبار أمرٌ غير ممكن.

لكنّ الاعتقاد بالمهديّ، والإيمان بتحقّق عصر الحكومة الإسلاميّة والإلهيّة على يد ابن النبيّ وإمام الزّمان، يُحقّق هذا الأمل في الإنسان، ويقول له كلّا، سنُجاهد لأنّ العاقبة لنا، ولأنّ عاقبة أمرنا هي أنّ هذا العالم يجب أن يخضع ويُسلّم، وسوف يحصل هذا الأمر، وذلك لأنّ مسير التّاريخ يتّجه نحو ما قمنا اليوم بوضع أسسه، وقد حقّقنا أنموذجًا عنه، ولو كان ناقصًا7.

ومثل هذه الأمل لو وُجد في قلوب الشّعوب المناضلة، وخاصّةً الشّعوب الإسلاميّة، فسوف يمنحها حالةً من النّشاط المستمرّ بحيث لا يُمكن لأيّ عاملٍ أن يخرجها من ميدان الجهاد والنّضال، أو أن يُصيبها بالهزيمة الداخليّة.

* تاريخ النبي وأهل البيت عليهم السلام، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج99، ص105.
2- الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص493.
3- الآمديّ، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 71.
4- سورة القصص، الآية 5.
5- سورة الأعراف، الآية 128.
6- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج 1، ص 341.
7- يقصد الجمهورية الإسلاميّة في إيران المترجم.
8- يقصد الجمهورية الإسلاميّة في إيران المترجم.

24-07-2017 عدد القراءات 1639



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا