21 أيلول 2019 م الموافق لـ 21 محرم 1441 هـ
En FR

وصايا رساليّة :: وصايا النبي (ص)

في وصية رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه



يقول مولاي أبي طول الله عمره الفضل بن الحسن: هذه الأوراق من وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - التي أخبرني بها الشيخ المفيد أبو الوفاء عبد الجبار بن عبد الله المقرئ الرازي والشيخ الأجل الحسن بن الحسين بن الحسن أبي جعفر محمد بن بابويه - رضي الله عنهما - إجازة قالا: أملى علينا الشيخ الأجل أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي - قدس سره - وأخبرني بذلك الشيخ العالم الحسين بن الفتح الواعظ الجرجاني في مشهد الرضا ( عليه السلام)، قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو علي الحسن بن محمد الطوسي، قال: حدثني أبي الشيخ أبو جعفر - قدس سره -، قال: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل محمد بن عبد الله بن محمد بن المطلب الشيباني، قال: حدثنا أبو الحسن رجاء بن يحيى العبرتائي الكاتب سنة أربع عشر وثلاثمائة وفيها مات، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن ميمون، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن الفضيل بن يسار، عن وهب بن عبد الله الهناء، قال حدثني أبو حرب بن أبي الأسود الدئلي، عن أبي الأسود قال: قدمت الربذة فدخلت على أبي ذر جندب ابن جنادة - رضي الله عنه - فحدثني أبو ذر قال: دخلت ذات يوم في صدر نهاره على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجده فلم أر في المسجد أحدا من الناس إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي ( عليه السلام) إلى جانبه جالس فاغتنمت خلوة المسجد فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أوصني بوصية ينفعني الله بها ؟ فقال: نعم وأكرم بك يا أبا ذر إنك منا أهل البيت وإني موصيك بوصية فاحفظها، فإنها جامعة لطرق الخير وسبله، فإنك إن حفظتها كان لك بها كفلان.

يا أبا ذر: اعبد الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه فإنه يراك. واعلم أن أول عبادة الله المعرفة به فهو الأول قبل كل شئ فلا شئ قبله، والفرد فلا ثاني له، والباقي لا إلى غاية، فاطر السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من شئ وهو الله اللطيف الخبير وهو على كل شئ قدير، ثم الايمان بي والاقرار بأن الله تعالى أرسلني إلى كافة الناس بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ثم حب أهل بيتي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

واعلم يا أبا ذر: إن الله عز وجل جعل أهل بيتي في أمتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن رغب عنها غرق، ومثل باب حطة في بني إسرائيل من دخلها كان آمنا.

يا أبا ذر: احفظ ما أوصيك به تكن سعيدا في الدنيا والآخرة.

يا أبا ذر: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.

يا أبا ذر: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.

يا أبا ذر: إياك والتسويف بعملك فإنك بيومك ولست بما بعده، فإن يكن غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم. وإن لم يكن غدا لم تندم على ما فرطت في اليوم.

يا أبا ذر: كم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومنتظر غدا لا يبلغه.

يا أبا ذر: لو نظرت إلى الاجل ومسيره لأبغضت الامل وغروره.

يا أبا ذر: كن كأنك في الدنيا غريب أو كعابر سبيل. وعد نفسك من أصحاب القبور.

يا أبا ذر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء. وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح. وخذ من صحتك قبل سقمك. ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري ما اسمك غدا.

يا أبا ذر: إياك أن تدركك الصرعة عند العثرة، فلا تقال العثرة، ولا تمكن من الرجعة. ولا يحمدك من خلفت بما تركت. ولا يعذرك من تقدم عليه بما اشتغلت به.

يا أبا ذر: كن على عمرك أشح منك على درهمك ودينارك.

يا أبا ذر: هل ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيا أو فقيرا منسيا أو مرضا مفسدا أو هرما مقعدا أو موتا مجهزا، أو الدجال، فإنه شر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر. إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه. ومن طلب علما ليصرف به وجوه الناس إليه لم يجد ريح الجنة.

يا أبا ذر: من ابتغى العلم ليخدع به الناس لم يجد ريح الجنة.

يا أبا ذر: إذا سئلت عن علم لا تعلمه فقل: لا أعلمه، تنج من تبعته، ولا تفت بما لا علم لك به، تنج من عذاب الله يوم القيامة.

يا أبا ذر: يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون: ما أدخلكم النار وقد دخلنا الجنة بتأديبكم وتعليمكم، فيقولون: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله.

يا أبا ذر: إن حقوق الله جل ثناؤه أعظم من أن يقوم بها العباد. وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أمسوا وأصبحوا تائبين.

يا أبا ذر: إنك في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة وأعمال محفوظة والموت يأتي بغتة. ومن يزرع خيرا يوشك أن يحصد خيرا. ومن يزرع شرا يوشك أن يحصد ندامة ولكل زارع مثل ما زرع، لا يسبق بطئ لحظة ولا يدرك حريص ما لم يقدر له ومن أعطي خيرا فالله أعطاه ومن وقى شرا فالله وقاه.

يا أبا ذر: المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم الزيادة. إن المؤمن ليرى ذنبه كأنه صخرة يخاف أن تقع عليه، وإن الكافر يرى ذنبه كأنه ذباب مر على أنفه.

يا أبا ذر: إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيرا جعل ذنوبه بين عينيه [ ممثلة والاثم عليه ثقيلا وبيلا ]. وإذا أراد بعد شرا أنساه ذنوبه.

يا أبا ذر: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيته.

يا أبا ذر: إن المؤمن أشد ارتكاضا من الخطيئة من العصفور حين يقذف به في شركه.

يا أبا ذر: من وافق قوله فعله فذاك الذي أصابه حظه. ومن خالف قوله فعله فإنما يوبق نفسه.

يا أبا ذر: إن الرجل ليحرم رزقه بالذنب يصيبه.

يا أبا ذر: دع ما لست منه في. فلا تنطق بما لا يعنيك. واخزن لسانك كما تخزن ورقك.

يا أبا ذر: إن الله جل ثناؤه ليدخل قوما الجنة فيعطيهم حتى يملوا وفوقهم قوم في الدرجات العلى، فإذا نظروا إليهم عرفوهم فيقولون: ربنا إخواننا كنا معهم في الدنيا فبم فضلتهم علينا ؟ فيقال: هيهات هيهات إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون ويظمؤن حين تروون ويقومون حين تنامون ويشخصون حين تخفضون.

يا أبا ذر: جعل الله جل ثناؤه قرة عيني في الصلاة. وحبب إلي الصلاة كما حبب إلى الجائع الطعام، وإلى الظمآن الماء. وإن الجائع إذا أكل شبع وإن الظمآن إذا شرب روى، وأنا لا أشبع من الصلاة.

يا أبا ذر: أيما رجل تطوع في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة سوى المكتوبة كان له حقا واجبا بيت في الجنة.

يا أبا ذر: إنك ما دمت في الصلاة فإنك تقرع باب الملك الجبار، ومن يكثر قرع باب الملك يفتح له.

يا أبا ذر: ما من مؤمن يقوم مصليا إلا تناثر عليه البر ما بينه وبين العرش ووكل به ملك ينادي: يا ابن آدم لو تعلم ما لك في الصلاة ومن تناجي ما انفتلت.

يا أبا ذر: طوبى لأصحاب الألوية يوم القيامة يحملونها فيسبقون الناس إلى الجنة، ألا: هم السابقون إلى المساجد بالاسحار وغير الأسحار.

يا أبا ذر: الصلاة عماد الدين واللسان أكبر، والصدقة تمحو الخطيئة واللسان أكبر، والصوم جنة من النار واللسان أكبر، والجهاد نباهة واللسان أكبر.

يا أبا ذر: الدرجة في الجنة فوق الدرجة كما بين السماء والأرض، وإن العبد ليرفع بصره فيلمع له نور يكاد يخطف بصره فيفزع لذلك فيقول: ما هذا ؟ فيقال: هذا نور أخيك، فيقول: أخي فلان كنا نعمل جميعا في الدنيا وقد فضل علي هكذا، فيقال له: إنه كان أفضل منك عملا، ثم يجعل في قلبه الرضا حتى يرضى.

يا أبا ذر: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وما أصبح فيها مؤمن إلا حزينا، فكيف لا يحزن المؤمن وقد أوعده الله جل ثناؤه إنه وارد جهنم ولم يعده أنه صادر عنها وليلقين أمراضا ومصيبات وأمورا تغيظه وليظلمن فلا ينتصر، يبتغي ثوابا من
الله تعالى فلا يزال حزينا حتى يفارقها، فإذا فارقها أفضى إلى الراحة والكرامة.

يا أبا ذر: ما عبد الله عز وجل على مثل طول الحزن.

يا أبا ذر: من أوتي من العلم ما لا يبكيه لحقيق أن يكون قد أوتي علما لا ينفعه، إن الله نعت العلماء فقال عز وجل: " إن الذين أوتو العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ".

يا أبا ذر: من استطاع أن يبكي فليبك. ومن لم يستطع فليشعر قلبه الحزن وليتباك، إن القلب القاسي بعيد من الله تعالى ولكن لا يشعرون.

يا أبا ذر: يقول الله تعالى: لا أجمع على عبد خوفين ولا أجمع له أمنين، فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا آمنته يوم القيامة.

يا أبا ذر: لو أن رجلا كان له كعمل سبعين نبيا لاحتقره وخشي أن لا ينجو من شر يوم القيامة.

يا أبا ذر: إن العبد ليعرض عليه ذنوبه يوم القيامة فيمن ذنب ذنوبه فيقول: أما إني كنت خائفا مشفقا فيغفر له.

يا أبا ذر: إن الرجل ليعمل الحسنة فيتكل عليها ويعمل المحقرات حتى يأتي الله وهو عليه غضبان. وإن الرجل ليعمل السيئة فيفرق منها يأتي آمنا يوم القيامة.

يا أبا ذر: إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة، فقلت: وكيف ذلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟ قال: يكون ذلك الذنب نصب عينيه تائبا منه قارا إلى الله عز وجل حتى يدخل الجنة.

يا أبا ذر: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والعاجز من أتبع نفسه وهواها وتمنى على الله عز وجل الأماني.

يا أبا ذر: إن أول شئ يرفع من هذه الأمة: الأمانة والخشوع حتى لا تكاد ترى خاشعا.

يا أبا ذر: والذي نفس محمد بيده لو أن الدنيا كانت تعدل عند الله جناح بعوضة أو ذباب ما سقى الكافر منها شربة من ماء.

يا أبا ذر: إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله. وما من شئ أبغض إلى الله تعالى من الدنيا خلقها ثم عرضها فلم ينظر إليها ولا ينظر إليها حتى تقوم الساعة. وما من شئ أحب إلى الله من الايمان به وترك ما أمر بتركه.

يا أبا ذر: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى أخي عيسى عليه السلام: يا عيسى: لا تحب الدنيا فإني لست أحبها وأحب الآخرة، فإنما هي دار المعاد.

يا أبا ذر: إن جبرئيل ( عليه السلام) أتاني بخزائن الدنيا على بغلة شهباء فقال لي: يا محمد: هذه خزائن الدنيا ولا تنقصك من حظك عند ربك، فقلت: حبيبي جبرئيل لا حاجة لي بها، إذا شبعت شكرت ربي وإذا جعت سألته.

يا أبا ذر: إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرا فقهه في الدين وزهده في الدنيا وبصره بعيوب نفسه.

يا أبا ذر: ما زهد عبد في الدنيا إلا أنبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وبصره بعيوب الدنيا ودائها ودوائها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام.

يا أبا ذر: إذا رأيت أخاك قد زهد في الدنيا فاستمع منه فإنه يلقن الحكمة، فقلت: يا رسول الله: من أزهد الناس ؟ فقال: من لم ينس المقابر والبلى وترك فضل زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد غدا من أيامه وعد نفسه في الموتى.

يا أبا ذر: إن الله تبارك وتعالى لم يوح إلي أن أجمع المال [ إلى المال ] ولكن أوحى إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

يا أبا ذر: إني ألبس الغليظ واجلس على الأرض وألعق أصابعي وأركب الحمار بغير سرج وأردف خلفي، فمن رغب عن سنتي فليس مني.

يا أبا ذر: حب المال والشرف أذهب لدين الرجل من ذئبين ضاريين في زرب الغنم فأغارا فيها حتى أصبحا فماذا أبقيا منها ؟ قال: قلت: يا رسول الله الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون الله كثيرا، أهم يسبقون الناس إلى الجنة ؟ فقال: لا، ولكن فقراء المسلمين، فإنهم يأتون يتخطون رقاب الناس، فيقول لهم خزنة الجنة كما أنتم حتى تحاسبوا، فيقولون: بم نحاسب ؟ فوالله ما ملكنا فنجور ونعدل ولا أفيض علينا فنقبض ونبسط ولكن عبدنا ربنا حتى دعانا فأجبنا.
يا أبا ذر: إن الدنيا مشغلة للقلوب والأبدان وإن الله تبارك وتعالى سائلنا عما نعمنا في حلاله فكيف بما أنعمنا في حرامه ؟

يا أبا ذر: إني قد دعوت الله جل ثناؤه إن يجعل رزق من يحبني كفافا وأن يعطني من يبغضني كثرة المال والولد.

يا أبا ذر: طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة الذين اتخذوا أرض الله بساطا وترابها فراشا وماءها طيبا واتخذوا كتاب الله شعارا ودعاءه دثارا، يقرضون الدنيا قرضا.

يا أبا ذر: حرث الآخرة العمل الصالح. وحرث الدنيا المال والبنون.

يا أبا ذر: إن ربي أخبرني، فقال: وعزتي وجلالي ما أدرك العابدون درك البكاء وإني لابني لهم في الرقيق الاعلى قصرا لا يشركهم فيه أحد. قال: قلت: يا رسول الله: أي المؤمنين أكيس ؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادا.

يا أبا ذر: إذا دخل النور القلب انفسح القلب واتسع، قلت: فما علامة ذلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله.

يا أبا ذر: اتق الله ولا تر الناس إنك تخشى الله فيكرموك وقلبك فاجر.

يا أبا ذر: ليكن لك في كل شئ نية صالحة حتى في النوم والاكل.

يا أبا ذر: لتعظم جلال الله في صدرك، فلا تذكره كما يذكره الجاهل عند الكلب: " اللهم اخزه " عند الخنزير: " اللهم اخزه ".

يا أبا ذر: إن لله ملائكة قياما من خيفة الله ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة فيقولون جميعا: سبحانك [ ربنا ] وبحمدك ما عبدناك كما ينبغي لك أن تعبد.

يا أبا ذر: لو كان لرجل عمل سبعين نبيا لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، ولو أن دلوا من غسلين صب في مطلع الشمس لغلت منه جماجم من في مغربها، ولو زفرت جهنم زفرة لم يبق ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر جاثيا على ركبتيه يقول: رب [ ارحم ] نفسي حتى ينسى إبراهيم إسحق ويقول: يا رب أنا خليلك إبراهيم فلا تنسني.

يا أبا ذر: لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت من سماء الدنيا في ليلة ظلماء لأضاءت الأرض أفضل مما يضيئها القمر ليلة البدر، ولوجد ريح نشرها جميع أهل الأرض. ولو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم.

يا أبا ذر: اخفض صوتك عند الجنائز وعند القتال وعند القرآن.

يا أبا ذر: إذا تبعت جنازة فليكن عقلك فيها مشغولا بالتفكر والخشوع واعلم أنك لاحق به.

يا أبا ذر: اعلم أن كل شئ إذا فسد فالملح دواؤه فإذا فسد الملح فليس له دواء. واعلم أن فيكم خلقين: الضحك من غير العجب، والكسل من غير سهو.

يا أبا ذر: ركعتان مقتصدتان في التفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه.

يا أبا ذر: الحق ثقيل مر والباطل خفيف حلو. ورب شهوة ساعة توجب حزنا طويلا.

يا أبا ذر: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر ثم يرجع إلى نفسه فيكون هو أحقر حاقر لها.

يا أبا ذر: لا تصيب حقيقة الايمان حتى ترى الناس كلهم حمقى في دينهم وعقلاء في دنياهم.

يا أبا ذر: حاسبك نفسك قبل أن تحاسب فهو أهون لحسابك غدا. وزن نفسك قبل أن توزن، وتجهز للعرض الأكبر يوم تعرض لا تخفى منك على الله خافية.

يا أبا ذر: استح من الله، فإني والذي نفسي بيده لا أزال حين أذهب إلى الغائط مقنعا بثوبي أستحي من الملكين الذين معي.

يا أبا ذر: أتحب أن تدخل الجنة ؟ قلت نعم، فداك أبي، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فاقصر من الامل، واجعل الموت نصب عينيك. واستح من الله حق الحياء، قال: قلت: يا رسول الله، كلنا نستحي من الله، قال: ليس ذلك الحياء ولكن الحياء من الله أن لا تنسى المقابر والبلى، وتحفظ الجوف وما وعى، والرأس وما حوى. ومن أراد كرامة الآخرة فليدع زينة الدنيا، فإذا كنت كذلك أصبت ولاية الله.

يا أبا ذر: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح.

يا أبا ذر: مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر.

يا أبا ذر: إن الله يصلح بصلاح العبد ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته والدور حوله ما دام فيهم.

يا أبا ذر إن ربك عز وجل يباهي الملائكة بثلاثة نفر: رجل في أرض قفر فيؤذن ثم يقيم ثم يصلي، فيقول: ربك للملائكة: انظروا إلى عبدي يصلي ولا يراه أحد غيري، فينزل سبعون ألف ملك يصلون وراه ويستغفرون له إلى الغد من ذلك اليوم. ورجل قام من الليل فصلى وحده فسجد ونام وهو ساجد، فيقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده ساجد. ورجل في زحف فر أصحابه وثبت هو يقاتل حتى يقتل.

يا أبا ذر: ما من رجل يجعل جبهته في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له بها يوم القيامة. وما من منزل ينزله قوم إلا وأصبح ذلك المنزل يصلي عليهم أو يلعنهم.

يا أبا ذر: ما من صباح ولا رواح إلا وبقاع الأرض ينادي بعضها بعضا يا جارة هل مر بك من ذكر الله تعالى أو عبد وضع جبهته عليك ساجدا لله ؟ فمن قائلة: لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت: نعم اهتزت وانشرحت وترى أن لها الفضل على جارتها.

يا أبا ذر: إن الله جل ثناؤه لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بالكلمة العظيمة، قولهم: " اتخذ الله ولدا " فلما قالوها اقشعرت الأرض وذهبت منفعة الأشجار.

يا أبا ذر: إن الأرض لتبكي على المؤمن إذا مات أربعين صباحا.

يا أبا ذر: إذا كان العبد في أرض قفر فتوضأ أو تيمم ثم أذن وأقام وصلى، أمر الله عز وجل الملائكة فصفوا خلفه صفا لا يرى طرفاه، يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ويؤمنون على دعائه.

يا أبا ذر: من أقام ولم يؤذن لم يصل معه إلا ملكاه اللذان معه.

يا أبا ذر: ما من شاب ترك الدنيا وأفنى شبابه في طاعة الله إلا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صديقا.

يا أبا ذر: الذاكر في الغافلين كالمقاتل في الفارين.

يا أبا ذر: الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء. وإملاء الخير خير من السكوت، والسكوت خير من إملاء السوء.

يا أبا ذر: لا تصاحب إلا مؤمنا. ولا يأكل طعامك إلا تقي. ولا تأكل طعام الفاسقين.

يا أبا ذر: أطعم طعامك من تحبه في الله. وكل طعام من يحبك في الله عز وجل.

يا أبا ذر: إن الله عز وجل عند لسان كل قائل، فليتق الله امرؤ وليعلم ما يقول.

يا أبا ذر: اترك فضول الكلام وحسبك من الكلام ما تبلغ به حاجتك.

يا أبا ذر: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع.

يا أبا ذر: ما من شئ أحق بطول السجن من اللسان.

يا أبا ذر: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وإكرام حملة القرآن العاملين، وإكرام السلطان المقسط.

يا أبا ذر: ما عمل من لم يحفظ لسانه.

يا أبا ذر: لا تكن عيابا ولا مداحا ولا طعانا ولا مماريا.

يا أبا ذر: لا يزال العبد يزداد من الله بعد ما ساء خلقه.

يا أبا ذر: الكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة.

يا أبا ذر: من أجاب داعي الله وأحسن عمارة مساجد الله كان ثوابه من الله الجنة. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله كيف يعمر مساجد الله ؟ قال: لا يرفع فيها الأصوات ولا يخاض فيها بالباطل ولا يشتري فيها ولا يباع، فاترك اللغو ما دمت فيها، فإن لم تفعل فلا تلومن يوم القيامة إلا نفسك.

يا أبا ذر: إن الله تعالى يعطيك ما دمت جالسا في المسجد بكل نفس تنفست فيه درجة في الجنة، وتصلي عليك الملائكة، ويكتب لك بكل نفس تنفست فيه عشر حسنات ويمحى عنك عشر سيئات.

يا أبا ذر: أتعلم في أي شئ أنزلت هذه الآية " اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " ؟ قلت: لا أدري فداك أبي وأمي، قال: في انتظار الصلاة خلف الصلاة.

يا أبا ذر: إسباغ الوضوء في المكاره من الكفارات. وكثرة الاختلاف إلى المساجد فذلكم الرباط.

يا أبا ذر: يقول الله تبارك وتعالى: إن أحب العباد إلى المتحابون من أجلي، المتعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالاسحار، أولئك إذا أردت بأهل الأرض عقوبة ذكرتهم فصرفت العقوبة عنهم.

يا أبا ذر: كل جلوس في المسجد لغو إلا ثلاث: قراءة مصل، أو ذكر الله، أو سائل عن علم.

يا أبا ذر: كن بالعمل بالتقوى أشد اهتماما منك بالعمل، فإنه لا يقل عمل بالتقوى وكيف يقل عمل يتقبل، يقول الله عز وجل: " إنما يتقبل الله من المتقين ".

يا أبا ذر: لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه ومن أين مشربه ومن أين ملبسه، أمن حل أم من حرام.

يا أبا ذر: من لم يبال من أين يكتسب المال لم يبال الله عز وجل من أين أدخله النار.

يا أبا ذر: من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله عز وجل.

يا أبا ذر: إن أحبكم إلى الله جل ثناؤه أكثركم ذكرا له. وأكرمكم عند الله عز وجل أتقاكم له. وأنجاكم من عذاب الله أشدكم له خوفا.

يا أبا ذر: إن المتقين الذين يتقون من الشئ الذي لا يتقى منه، خوفا من الدخول في الشبهة.

يا أبا ذر: من أطاع الله عز وجل فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن.

يا أبا ذر: ملاك الدين الورع ورأسه الطاعة.

يا أبا ذر: كن ورعا تكن أعبد الناس، وخير دينكم الورع.

يا أبا ذر: فضل العلم خير من فضل العبادة، واعلم أنكم لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار ما ينفعكم ذلك إلا بورع.

يا أبا ذر: إن أهل الورع والزهد في الدنيا هم أولياء الله تعالى حقا.

يا أبا ذر: من لم يأت يوم القيامة بثلاث فقد خسر. قلت: وما الثلاث، فداك أبي وأمي ؟ قال: ورع يحجزه عما حرم الله عز وجل عليه، وحلم يرد به جهل السفهاء، وخلق يداري به الناس.

يا أبا ذر: إن سرك أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله عز وجل. وإن سرك أن تكون أكرم الناس فاتق الله. وإن سرك أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله عز وجل أوثق منك بما في يدك.

يا أبا ذر: لو أن الناس كلهم أخذوا بهذه الآية لكفتهم: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ".

يا أبا ذر: يقو الله جل ثناؤه: وعزتي وجلالي لا يؤثر عبدي هواي على هواه إلا جعلت غناه في نفسه وهمومه في آخرته وضمنت السماوات والأرض رزقه وكففت عنه ضيقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر.

يا أبا ذر: لو أن ابن آدم فر من رزقه كما يفر من الموت لأدركه كما يدركه الموت.

يا أبا ذر: ألا أعلمك كلمات ينفعك الله عز وجل بهن ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده أمامك. تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. وإذا سألت فاسأل الله عز وجل. وإذا استعنت فاستعن بالله، فقد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فلو أن الخلق كلهم جهدوا أن ينفعوك بشئ لم يكتب لك ما قدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بشئ لم يكتبه الله عليك ما قدروا عليه. فإن استطعت أن تعمل لله عز وجل بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا. وإن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا.

يا أبا ذر: استغن بغنى الله يغنك الله، فقلت: وما هو يا رسول الله ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): غداء يوم وعشاء ليلة، فمن قنع بما رزقه الله فهو أغنى الناس. يا أبا ذر: إن الله عز وجل يقول: إني لست كلام الحكيم أتقبل ولكن همه وهواه، فإن كان همه وهواه فيما أحب وأرضى جعلت صمته حمدا لي وذكرا [ ووقارا ] وإن لم يتكلم.

يا أبا ذر: إن الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وأقوالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

يا أبا ذر: التقوى ههنا التقوى ههنا، وأشار إلى صدره.

يا أبا ذر: أربع لا يصيبهن إلا مؤمن: الصمت وهو أول العبادة، والتواضع لله سبحانه، وذكر الله تعالى في كل حال وقلة الشئ يعني قلة المال.

يا أبا ذر: هم بالحسنة وإن لم تعملها لكيلا تكتب من الغافلين.

يا أبا ذر: من ملك ما بين فخذيه وبين لحييه دخل الجنة، قلت: يا رسول الله وإنا لنؤاخذ بما تنطق به ألسنتنا ؟ قال: يا أبا ذر: وهل يكتب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، إنك لا يزال سالما ما سكت فإذا تكلمت كتب الله لك أو عليك.

يا أبا ذر: إن الرجل يتكلم بالكلمة في المجلس لينصحكم بها فهوى في جهنم ما بين السماء والأرض.

يا أبا ذر: ويل للذي يحدث ويكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له ويل له.

يا أبا ذر: من صمت نجا، فعليك بالصدق ولا تخرجن من فيك كذبا أبدا. قلت: يا رسول الله فما توبة الرجل الذي كذب متعمدا ؟ قال: الاستغفار والصلوات الخمس تغسل ذلك.

يا أبا ذر: إياك والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا، قلت: يا رسول الله ولم ذلك بأبي أنت وأمي ؟ قال: لان الرجل يزني ويتوب إلى الله فيتوب الله عليه، والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها.

يا أبا ذر: سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه. قلت: يا رسول الله وما الغيبة ؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قلت: يا رسول الله فإن كان فيه ذاك الذي يذكر به ؟ قال: اعلم إنك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته.

يا أبا ذر: من ذب عن أخيه المسلم الغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار.

يا أبا ذر: من اغتيب عنده أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فنصره نصره الله عز وجل في الدنيا والآخرة، فإن خذله هو يستطيع نصره خذله الله في الدنيا والآخرة.

يا أبا ذر: لا يدخل الجنة قتات، قلت: وما القتات ؟ قال: النمام.

يا أبا ذر: صاحب النميمة لا يستريح من عذاب الله عز وجل في الآخرة.

يا أبا ذر: من كان ذا وجهين ولسانين في الدنيا فهو ذو لسانين في النار.

يا أبا ذر: المجالس بالأمانة وإفشاء سر أخيك خيانة فاجتنب ذلك واجتنب مجلس العشيرة.

يا أبا ذر: تعرض أعمال أهل الدنيا على الله من الجمعة إلى الجمعة في يوم الاثنين والخميس فيستغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا عمل هذين حتى يصطلحا.

يا أبا ذر: إياك وهجران أخيك، فإن العمل لا يتقبل مع الهجران.

يا أبا ذر: أنهاك عن الهجران، وإن كنت لابد فاعلا تهجره فوق ثلاثة أيام [ كملا ]، فمن مات فيها مهاجرا لأخيه كانت النار أولى به.

يا أبا ذر: من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار.

يا أبا ذر: من مات وفي قلبه مثقال ذرة من كبر لم يجد رائحة الجنة إلا أن يتوب قبل ذلك. فقال رجل: يا رسول الله إني ليعجبني الجمال حتى وددت إن علاقة سوطي وقبال نعلي حسن فهل يرهب على ذلك ؟ قال: كيف تجد قلبك ؟ قال: أجده عارفا للحق مطمئنا إليه. قال: ليس ذلك بالكبر ولكن الكبر أن تترك الحق وتتجاوزه إلى غيره وتنظر إلى الناس ولا ترى إن أحدا عرضه كعرضك ولا دمه كدمك.

يا أبا ذر: أكثر من يدخل النار المستكبرون. فقال رجل: وهل ينجو من الكبر أحد يا رسول الله ؟ قال: نعم، من لبس الصوف وركب الحمار وحلب الشاة وجالس المساكين.

يا أبا ذر: من حمل بضاعته فقد برئ من الكبر يعني ما يشترى من السوق.

يا أبا ذر: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله عز وجل إليه يوم القيامة.

يا أبا ذر: أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين كعبيه.

يا أبا ذر: من رفع ذيله وخصف نعله وعفر وجهه فقد برئ من الكبر.

يا أبا ذر: من كان له قميصان فليلبس أحدهما وليلبس الاخر أخاه.

يا أبا ذر: سيكون ناس من أمتي يولدون في النعيم ويغذون به، همتهم ألوان الطعام والشراب ويمدحون بالقول أولئك شرار أمتي.

يا أبا ذر: من ترك لبس الجمال وهو يقدر عليه تواضعا لله عز وجل في غير منقصة وأذل نفسه في غير مسكنة وأنفق ما جمعه في غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن صلحت سريرته وحسنت علانيته
وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله.

يا أبا ذر: البس الخشن من اللباس، والصفيق من الثياب لئلا يجد الفخر فيك مسلكا.

يا أبا ذر: يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم، يرون أن لهم الفضل بذلك على غيرهم أولئك تلعنهم ملائكة السماوات والأرض.

يا أبا ذر: ألا أخبرك بأهل الجنة ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لابره. قال أبو ذر رضي الله عنه. ودخلت يوما على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في المسجد جالس وحده فاغتنمت خلوته، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أبا ذر: إن للمسجد تحية، قلت: وما تحيته يا رسول الله ؟ قال: ركعتان تركعهما. ثم التفت إليه فقلت: يا رسول الله أمرتني بالصلاة، فما الصلاة ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): الصلاة خير موضوع فمن شاء أقل ومن شاء أكثر.
قلت: يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): الايمان بالله، ثم الجهاد في سبيله.
قلت: يا رسول الله أي المؤمنين أكمل إيمانا ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): أحسنهم خلقا.
قلت: وأي المؤمنين أفضل ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): من سلم المسلمون من لسانه ويده.
قلت: وأي الهجرة أفضل ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): من هجر السوء.
قلت: وأي الليل أفضل ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): جوف الليل الغابر.
قلت: فأي الصلاة أفضل ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): طول القنوت.
قلت فأي الصوم أفضل ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فرض مجزئ وعند الله أضعاف ذلك.
قلت: فأي الصدقة أفضل ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): جهد من مقل إلى فقير في سر.
قلت: وأي الزكاة أفضل ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها.
قلت: وأي الجهاد أفضل ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما عقر فيه جواده واهريق دمه.
قلت: وأي آية أنزلها الله عليك أعظم ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): آية الكرسي.
قلت: يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم ( عليه السلام) ؟ قال: كانت أمثالا كلها: " أيها الملك المسلط المبتلي إني لم أبعثك لتجتمع الدنيا بعضها على بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر أو فاجر فجوره على نفسه ". وكان فيها أمثال: " وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يفكر فيها في صنع الله تعالى، وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال من المطعم والمشرب. وعلى العاقل أن يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه. ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه ".
قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى ( عليه السلام) ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): كانت عبرا كلها: " عجب لمن أيقن بالنار ثم ضحك، عجب لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجب لمن أبصر الدنيا وتقلبها بأهلها حالا بعد حال ثم هو يطمئن إليها، عجب لمن أيقن بالحساب غدا ثم لم يعمل ".
قلت: يا رسول الله فهل في الدنيا شئ مما كان في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام مما أنزله الله عليك ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إقرأ يا أبا ذر: " قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى، بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى، إن هذا - يعني ذكره هذه الأربع الآيات - لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى ".
قلت: يا رسول الله أوصني ؟ قال: أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس أمرك كله.
فقلت: يا رسول الله زدني ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور في الأرض.
قلت: يا رسول الله زدني ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي.
قلت: يا رسول الله زدني ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان عنك وعون لك على أمور دينك.
قلت: يا رسول الله زدني ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه.
قلت: يا رسول الله زدني ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك.
قلت: يا رسول الله زدني ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): صل قرابتك وإن قطعوك. وأحب المساكين وأكثر مجالستهم.
قلت: يا رسول الله زدني ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): قل الحق وإن كان مرا.
قلت: يا رسول الله زدني ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تخف في الله لومة لائم.
قلت: يا رسول الله زدني ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أبا ذر: ليردك عن الناس ما تعرف من نفسك ولا تجر عليهم فيما تأتي، فكفى بالرجل عيبا أن يعرف من الناس ما يجهل من نفسه ويجر عليهم فيما يأتي. قال: ثم ضرب على صدري وقال: يا أبا ذر: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف عن المحارم، ولا حسب كحسن الخلق.

* المصدر مكارم الاخلاق.

20-12-2015 عدد القراءات 6494



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا