17 آب 2019 م الموافق لـ 15 ذو الحجة 1440 هـ
En FR

الكلمات القصار :: مقتطفات من كلمات الشيخ حسن المعتوق

الهجرة النبويّة المشرّفة



- في لحظة من لحظات التأريخ الخالدة، تلفّت الزمن إلى الأمام ليرى كيف يمكن للقلّة المؤمنة أن تغيّر مجرى التأريخ، وأن تغيّر مجرى الحياة، وتفتح في سجلّ الخلود باب الأمل في الحياة بعد اليأس، والحركة الهادفة إلى الغاية بعد طول الركود.

- تلك معانٍ قد تمثّلت في تأريخ الهجرة النبويّة، التي كانت فصلاً بين حياتين: حياة كان الإسلام فيها من جهة بأهله غريباً، وحياة أقام المسلمون في ظلّها دولة وطيدة الأركان، شامخة البنيان..

- لقد أراد الله أن تكون الهجرة بداية الطريق لإقامة المجتمع المسلم، حيث الأرض الهادئة، والقلوب الوادعة، والأخلاق الرحيمة، التي فتحت ذراعيها لإستقبال الدعوة.

- إنّ الهجرة النبويّة تعتبر بحقّ، من أروع الأحداث التي سجّلها التأريخ الإسلاميّ، وهي أوّل لبنة في بناء صرح الدعوة الإسلاميّة, لأنّ الدعوة في مكّة لم تظفر إلاّ بتركيز جهودها على تحرير العقيدة، وتوجيه الناس إلى عبادة الله. أمّا بعد الهجرة، فقد انتقلت إلى مرحلة التشريع والتنظيم، بوضع المنهاج لسلوك الفرد والجماعة، بما يتقوّم به صلاح المجتمع، من جميع جوانبه الدينيّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة، والإقتصاديّة.

فالهجرة حركة فاصلة بين مرحلة من الزمان انتهت، ومرحلة جديدة من الزمان أقبلت، وهي تحمل في طيّاتها ذكرى المرحلة المظلمة التي انتهت، والمرحلة المشرقة التي أقبلت، حيث انتقل المسلمون فيها من الذلّ إلى العزّ، ومن الفقر إلى الغنى، ومن رعي الغنم إلى قيادة الأمم.

- لم يكن المقصود من الحديث عن هذه الهجرة المباركة حديثاً يُنشر أو يُذاع، لمجرّد العلم به أو التندّر فيه، وإنّما أن يكون درساً نستمدّه من واقع تاريخنا المجيد، نتعلّم منه كيف يكون التخطيط للجهاد في سبيل الحقّ والحريّة، والعزّة والكرامة.

- فإن الرجوع إلى ذكرى الهجرة، وما صاحبها وسبقها من التخطيط يجعلنا في مستوى المسؤوليّة، لمواجهة سفينة الحياة الإنسانيّة, خلال الأمواج العاتية، وتوجيهها نحو شاطئ السلامة، ومرفأ الأمان، إلى حيث النصر والتحرير.

- أصحاب الهجرة، لم يعرفوا لأنفسهم إلاّ النصر أو الإستشهاد في سبيل عقيدتهم. وقد اجتمعوا بحكمة القائد والمعلّم، للإسهام في نشر الدين الجديد، وإقامة صرح الإسلام قويّاً، وثيق البناء..

- ولأجل ما اشتملت عليه الهجرة من الأحداث، وما ترتّب عليها من الإنطلاق والتغيير في حياة المسلمين، ناسب أن تكون الهجرة بداية التاريخ في حساب الزمن، وإن كانت في أبعادها، تستقلّ عن مدار الزمن، لأنها بداية الشريعة الخالدة، والمعاني الخالدة لا تخضع لعوامل الزمن, لأنّ الزمن محدود ببداية ونهاية، وهي لا تنتهي إلى نهاية, لأنّها ليست من الزمن..

- وكل تلك الأحداث، تطالعنا مشرقةً بالإيمان المخلص، والتضحية الغالية، تلك التضحية التي تألّقت في حادثة الهجرة، لنأخذ منها العبرة والعظة، لنجعل منها القدوة الطيّبة، والأسوة الحسنة.

- وهنا تتجلّى فدائيّة عليّ، فيمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه واله طائعاً مختاراً، بقوله: فداك أبي وأمّي ونفسي يا رسول الله، أوتسلم أنت؟ قال نعم.لقد فدى رسول الله بنفسه، وقدّم روحه فداءً لدين الله، عن رضا وإطمئنان. ولولا تلك التضحية، لما تسنّى للنبيّ صلى الله عليه واله أن يترك داره في تلك الليلة، ولما تيسّرت له الهجرة التي كانت مفتاحاً لإنتشار دين الله في الأرض. وللتدليل على عظمة هذا الموقف الذي يستحقّ التقدير والتكريم من العزيز الحكيم، أنزل الله في حقّه قرآناً يتلى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد1.

- وحادثة الهجرة تطلّ علينا بعد أربعة عشر قرناً من الزمان وهي لا تزال تتألّق في جبين الحياة، وتهزّ ضمير الوجود, لأنّها هجرة تحمّلت مسؤوليّة الأمانة، وهي لم تبتغ بما حملت وتحمّلت، غير وجه الله، فهي لذلك هجرة قلوب وأرواح، لا هجرة قد نزعت راضية عن الأهل والمال والولد، إلى قمم من المعاني يتضاءل بجانبها كلّ متاع الدنيا. وهي لم تكن مجرّد رحلة من أرضٍ إلى أرض، تخللتها معجزة الغار والحمام والعنكبوت، أو فراراً من أرض المعركة، كما حلا لأعداء الإسلام أن يلقّبوا صاحبها بالنبيّ الفارّ، وإنّما كانت منطلقاً للفداء والتضحية من أجل المعذّبين في الأرض، الذين قد أصبح لهم بالهجرة وجودهم الواسع، وعلاقاتهم القائمة على الحبّ والإخاء.

- فهجرة كلّ إنسان إلى ما هاجر إليه. من هاجر إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر إلى الشيطان، فهجرته إلى الشيطان، وقلب الإنسان هو سفينة الإنسان إلى مهجره، والعقل هو ربّان تلك السفينة إلى شاطئ النور أو الظلام.

- أيّ فائدة لذكرى الهجرة، إذا لم تفجّر في النفوس مكامن الخير، ومطاوي العزّة والرجولة؟ فالذكرى إذا لم تكن حافزاً للإيمان بمعانيها وقيمها خرجت عن مغزاها وحقيقتها.

- يقول إنّ ذلك الصوت الذي دوّت به شعاب مكّة، يعيده الحسين ابن عليّ عليه السلام بعد سبعين عاماً في كربلا، بل في مكّة، لأنّ هذين الصوتين، إنّما ارتفعا، وعمَّا، وشملا العالم في مكّة: صوت محمّد في مكّة يدعو الناس إلى الله فيقول: "أيّها الناس، قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا".

- وليس من باب الاتفاق، أن تقترن ذكرى هجرة النبيّ، من مكّة إلى المدينة، بذكرى هجرة الحسين عليه السلام، من المدينة إلى مكّة. ولئن اختلف مكان الهجرتين، فلن تختلف الغاية والهدف من وراء الهجرتين.


1- البقرة: 207.

15-06-2013 عدد القراءات 2189



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا