22 أيلول 2019 م الموافق لـ 22 محرم 1441 هـ
En FR

نور الأسبوع :: محرم

نُفوسٌ أبِيَّة





قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.

ترتبطُ رسالةُ الأنبياءِ بدعوةِ الناسِ إلى توحيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ بمراتبِ هذا التوحيدِ كافّة، وأهمُّها التوحيدُ في الطاعةِ واجتنابِ طاعةِ غيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ وغيرِ مَنْ أمرَ اللهُ عزَّ وجلَّ بطاعتِه؛ ولذا وردَ في الآيةِ الأمرُ باجتنابِ الطاغوت، بل إنّ بابَ الهدى والنجاةِ يتمثَّلُ في الكفرِ بالطاغوت: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.

وتمثَّلُ طاعةُ أهلِ المعاصي، الذينَ يروِّجونَ للمنكرِ بين الناسِ، مصداقاً لعبادةِ الطاغوتِ، ففي الروايةِ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «مَرَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) عَلَى قَرْيَةٍ قَدْ مَاتَ أَهْلُهَا -فأحيا أحَدَهُم وقالَ لَه-: وَيْحَكُمْ مَا كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ؟ قَالَ: عِبَادَةُ الطَّاغُوتِ وحُبُّ الدُّنْيَا . . . قَاَل: كَيْفَ كَانَتْ عِبَادَتُكُمْ لِلطَّاغُوتِ؟ قَالَ: الطَّاعَةُ لأَهْلِ المَعَاصِي».

وقدْ قدّمَ الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) في حادثةِ كربلاءَ مقارنةً بين الأمرينِ؛ بين الشهادةِ التي تكونُ فيها كرامةُ التوحيدِ الخالصِ للهِ عزَّ وجلّ، وبين الحياةِ التي تكونُ فيها طاعةُ أصحابِ النفوسِ الطاغوتيَّة، الذين خرجوا عن طاعةِ اللهِ عزَّ وجلّ، ففي النصِّ المشهورِ عنه (عليه السلام) يقول: «ألا وإنَّ الدّعيَّ ابنَ الدّعيّ قد ركَزَ بين اثنتين، بين السّلَّةِ [القَتلةِ] والذّلَّة، وهيهاتَ منّا الذّلة [أَخْذُ الدَّنيَّةِ]، يأبى [أَبَى] اللهُ لنا ذلكَ ورسولُه والمؤمنون، وحُجورٌ [وَجُدوُدٌ] طابتْ وطَهُرت [وحُجورٌ طَهُرَت]، وأُنوفٌ حَمِيّةٌ، ونفوسٌ أبيّةٌ من أنْ نؤثِرَ طاعةَ اللَّئامِ على مصارعِ الكرام، أَلا وإِنّي قَدْ أَعْذَرْتُ وَأَنْذَرْتُ، أَلا وإِنّي زاحِفٌ بِهذِهِ الأْسْرَةِ عَلى قِلَّةِ الْعَتادِ، وَخُذْلَانِ النَاصِر [وخذلة الأصحاب] ».

ويُحدِّدُ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) في هذا النصِّ الأسبابَ التي تجعلُ الإنسانَ يقِفُ موقفاً حسينيَّاً أمامَ طلبِ الخضوعِ لطاعةِ الطاغوت، ومِن أهمِّها أنْ يمتلكَ تلك النفسَ التي ترفضُ -وبشدّةٍ- مبدأَ الطاعةِ لغيرِ اللهِ عزَّ وجلّ؛ ولذا كانَ من الصفاتِ البارزةِ للإمامِ الحسينِ (عليه السلام) الإباءُ عن الضَيم، حتّى لُقِّبَ (عليه السلام) بـ «أَبيّ الضَيم»، وهو من أعظم ألقابه (عليه السلام) ذيوعاً وانتشاراً بين الناس، فقد كانَ (عليه السلام) المَثَلَ الأعلى لهذهِ الظاهرة.

فمواجهةُ الانحرافِ الذي وقعَ في المجتمعِ الإسلاميِّ يتمثَّلُ بمواجهةِ سببِه الأساس، وهو طاعةُ الطاغوت؛ ولذا كان درسُ كربلاءَ التاريخيِّ هو تربيةَ النفوسِ على رفضِ الطاعةِ للظالمين، يقول الإمامُ الخامنئيُّ (دام ظلّه): «إنّ التضحيةَ لهدفٍ إلهيٍّ بذلكَ الحجمِ وبذلكَ المقياسِ العظيم، التضحيةَ بالروحِ وبأرواحِ الأعزَّاء، بِسبْيِ نساءِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)، بتلك الطريقةِ وبتلك الفظاعة، وتَحَمُّلَ تلك الواقعةِ القاسية، من أجلِ بقاءِ الإسلامِ، ومن أجلِ أنْ تبقى مقارعةُ الظلمِ كأصلٍ في تاريخِ الإسلامِ والبشريّة، لهو أمرٌ منقطِعُ النظير».

إنَّ هذا البُعدَ في الثورةِ الحسينيَّةِ هو الذي حفِظَها كثورةٍ مُتجدِّدةٍ؛ فالهدفُ الذي اختارَهُ الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) صالحٌ للبقاءِ والاستمرارِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وهذا هو معنى التجدُّدِ الذاتيِّ والانبعاثِ الدائمِ والحيويَّةِ الأبديَّةِ لهذا النمطِ الثوريّ.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين

09-09-2019 عدد القراءات 241



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا