22 أيلول 2017 الموافق لـ 01 محرّم 1439
En FR

نور الأسبوع :: شعبان

البلاء والرخاء



البلاء والرخاء


قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في صفة المتقين: "نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ, كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ".

الدنيا بطبعها متقلبة الأحوال، فهي لا تستقر لإنسان على حال، بل يتقلّب الإنسان فيها بين الشدة والابتلاء والدعة والرخاء.

وتعاليم الإسلام أرشدت الإنسان إلى الطريقة التي ينبغي أن يتعامل فيها مع هذه الدنيا، والأساس في النظرة لهذا التعامل هو ما يكون باباً للنجاة في الآخرة.

ومن هنا فإن الخطوة الأولى في ذلك هو معرفة حقيقة هذه الدنيا، وأنها لا تدوم على حال واحدة لهذا الإنسان، ويقول الإمام واصفا هذه الصفة فيه: "لَا يَدُومُ رَخَاؤُهَا, ولَا يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا ولَا يَرْكُدُ بَلَاؤُهَا".

فحالة الرخاء لا تدوم والعناء والتعب لا ينتهي فيها كما أن البلاء لا يتوقف ولذا لا يستقر حتى يركد، بل يؤكد الإمام (عليه السلام) على أن هذه الصفة هي من حقيقة الدنيا وجوهرها فاستقرار هذه الدنيا بأن تكون على حالتين كما يذكر في وصيته لولده الإمام الحسن (عليه السلام): "اعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ, وأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ, وأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ وأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي, وأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ, إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّه عَلَيْه مِنَ النَّعْمَاءِ والِابْتِلَاءِ, والْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ".

ولذا كان لا بد للإنسان من أن يرسم خطواته في التصرف مع هذه الدنيا وذلك يتم من خلال خطوات:

الخطوة الأولى: أن يمتلك النظرة الصحيحة لهذه الدنيا أن لا يعظم شيئا عنده في هذه الدنيا وأن يرى كل شيء فيها هينا ما دامت الدنيا بتمامها عند الله هينة، لأن عظمة البلاء ترتبط بمدى الارتباط بالشيء، يقول الإمام (عليه السلام): "وكُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ الشَّيْءِ الْمُتَنَافَسِ فِيه, عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ لِفَقْدِه".

والخطوة الثانية: رسم الموقف الصحيح عند الشدة والمتمثل بالصبر وعند الرخاء والمتمثل بالشكر، وهو المصداق لقوله (عليه السلام): "فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وفِي الْمَكَارِه صَبُورٌ, وفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ".

والوقار إنما يكون بالتقوى والإيمان وبالنفس الراسخة التي لا تتغير ولذا كان نفوس المتقين في البلاء كالرخاء، لأن الإيمان يمسك بها والتقوى تمنعها من الانزلاق نحو الخطأ عند الشدائد أو عند وفور النعم.

والخطوة الثالثة: الحذر من العمل السلبي عند تبدل حال الدنيا بأن يكون حاله نسيان الله عز وجل عند وفور النعم واللجوء إليه عند الابتلاء، يقول الإمام: "إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً وإِنْ صَحَّ أَمِنَ لَاهِياً, يُعْجَبُ بِنَفْسِه إِذَا عُوفِيَ ويَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِيَ, إِنْ أَصَابَه بَلَاءٌ دَعَا مُضْطَرّاً وإِنْ نَالَه رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَرّاً".

ففي حال المرض تجده يظهر الندم، ولكنه متى عوفي انتقل إلى اللهو، وفي حال الصحة تجده مصابا بالعجب وإذا ابتلي أصيب باليأس، وفي البلاء يلجأ إلى الدعاء وفي الرخاء يعرض وفي نفسه غرور.

والخطوة الرابعة: تصحيح الرؤية، أي أن يرى كل نعمة هي صغيرة أمام نعمة الجنة وكل بلاء هو صغير أمام بلاء النار، وهذا يعني أن نعم الدنيا كلها لا تجعله ينصرف عن النظر إلى الطمع بالجنة، وأن كل بلاء يصله يراه صغيرا ما دام ما يطلبه هو النجاة من النار.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

19-05-2017 عدد القراءات 387



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا