18 تشرين الثاني 2018 الموافق لـ 10 ربيع الأول 1440 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الحياة السياسية

سياسات قريش تجاه الدعوة النبوية قبل الهجرة



مارست قريش وطيلة عشر سنوات جميع أنواع البرامج والخطط للقضاء على دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكان آخرها محاولة قتله، أما الأعمال التي مارستها قريش ضد النبي(صلى الله عليه وآله) فكانت على النحو التالي:

1 - سياسة الضغط القبلي‏

العامل الأول الذي لجأت إليه قريش هو ممارسة الضغط من قبل رئيس القبيلة. لذلك كانوا يأتون جماعات إلى أبي طالب ويقولون له: إن ابن أخيك يستهزىء بآلهتنا ويقبح عاداتنا ويعتبر آباءنا ضالين... فاطلب منه إما التراجع عن ذلك، أو اتركه لنا لنحاسبه[1]. وبشكل عام طرحوا مسألتين: إما الصلح أو التهديد.

حاول أبو طالب ثنيهم عما أرادوا إلا أنهم أصروا على طلبهم محاولين توجيه تهديد للرسول (صلى الله عليه وآله) واعتبروا أن أبا طالب هو المدافع عنه وأن عليه أن يرفع يد المساعدة عنه. تحدث أبو طالب مع النبي (صلى الله عليه وآله) ثانية، فقال الرسول(صلى الله عليه وآله): «والله يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». بعد ذلك أكد أبو طالب (عليه السلام) أنه لن يرفع يده عن الدفاع عنه ومساعدته[2].

2 - إبعاد المناصرين‏
أصبحت قريش غير قادرة على تحمل وجود الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لذلك لجأوا لمنع الحماية السياسية والاجتماعية التي يؤمنها أبو طالب (عليه السلام): «ثم إن قريشاً لما عرفت أن أبا طالب أبى خذلان رسول الله(صلى الله عليه وآله)... مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد فتى في قريش وأشعره وأجمله فخذه فلك عقله ونصرته واتخذه ولداً فهو لك واسلم لنا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما رجل كرجل فقال والله ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبداً»[3].
وهكذا حاولت قريش إزاحة أبي طالب لتقوم بقتل الرسول (صلى الله عليه وآله).

3 - التطميع‏
وحاولت قريش التوسل إلى التطميع ولكنها لم توفق في ذلك فاقترحوا على الرسول (صلى الله عليه وآله) الثروة والمناصب والهدايا والنساء وما عليه إلا أن يترك دعوته. ولهذا الشأن وفدوا على أبي طالب وقالوا له إن محمداً يفرق صفوفنا واقترحوا على أبي طالب أن يقدموا للرسول مقداراً كبيراً من المال وإذا رغب في المنصب فله ذلك... تحدث أبو طالب مع الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي أعلن أنه لا يريد أي شي‏ء من الاقتراحات التي قدموها بل ما أريده منهم هو أن «تشهدوا أن لا إله إلا الله» وهذا دفعهم إلى التعجب واليأس فقالوا: «ندع ثلاثمائة وستين إلهاً ونعبد إلهاً واحداً».

4 - اقتراح الصلح‏
أصرّ المشركون على الحد من نشاط الرسول (صلى الله عليه وآله) فاقترحوا عليه أن لا يتعرض لآلهتهم. يقول بعض المفسرين أن سورة الكافرون نزلت رداً على طلب بعض أشراف قريش (أمثال الحارث بن قيس، العاصي بن وائل، الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف). اقترح هؤلاء على الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يتبع دينهم وسيقومون باتباع دينه. وقالوا له: تعبد آلهتنا عاماً ونعبد إلهك عاماً.

أرادوا من خلال هذا الاقتراح إلقاء الشكوك حول الصراط الواقعي. إلا أن الرسول (صلى الله عليه وآله) بقي على يقينه واعتبر أن دينه هو الدين الواقعي الذي لا يمكن الإيمان بغيره. في تلك الأيام نزلت سورة الكافرون حيث لم يوفق المشركون في مخططهم»[4].
(قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين).

5 - الحرب النفسية (الاستهزاء)
يئس المشركون من الأساليب السابقة فلجأوا إلى الحرب النفسية باعتبارها أساليب تساعد في هذه المهمة، فكانوا يستهزئون بالرسول(صلى الله عليه وآله) ويتعرضون لشخصه لعل عدد أنصاره يتضاءل.
يتحدث بعض المؤرخين أمثال ابن سعد، ابن إسحاق والبلاذري عن أسماء المستهزئين[5]. وقد ذكر ابن سعد عشرات الأسماء حيث نرى أن اثنين منهم قد آمنوا وقتل الباقون في حرب المدينة أو ماتوا قبل فتح مكة[6]. ويؤكد المؤرخون أن هذا الأمر حصل نتيجة لعن الرسول(صلى الله عليه وآله) لهم[7].

يمكن الإشارة إلى أسماء بعض هؤلاء الأشخاص: أبو لهب، أبو جهل، الأسود بن عبد يغوث، الوليد بن المغيرة، العاصي بن وائل، عقبة بن أبي المعيط، وأبو سفيان الذي لم يترك وسيلة إلا واستخدمها لأذية الرسول(صلى الله عليه وآله) وكانت امرأته أم جميل تقوم ببعض الأعمال التي تؤذي رسول الله(صلى الله عليه وآله) حيث ذكر اسمها في القرآن الكريم. يقال أن أم جميل بعد أن سمعت بالآيات الشريفة التي نزلت فيها وفي زوجها أنشدت بعض الأبيات الشعرية تهجو الرسول(صلى الله عليه وآله) فيها[8].

وهجا أبو سفيان بن الحارث الرسول (صلى الله عليه وآله) وكان أمية بن خلف يستهزىء به ويقال أن سورة الهمزة نزلت فيه[9]. وبلغ الاستهزاء حداً جعل القرآن الكريم يتحدث حوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ[[10].

وكان الأسود بن يغوث يستهزىء بالمسلمين وعندما كان يرى الرسول(صلى الله عليه وآله) كان يسأله: هل كلمتك السماء اليوم؟ قيل أنه مات بشكل قبيح[11].

وكان العاصي بن وائل يخاطب الرسول (صلى الله عليه وآله) بأنه أبتر لذلك نزلت سورة الكوثر[12].

6 - الشتيمة

مرَّ أبو جهل برسول الله (صلى الله عليه وآله) عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره، من العيب لدينه والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومولاة لعبد الله بن جدعان.. تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم. فلم يلبث الحمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحاً قوسه راجعاً من قنص له، فلما مر بالمولاة قالت له: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم ابن هشام.. فخرج يسعى ولم يقف على أحد، مهدداً لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه... ثم قال له: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟[13].

7 - الأذى الجسمي‏

كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يدعو الناس إلى التوحيد وكان أبو لهب يلحق به يرشقه بالحجارة ويدعو الناس إلى عدم طاعته[14]، وكانت زوجته تؤذي الرسول (صلى الله عليه وآله) وهذا ما حدثنا به القرآن الكريم. وقد أطلق عليها اسم حمالة الحطب لأنها كانت تضع ذلك في طريق الرسول (صلى الله عليه وآله)[15].

في يوم من الأيام قام أبو جهل يتكلم في الناس ويقول: يا معشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غداً بحجر ما أطيق حمله فإذا سجد في صلاته فخضت به رأسه.. فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً  كما وصف.. وقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه مرعوباً... فقامت إليه الرجال، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته...[16].

وكان عقبة يساعد أبا لهب في وضع الأوساخ والقاذروات على باب بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)[17].

وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) يعتبر أنه واقع بين جارين سيئين أبو لهب وعقبة اللذين كانا يلقيان القاذروات على منزله[18]. وتتحدث الكتب عن الكثير من الأعمال القبيحة التي كانت تقوم بها قريش كإلقاء القاذورات والتراب على الرسول (صلى الله عليه وآله) وكان أسوأ يوم له عندما خرج فأخذ الجميع يكذبونه ويؤذونه في ذاك اليوم رجع إلى المنزل حيث نزلت سورة المدثر[19].

8 - الإهانة

كانت تسعى قريش لإبعاد القداسة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكانوا يصفونه بالساحر والمجنون والشاعر... وعندما كان يأتي البعض ليسأل عنه فكانوا يقولون للسائل: هل تريد الشاعر، والساحر[20] وقد تحدث القرآن الكريم مؤيداً الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ومدافعاً عنه: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ[[21].

9 - تعذيب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)

تعرض العديد من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) كبلال الحبشي، وعمار بن ياسر ووالده ووالدته، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر... للتعذيب على يد قريش. وكان أبو ذر قد أسلم باكراً وقبل دعوة الرسول وقرر نشر الدين حتى لو تعرض للتعذيب. وبعد مدة رحل إلى قبيلته يدعوها إلى الإسلام[22].

10 - الإجراءات الفكرية

ما شاهدناه حتى الآن عبارة عن الأعمال والإجراءات الجسمية والنفسية والتي واجهت قريش بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالإضافة إلى ذلك وقفت قريش ضد الرسول (صلى الله عليه وآله) في البعد الفكري لتمنع تبليغ الدين. والواقع أن الفكر الجاهلي أضعف من أن يتمكن من مواجهة الوحي. استعانت قريش باليهود لمواجهة الدين فأشكلوا في موضوع النبوة وقالوا له إن ما جئت به قد تعلمته من أهل الكتاب: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ[[23].
وجاء في القرآن الكريم أيضاً: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلً[[24].
 
مبلغان


[1] سيرة ابن هشام، ج‏1، ص‏265.
[2] سيرة ابن هشام، ج‏1، ص‏265.
[3] تاريخ الطبري، ج‏2، ص‏67.
[4] مجمع البيان، ج‏10، ص‏552؛ عيون الأثر، ج‏1، ص‏197.
[5] الطبقات الكبرى، ج‏1، ص‏200
[6] المصدر نفسه. ص‏201؛ مجمع البيان، ج‏6، ص‏347.
[7] دلائل النبوة، البيهقي، ج‏2، ص‏339.
[8] أنساب الأشراف، ج‏1، ص‏122.
[9] السيرة النبوية، ابن هشام، ج‏1، ص‏356.
[10] سورة الحجر، الآية: 95.
[11] أنساب الأشراف، ج‏1، ص‏132.
[12] مجمع البيان، ج‏10، ص‏549.
[13] سيرة ابن هشام، ج‏1، ص‏188.
[14] كنز العمال، ج‏6، ص‏302.
[15] السيرة النبوية، ابن هشام، ج‏1، ص‏355.
[16] المصدر نفسه، ج‏1، ص‏298.
[17] أنساب الأشراف، ج‏1، ص‏147.
[18] الطبقات الكبرى، ج‏1، ص‏201.
[19] السيرة النبوية، ابن هشام، ج‏1، ص‏291.
[20] المصدر نفسه، ص‏271.
[21] سورة الذاريات، الآيتان: 52 - 54.
[22] طبقات ابن سعد، ج‏4، ص‏223.
[23] سورة النحل، الآية: 103.
[24] سورة الفرقان، الآيتان: 4 - 5.

08-11-2018 عدد القراءات 62



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا