21 تشرين الأول2017 الموافق لـ 01 صفر 1439هـ
En FR

الأمين العام :: ثقافة إسلامية

ما من دين أعلى من شأن العلم والعلماء مثل



في مثل هذا الحفل وبما يتناسب مع ما يثار في هذه الأيام وفي هذه السنين يقف الانسان من جهة أخرى ويأسف عندما يجد أنه بحاجة لأن يتكلم ولو لبعض الوقت عن صلة الدين بالعلم وصلة الاسلام على وجه التحديد بالعلم والمعرفة، في الزمن الذي تشن فيه الحملات الاعلامية والدعائية المعادية التي تحاول أن تقدم الدين وان تقدم الاسلام على وجه الخصوص كدين للتخلف والجهل والتعصب والخرافة والرجعية وما شاكل. من المحزن أن نحتاج في مثل هذه السنين لنتكلم ونستدل وندافع في معركة من هذا النوع؛ في معركة تملك فيها قوى الاستكبار في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية كل عناصر الدعاية والاعلام والدراسات والجامعات والترويج لفكرة ما أو دعاية ما أو اتهام معين.

الدين والعلم يرجعان الى مصدر واحد. الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزل الكتب السماوية وهو الذي بعث الانبياء والرسل قادة الدين الى البشرية. وفي نفس الوقت الله سبحانه وتعالى هو الذي علم الانسان ما لم يعلم. فالدين مصدره الله والعلم مصدره الله. وهناك من يصر على صراع بين الدين وبين العلم. في التاريخ لم يكن الانبياء والرسل فقط مبلغي رسالات الدين. بل كانوا أيضا معلمي البشرية في الكثير من مجالات العلم، وهدوا الناس وفتحوا أمامهم كل الابواب. لا وقت للتفصيل لكن أجمل. ثم عندما نأتي الى كتاب الاسلام الخالد القرآن الكريم والى الاحاديث الشريفة المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ لا أظن أن هناك دينا أو عقيدة أو فكرا أو حضارة تحدثت عن العلم والمعرفة ومكانة العلماء وحثت على طلب العلم وبينت قيمة ودرجة وأثر العلم في الدنيا وفي الآخرة أيضا كما فعل محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) نبي الاسلام العظيم وخاتم النبيين. في القرآن وفي الاحاديث وفي السيرة النبوية وفي حياة المسلمين الاوائل وعبر الاجيال المختلفة كل هذا يؤكد هذه الحقيقة. لا أظن أن أحدا قبل رسول الاسلام خطر في باله أن يجعل فداء الاسرى الذين وقعوا في يد المسلمين في معركة بدر أن يعلم كل أسير عشرة من المسلمين. لا أدري هل من أحد قبل هذا النبي عمل فدية من هذا النوع؟ حتى الفدية أراد أن يوظفها في خدمة التعليم والتعلم والمعرفة.

على كل حال اليوم، نحن نؤكد هذه الحقيقة الاسلامية الراسخة هذه المكانة العالية للعلم والعلماء والمتعلمين وللمعلمين

• الإسلام حث على طلب كل علم نافع دنيا وآخرة
وهنا نحن طبعا، لا نتحدث عن العلوم الدينية كما قد يشتبه البعض. نحن تحدث عن كل علم ومعرفة تقرب الانسان من الله سبحانه وتعالى وتجعل الانسان في خدمة أهله ومجتمعه وامته وكل البشرية. كل علم نافع من هذا النوع هو العلم الممدوح. هو العلم الذي يرفع أهله درجات في الدنيا وفي الآخرة. هو العلم الذي وصى به الانبياء والرسل وكتب الله السماوية. هذا هو العلم في دائرته الاوسع وليس فقط ما ينطبق عليه عنوان العلوم الدينية. ان أؤلئك العلماء الذين يخترعون بعض الادوية ـ مثلا ـ لمعالجة بعض الامراض، عندما تكون دوافعهم صادقة وانسانية لهم مقامات رفيعة وعالية عند الله سبحانه وتعالى ولهم تقدير كبير عند الله وعند عياله. اذا نحن نتحدث عن العلم؛ عن المعرفة في الدائرة الاوسع، ولذلك قال السيد المسيح (عليه السلام) ـ وفي نفس هذا المضمون جاءت الروايات عن الرسول الاسلامي (صلى الله عليه وآله): من تعلم لله وعلم لله وعمل لله سمي في ملكوت السماوات عظيما." اذاً، هو ليس عظيما في الأرض فقط، هو عظيم أيضا في ملكوت السماوات، عمن نتحدث؟ عن الذي يتعلم لله ويعلم لله ويعمل بهذا العلم لله في خدمة الناس وفي خدمة البشرية.‏

الإسلام لايميز بين الرجل والمرأة في حثه على طلب العلم
أيها الاخوة والاخوات: في هذا الزمن الذي تتحدث بعض الابواق في اماكن من العالم خصوصا في بعض وسائل اعلام الولايات المتحدة الامريكية التي تدعي الحرص على الحقيقة ونشر الحقيقة في العالم: أن الاسلام يسجن المرأة في البيت، وأن الاسلام يعارض أن تتعلم المرأة ـ العلم في صنوفه المختلفة ـ وأن الاسلام كذا وأن الاسلام كذا. أعتقد أننا اليوم نقف أمام جمع كريم من الاخوات العزيزات اللاتي ينتسبن وينتمين الى الاسلام والى حركة اسلامية واضحة الايمان والالتزام والسلوك على مبادئ الاسلام. وهذا هو الجواب العملي والميداني. لا نحتاج الى التنظير والى الاستدلال والى القول بأن الاسلام هو ليس كذلك. القرآن يقول هذا والحديث يقول هذا. نحن كمسلمين؛ نقدم جوابا واقعيا عمليا من خلال التزامنا بالاسلام بهذا المعنى وبهذا المضمون. نعم ان كانت هناك بعض التجارب التي تنسب نفسها الى الاسلام قد ارتكبت أخطاء قاتلة من هذا النوع فالذي يتحمل المسؤولية هم أصحاب هذه التجربة وليس الاسلام ولا نبي الاسلام ولا قرآن الاسلام؛ الذي من أول آية فيه الى آخر آية يضج بالمعرفة والعلم، والحديث عن الانسان الذكر والانثى في هذه الرحلة العظيمة وفي هذا الكدح الطويل الى الله سبحانه وتعالى.‏

نحتاج إلى العلم لمواجهة متطلبات الحياة وتحدياتها
اليوم أيها الاخوة والاخوات: نحن نؤكد على هذا المعنى،؛ على الحاجة الى المعرفة، الى العلم الى التعلم، ليس في مرحلة محددة من عمر الانسان، بل من المهد الى اللحد. العلم ليس له حدود وليس له نهاية. وعلى الانسان أن يبقى عاشقا للعلم وأن لا يتعاطى مع العلم فقط كوسيلة للعيش. وأعتقد أن هذا من خصوصيات التوجيه الاسلامي. أيضا، قد نتعاطى مع العلم كمصدر للعيش: كمصدر للقوة ،كمصدر لمعالجة المشكلات التي يعيشها الناس. ولكن أن ننظر الى العلم والمعرفة كقيمة ايمانية ذاتية أيضا ونرتبط معه ارتباطا عشقيا حبيا روحيا. هذا ما أكده ورسخه تعليم الاسلام. يجب ألا يكون لطموحنا العلمي حدود. أقول هذا للأخوة والاخوات خريجي هذا الحفل. يجب أن لا يكون لطموحاتنا العلمية ولأحلامنا العلمية حدودا أيا تكن الصعوبات الاجتماعية والحياتية والمعيشية التي تحيط بنا وأيا تكن الظروف التي عشناها في السابق أو التي يمكن أن نواجهها في المستقبل. العلم بالنسبة لنا، المعرفة بالنسبة لنا هي مسألة ضرورية لازمة سواء في البعد الايماني، لأنه انما يخشى الله من عباده العلماء، أو في البعد الاجتماعي الحضاري لأن التحديات والحياة باتت متطلباتها كبيرة وعظيمة وخطيرة جدا ولأن الاستحقاقات المقبلة أيضا لا مكان فيها للضعفاء والضعفاء: ليس فقط من لا يملكون المال ولا يملكون السلاح، أول الضعفاء هم الجهلة. أول الضعفاء هم الذين يعيشون عالة على حضارات الغير. أول الضعفاء هم الذين لا يستطيعون أن يعالجوا مشاكلهم من خلال قدراتهم واختصاصاتهم وخبراتهم الوطنية والقومية. أول الضعف هو الجهل. ولذلك اذا كنا نؤمن بأننا في عالم ينتصر فيه القوي ويُحترم فيه القوي ويبقى فيه القوي يجب أن نبحث ونستكمل ونحصل على كل عناصر القوة وفي مقدمتها العلم في كل اختصاصاته التي تحتاج اليها أمتنا.‏

هنا نتحدث عن مسؤولية انسانية، عن مسؤولية دينية، عن مسؤولية حضارية، عن مسؤولية تجاه أمة، عن مسؤولية في المعركة وليس عن مسؤولية في دائرة الحياة الشخصية أو حياة العائلة المباشرة التي نتحمل المسؤولية عنها. ولكن قبل أن أدخل الى الأوضاع العامة أريد أن أذكر أن:

العلم النافع ما تحصن بالقيم الأخلاقية السامية
هذا العلم وهذه المعرفة تبقى مفيدة للانسانية اذا بقيت قائمة على قاعدة الايمان بالله والتسليم له والاعتقاد بعظمته هو وقدرته هو وجبروته هو، والا كما قالت الآيات قبل قليل الآيات التي تتحدث عن العلم: "علم الانسان ما لم يعلم" ،الى أن يقول: "ان الانسان ليطغى أن رآه استغنى"، ان الذي يتصور أنه وصل الى مقام من العلم ومقام من القوة ومقام من الغنى لا يدانيه مقام يستغني به عن الله عز وجل عن خالق الخلق وعن منزل العلم ورازق وحافظ هذا الوجود، انه يصل الى مرحلة الطغيان والجبروت والألوهية المصطنعة التي في لحظة من اللحظات ينكشف عجزها كما حصل بالأمس.

• مكوك الفضاء الأميركي ينفجر: أميركا تستسلم أمام مشيئة الله
الذي حصل بالأمس هو رسالة لكل البشرية وخصوصا للشعوب العربية والاسلامية وشعوب العالم الثالث. هو رسالة لكل الذين ظنوا في السنوات القليلة الماضية أن أمريكا إله وأنها وصلت الى المرحلة التي باتت مشيئتها مشيئة الهية وارادتها ارادة الهية لا يمكن أن تقهر ولا يمكن أن ترد ولا يمكن أن تبدل، أمريكا العظيمة بأساطيلها وعلمها وعلمائها وغزوها للفضاء، أمريكا التي تهدد الكرة الأرضية كلها بالحرب وبملايين الرجال وحاملات الطائرات والاسلحة النووية، أمريكا الغارقة في عتوها وجبروتها وطغيانها وادعائها للألوهية وقفت بالأمس من رئيسها جورج بوش الى كل علمائها وجبابرتها في العلم الى كل وكالاتها العلمية وقفت مدهوشة أمام مكوكها الفضائي ينفجر في وسط السماء وهو يهوي الى الأرض ولا تستطيع أن تفعل شيئا. وقفت أمريكا بالأمس شاءت أم أبت مسلمة لمشيئة الله سبحانه وتعالى؛ صاحب المشيئة الحاكمة في هذا الوجود وفي هذا الكون. ما حصل بالأمس يمكن أن يحصل في أي زمان ومع أي قوم ومع أي دولة. ولكن له رسالته الخاصة في الزمن الذي باتت أمريكا إلها تعبد من دون الله وإلها تطاع من دون الله وإلها يخشى من دون الله وإلها يخاف منه من دون الله. هذه هي أمريكا التي كانت أمس عاجزة واليوم هي حزينة. وهل من صفات الاله أن يعجز؟ وهل من صفات الاله أن يحزن؟ وهل من صفات الاله أن يضعف؟‏

العلم المتنكر للإيمان يتحول إلى سلاح مدمر للبشرية
على كل حال ما أردت أن أقوله، العلم الذي يعيش في حضن الايمان، الايمان الذي يبقي فكرة الله الحاضر والناظر في هذا الوجود والمبقي على الحياة حية وقائمة في وجدان الانسان كل لحظة. الايمان الى جانب هذا العلم يحفظ التواضع ويحفظ القيم الأخلاقية ويحفظ روح خدمة البشرية ويمنع من العتو والغلو والعلو والطغيان والتجبر والاستكبار والفساد والافساد. أما العلم بعيدا عن هذا الايمان هو من أخطر الأسلحة التي هددت البشرية وعرضت البشرية للمخاطر. لولا العلم هل كان يمكن أن تكون مأساة لا نظير لها في التاريخ البشري كمأساة هيروشيما وناكازاكي؟ من الذي صنع هذه المأساة؟ علماء ولكن علماء لا دين لهم ولا ايمان لهم ولا أخلاق لهم ولا احساس بشري أو انساني لهم. العلم هنا يصبح من أخطر الأسلحة التي تدمر البشرية وتسحق الناس في مشارق الأرض ومغاربها. ولذلك ان عظمة الاسلام تكمن في هذه النقطة أيضا، التي تدعو الى العلم وتحث على العلم وترفع من درجة العلماء ولكنها تضع العلم في حضن الايمان في ظل الايمان في حاكمية الايمان حتى لا تتفلت هذه القوى العلمية الضخمة وتتحول الى مأساة للبشرية.‏


* من كلمة الامين العام لحزب الله في حفل تخريج طلاب جامعيين من مدرسة شاهد 2-2-2003 ــ القسم الثقافي

11-08-2017 عدد القراءات 208



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا