12 كانون الأول 2017 الموافق لـ 23 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الأمين العام :: ثقافة إسلامية

ذكر الله واللجوء إليه ملاذ الأمة في معركتها مع العدو



المساجد كما المتاريس جزء من المواجهة
طالما اننا آمنا بهذا الدين وهذه الرسالة، فنحن بحاجة إلى المساجد. وهذا ليس بحاجة إلى استدلال، ولكن ما نعيشه في مرحلتنا الحاضرة يؤكد علينا أكثر من أي زمن مضى هذه الحاجة. أنا اريد ان اضيف إلى الاوضاع الطبيعية العادية التي يبنى فيها لله بيوت، وللتربية والثقافة اماكن ومراكز ومعاهد ومجمعات، في الاوضاع الطبيعية تعرفون ما هي الحاجة، ولكن نحن في الزمن الاستثنائي يأتي التأكيد على أهمية هذا العمل. هذا العمل يأتي في الحقيقة في سياق المعركة التي تخوضها الأمة في هذا الزمن في مواجهة أعتى الطواغيت واعتى الاعاصير واصعب المراحل التاريخية. قد يقول البعض نحن نتوقع منكم في ظل الاحاديث عن الحرب القادمة على المنطقة ان تبنو المتاريس، وان تشتروا بما لديكم من المال سلاحا، لا أن تقيموا وأن تبنوا مسجدا في الزمن الذي تذهب فيه المنطقة إلى الحرب، أو مجمعا تربويا ثقافيا، بينما أنا أقول أن هذا جزء من المعركة، هذا جزء من خطة المواجهة، لأن معركتنا كأنت وما زالت وستبقى وقبل كل شيء تستند إلى الايمان، إلى القوة المعنوية، إلى العقيدة، إلى صفاء الروح، إلى صلابة الارادة، إلى قوة العزم، إلى الشجاعة التي نستلهمها من قادتنا الكبار.

• "الإيمان والقيم المعنوية": قوتنا الأساسية في المواجهة
نحن بالدرجة الاولى لا نبحث عن التوازن ولم نبحث عن التوازن مع العدو في يوم من الايام: لا في سلاح ولا في عتاد ولا عدة ولا عدد. نحن نعرف ان أعداء هذه الامة ومنذ عقود من الزمن يملكون تفوقا هائلا وليس تفوقا عاديا وليس تفوقا بسيطا؛ يملكون تفوقا هائلا في العدة والعتاد والآلة العسكرية والتكنولوجيا العسكرية المتطورة وعدد الجيوش وإمكانات الحرب والقوة الاقتصادية والمال ووسائل الاعلام وأجهزة المخابرات وامكانيات الحرب النفسية والخ... وليست لدينا شبهات حول هذا الموضوع. نحن لا نستهين بأعدائنا، حتى في سنوات المقاومة ونحن ما زلنا في زمن المقاومة. نحن لم نستهن بامكانات العدو "الاسرائيلي"، ولم نقل بأن "إسرائيل" ليس لديها قوة أو عتاد أو عدة أو تكنولوجيا ابدا. ونحن في نظرتنا إلى هذه المعركة والى الدفاع عن هذه الامة لا نتطلع إلى تفوق مادي على هذا العدو. وبصراحة ايضا، لا نتطلع إلى توازن عسكري استراتيجي مع هذا العدو. لاننا لو اردنا ان نجمد معركتنا ودفاعنا ومقاومتنا وصمودنا بانتظار ان يحصل لنا هذا التفوق او هذا التوازن فعلينا ان ننتظر ليس لعقود من الزمن وانما لقرون من الزمن؛ لمئات السنين. وليس من المعلوم ان نصل إلى ذلك الحد.

القوة الاساسية التي نستند اليها هي نفسها تلك التي استند اليها الانبياء والرسل (عليهم السلام) عندما وقف ابراهيم (عليه السلام) في محضر نمرود يدعوه إلى عبادة الله وتوحيده، ولم يخشى لا ناره ولا جحيمه. نستند إلى تلك القوة المعنوية الهائلة التي استند اليها موسى (عليه السلام) وذهب إلى فرعون يتوكأ على عصاه ليتحدى ذلك الفرعون الذي ادعى الالوهية. نستند إلى تلك القوة المعنوية التي وقف فيها عيسى المسيح (عليه السلام) في وجه كل طواغيت الارض ولصوص الهيكل واحبار اليهود المحرّفين والمنحرفين والقساة القلوب. نستند إلى تلك القوة المعنوية التي وقف فيها محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) يواجه طواغيت قريش وعتاة اليهود وأجلاف الصحراء من تلك العشائر والقبائل التي ما كأنت تفقه ما تقول. هذه هي القوة التي انتصر فيها طوال التاريخ أنبياء الله ورسله وأولياؤه الكبار. وهي التي نستند اليها، وهي التي انتصرنا بها في المقاومة في لبنان، وهي التي نصمد بها في المقاومة في لبنان، وهي التي تعطي هذا الوقود وهذا العنفوان والقدرة على الاستمرار لاخواننا في فلسطين المحتلة. اذاً نحن هنا في الحقيقة نبني متراسا جديدا، وموقعا جديدا في المعركة، ولكنه متراس وموقع للمعنويات، للايمان والارادة والعزم والروح التي نحتاج اليها في هذه المواجهة.‏

ذكر الله ملاذ الأمة في مواجهة الحرب النفسية الشرسة

أ- الحرب النفسية هدفها تدمير الإرادة المقابلة
أيها الاخوة والاخوات، في هذه النقطة بالتحديد، أنا ادعو إلى المزيد من الاهتمام والتأمل. في هذا الزمن أول أشكال وأعنف اشكال الحرب وأكثر أشكال الحرب انتاجية والذي لا تكون كلفته عالية اذا ما قيست بالحرب العسكرية، هي الحروب النفسية. في لبنان عشنا هذه التجربة، لطالما قام العدو بشن حروب نفسية على اللبنانيين وعلى شعب لبنان، لطالما تحدث عن تدمير لبنان وسحق عظام اللبنانيين وتحويل لبنان إلى جحيم، الخ... ولطالما سمعنا ألوانا واشكالا ورأينا اشكالا من التهويل والتهديد والارهاب النفسي، وهذا هو الذي يتكرر ايضا اليوم في في فلسطين. كل ذلك كان هدفه في السنوات الماضية أن تلقي السلاح، أن تستسلم، أن تخاف، وأن يمتليء قلبك رعبا وخوفا وهلعا. أن تنهار ارادتك ويسقط عزمك. هذا هو هدف الحرب النفسية. في الحرب النفسية الجيوش والقوى الكبرى تحاول ان توفر نصف المعركة، وان تدمر قوة العدو، نصف قوة العدو، ثلاثة أرباع قوة العدو، من خلال الحرب النفسية وقبل اطلاق اي رصاصة او قذيفة.

اليوم الولايات المتحدة الاميركية تخوض حربا نفسية قاسية وكبيرة وشرسة على الامة كلها. وتتحدث عن انها آتية إلى هذه المنطقة لتزلزلها وتغيرها وتعيد رسم خارطتها من جديد، وويل لمن يفكر أو تحدثه نفسه بأن يقف على قدميه أمام إرادة هذا الفرعون العالمي الجديد. التهويل والارهاب وتصوير أمريكا بأنها القادرة على فعل كل شيء، انها القوة العظمى التي تستطيع ان تفعل ما تشاء، وفي المقابل ان هذه الامة ليس لها خيار سوى ان تستسلم وتركع وتسلم للقضاء والقدر الذي ترسمه امريكا وليس الله. وبالتالي من موقع الاستسلام والخضوع البعض في العلن وفي السر يحاول ان يزحف إلى ذلك الفرعون ليحجز له مكانا في العالم الجديد الذي تريد أن تصنعه هذه القوة المستكبرة الفرعونية في العالم.‏

لكن، في مواجهة هذه الحرب النفسية، قد لا نملك وسائل الاعلام نفسها ولا قوة وسائل الاعلام نفسها. قد لا نملك قوة نشر الشائعات التي تملكها امريكا. قد لا نملك اجهزة الاستخبارات التي تضم ملايين الافراد وتمول بمليارات الدولارات. ولكن حيث كنا وحيث نحن، في لبنان وفي فلسطين واي مكان في العالم العربي والاسلامي، يمكننا ان نصمد في مواجهة هذه الحرب النفسية. كيف؟ بأن نلتجيء، وهنا ما يجب الالتفات اليه بدقة؛ البعض يتصور بأن الحرب الاعلامية المقابلة والحرب النفسية المقابلة قد تتمكن من المواجهة. انا اقول لكم قد تحد من الخسائر. ولكن الذي يحمي هذه الامة ويحمينا جميعا من نتائج هذه الحرب النفسية وآثارها المدمرة علينا هو اللجوء إلى الله (س)، والتذكر.

ب- ذكر الله هو الشعور بمعية الله وحضوره وقدرته
ذكر الله- أعود واقول كما قلت في شهر رمضان- ليس ان يحمل أحدنا مسبحة ويقول: سبحان الله والحمدلله والله أكبر وما شاكل. ذكر الله يعني أن تتذكر وأن تذكر وتشعر بأن الله حاضر وناظر. وبالتالي وأنت في تجارتك لا تنسى الله وتذكره، وأنت في بيعك لا تنسى الله وتذكره، وأنت في مدرستك وأنت في متجرك وأنت في حقلك وأنت في اي موقع، وأنت تمشي في الشارع يمكنك ان تكون ذاكرا لله؛ بمعنى ان توجه قلبك وعقلك إلى ان الله حاضر وناظر ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض. هذا يعني ذكر الله. عندما نتذكر الله عز وجل، ونتذكر ايماننا ونستحضر حقيقة ان الله هو الاله الواحد في السماء وفي الارض، ان الله هو المحيط بكل شيء، وحده القادر على كل شيء، ان الله هو العالم بكل شيء، ان الله بيده ملكوت السموات والارض، ان الله سبحانه وتعالى يضع ملوكا ويرفع آخرين، ان الله هو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، يعطي من يشاء ويمنع عمن يشاء، ينصر من يشاء ويخذل من يشاء، ان الله بيده القوة جميعا. حينئذ عندما تتذكر الله عز وجل في المسجد والمحراب والصلاة والتلاوة وفي كل مواقع الحياة ولحظات الحياة، وتصغي إلى كلماته وهو الذي يقول: "أذكروني أذكركم". عندما نذكره يذكرنا، وعندما يذكرنا يتحنن علينا ويلطف بنا ويرحمنا ويعيننا وينصرنا ويعطينا القوة.‏

ج- "السند المعنوي" شعور عاشه مجاهدونا دوما-
لوملكنا كل ما ترقينا له في هذ الايمان يمكن ان تتكرر القصة. ولكن ليس بمشهد فرد وانما بمشهد امة. يمكن ان يأتي كل طواغيت الارض ليحملوا هذه الامة ويرموا بها في أتون النار كما فعل النمرود بإبراهيم، ثم يقول الله تعالى: "يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم". أليس الله قادرا على ذلك؟ هو قادر على ذلك.

هذا الذي أقوله ليس نظريات. هذه تجربة عشناها نحن وانتم خلال عشرين سنة. تتذكرون كيف كان الله (س) يملأ قلوبنا بالطمأنينة، بالهدوء، بالثقة. يملأ قلوبنا واعصابنا بالسكينة في كل مراحل المواجهة السابقة: في تموز 93، في عناقيد الغضب 96، في مواجهة كل الاعتداءات "الإسرائيلية"، في مواجهة المجازر وقتل القادة والاحبة من الشيخ راغب إلى السيد عباس وام ياسر وابنهما حسين. من قانا إلى سحمر إلى جميجمة إلى المنصوري الخ. عندما احتشد العالم في شرم الشيخ لم يرتجف لنا جفن ولا عصب ولم يدخل وهن ولا خوف إلى قلوبنا، لماذا؟ ليس لاننا نملك توازنا عسكريا مع العدو، بل لاننا نملك هذا السند المعنوي الهائل. ولذلك انا اقول لكم: نحن لسنا في موقع التوازن مع العدو، نحن في موقع التفوق المعنوي مع العدو، العدو يتفوق علينا ماديا هذا صحيح، ولكن نحن نتفوق عليه روحيا ومعنويا.

د- نحن والعدو اليوم: إيمان واطمئنان مقابل هلع ورعب
في ذكرى الشهيد السيد عباس، قلت العديد من الفوارق عن هذه المرحلة وعن مرحلة 82. وما نسيت أن أقوله هناك: أننا اليوم نحن أمام جيش "إسرائيلي" مهزوم. أمام جيش "إسرائيلي" تحطمت اسطورته في لبنان، أمام جيش "إسرائيلي" يرعبه ويخيفه المجاهدون العزل الا من السلاح المتواضع. أمام جيش "إسرائيلي" عندما تدخل دباباته إلى نابلس و طولكرم او غيرها، يصعد عليها اطفال فلسطين ليغنموا من عتادها وذخائرها، نحن أمام مجتمع "إسرائيلي" مملوء بالرعب والهلع والخوف. في المقابل نحن هنا نملك من الايمان والثقة والطمأنينة وهدوء النفس والاعصاب والايمان بالمستقبل الكثير الذي لم نكن نملكه سنة 1982. في سنة 1982 كان لبنان ساحة للخوف وساحة للرعب وللشك وللتردد، اما الان فهو ساحة لليقين والايمان والأمل والانتصار.


* من كلمة الامين العام لحزب الله في وضع حجر الاساس لمجمع سيد الاوصياء (عليه السلام) في برج البراجنة 21-2-2003- القسم الثقافي

11-08-2017 عدد القراءات 229



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا