20 تشرين الثاني 2019 م الموافق لـ 22 ربيع الأول 1441 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: العلاقة مع النفس

إيّاكم والبخل‏



عن أمير المؤمنين عليه السلام:

"أوصيكم بالخشية من الله في السر والعلانية.. وإيّاكم والبخل وعليكم بالسخاء فإنه لا يدخل الجنة بخيل.."1.

أ- مع الوصيّة

في هذا الجزء من كلام أمير المؤمنين عليه السلام تأكيد جملة أمور منها الابتعاد عن آفة البخل والحرص، فهو يحذّرنا أن نكون من أولئك الذين تحكمهم المادة وتسيطر على إرادتهم، فتحول بينهم وبين أن يجودوا بدرهم أو بشي‏ء من حطام الدنيا الزائلة، فهم سجناء كبّلت أيديهم وأحاطت بهم الأغلال وقد سجنهم وقيّدهم حب الدنيا والمال، وبالتأكيد من يبخل بماله سوف يبخل بنفسه من باب أولى حيث أن الجود بالنّفس أقصى غاية الجود، فمن عجز عن أدنى درجات الجود لن يكون قادراً على أعلى درجاته وهو بذل نفسه في سبيل الله تعالى إلا إذا قدر على كسر الأغلال والخروج من سجن البخل المظلم إلى فضاء السخاء الرحب حيث حرية الإرادة وحياة المكرمات والفضائل بعيداً عن تلك النفس القابعة تحت سطوة الرغبات المذلّة.

وقد حدّثنا القرآن الكريم عن تلك الفئة من الناس قائلاً:﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا(النساء:37).
وفي آية ثانية قال عزّوجل: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ(محمد:38).

وفي هاتين الآيتين الكريمتين بيان لأمرين:

الأول: حقيقة الواقع الذي يكون عليه البخيل.

والثاني: الجزاء الذي ينتظره فيما بعد، إضافة إلى جوانب ترتبط بالبعد الثقافي الديني الذي يفتقده البخيل في نظرته إلى ربه تعالى والناس من حوله وكذلك إلى نفسه التي هي محل جهل لديه ومن الطبيعي أن يكون هذا الرجل جامعاً لمساوى‏ء عديدة كما ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: "البخل جامع لمساوى‏ء العيوب وهو زمام يقاد به إلى كل سوء"2.

ب- لا راحة لبخيل‏

جاء عن مولانا الصادق عليه السلام قوله: "ليست لبخيل راحة"3.

والسبب في ذلك أن البخيل حوّل الوسيلة التي ينبغي أن تؤمّن الراحة له والهناء في العيش إلى وسيلة إزعاج دائم من خلال الوباء العضال الذي صنع بيديه ونتيجة لحرصه وطمعه، فبدلاً من أن يكون المال في خدمته ويصرفه في سبيل تأمين راحته وراحة من يتعلق به بحيث يكون مخدومه فقد أصبح خادمه، يشقى ويتعب نفسه بحجة الحفاظ عليه ثم يموت ويرحل من عالم الدنيا وقد أدّى في جمع الأموال مهمات صعبة ربما عرّض حياته في بعضها لخطر القتل وبالنهاية لم يهنأ بذلك كلّه لأنه عاش وقد استعبده ماله فأفقده القرار على الإستفادة منه وهو ما انعكس على مستويات عديدة في حياته:

1- المستوى المعنوي:


لا يكاد يتقدم البخيل خطوة واحدة على المستوى المعنوي والروحي ان قدّر له ذلك إلا ويتراجع مئات الخطوات، ذلك ان في البخل سوء ظن بالله تعالى، والحقيقة ان البخيل لا يبرح من مكانه الذي قيّده فيه بخله بعيداً عن ساحة الجود والكرم.

في الحديث: "حسب البخيل من بخله سوء الظن بربّه.."4.

وعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم: "البخيل بعيد من الله.."5.

2- المستوى الاجتماعي:


إن علاقة البخيل بمن حوله من أسوأ العلاقات على الإطلاق ويشمل ذلك عائلته وأولاده وأرحامه وسائر المتصلين به بنسب أو سبب، فهو حينما يبخل على زوجته بما تحتاجه أو يحوّل منزله إلى محاضر استجواب عند شراء أي فرد من أفراد أسرته شيئاً أو طلبه لأمر ما لن يكون الوئام والإنسجام موجوداً في ذلك البيت، فهو لن يرتاح لما سيلقى من ردّات فعل على منعه وحرصه وكذلك الآخرون لن ينعموا بالراحة في العيش معه، وهكذا علاقاته الاجتماعية خارج الأسرة لن تكون ناجحة أو وطيدة يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "ليس لبخيل حبيب"6.

وعنه عليه السلام: "بالبخل تكثر المسبّة"7.

وفي حديث ثالث: "لا يطمعنّ.. البخيل في صلة الرحم"8.

فالبخيل ليس شخصاً اجتماعياً ناجحاً بل فردي محبّ لنفسه وبعيد كل البعد عن روح الجماعة والتعاون والتكامل مع الآخرين.

3- المستوى الاقتصادي:

ليس بالإمكان للبخيل أن يصل إلى مرحلة يقتنع فيها بكفاية ما عنده ليقول إني مرتاح من الناحية الاقتصادية والمالية، وذلك نتيجة أن البخل وليد الطمع وطالما كان الطمع موجوداً وسيّد الموقف سيظلّ يرى نفسه فقيراً ولو ملك الدنيا بما فيها حيث القناعة لا وجود لها في نفسه وهي الكنز الذي، لا يفنى فإن شخصاً من هذا القبيل لا حظّ له من الغنى أبداً إلا التخلص من هذه الصفة الذميمة.

جاء في الحديث عن مولى المتقين عليه السلام: "عجبت للبخيل يستعمل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء"9.

وهناك مستويات أخرى يطول الكلام في بيانها وتعداد وجوه عدم راحة البخيل فيها. وللّه درّ أمير المؤمنين عليه السلام حيث وصف البخيل وعدم راحته في شعر ينسب إليه قائلاً:

خلقت الخلائق في قدرةٍ              فمنهم سخي ومنهم بخيل‏
فأما السخيّ ففي راحةٍ              وأما البخيل فشؤم طويل
10

ج- حقيقة البخل في الأحاديث‏

جاء الكشف عن الهوية الحقيقية لآفة البخل على لسان أهل بيت العصمة في مواضع عديدة ومصادر مختلفة، نتعرف عليها كما بيّنوها عليهم السلام محذّرين من مغبّة الوقوع في أخطارها.

1- البخل جامع العيوب وزمام السوء:


قال أمير المؤمنين عليه السلام: "البخل جامع لمساوى‏ء العيوب، وهو زمام يقاد به إلى كل سوء"11.

2- البخل عار:


كما جاء في الحديث12.

3- البخل أذم الأخلاق:


كما عن مولانا الهادي عليه السلام13.

4- البخل جلباب المسكنة
14.

5- البخل بالموجود سوء الظن بالمعبود
:15.

6- البخل عاهة
:

يقول مولانا الرضا عليه السلام: "إياكم والبخل فإنها عاهة لا تكون في حر ولا مؤمن، إنها خلاف الإيمان"16.

د- نتائج البخل‏


1- الذلّ:


في الحديث: "البخل يذلّ مصاحبه ويعزّ مجانبه"17.

2- البعد من الله والناس:


عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار"18.

3- إزدراد النار:


يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "الناس يوم القيامة ثلاثة.. وتقول للغني: يا من وهبه الله دنيا كثيرة واسعة فيضاً وسأله الحقير اليسير قرضاً فأبى إلا بخلاً فتزدرده"19.

4- قلّة الراحة:


عن خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم: "أقل الناس راحة البخيل"20.

يضاف إلى هذه النتائج الدنيوية والأخروية الآثار المترتبة التي تقدمت في فقرة التعريف بحقيقة البخل والحاصل انه من برى‏ء من البخل نال الشرف كما جاء في بعض الاحاديث الشريفة.

هـ- أبخل الناس‏

في الحديث: "إن أبخل الناس من بخل بالسلام"21.

قصة للعبرة:

أحبّ الناس إلى إبليس؟!

روي أنّ‏َ يحيى بن زكريا عليهما السلام لقي إبليس (لعنه الله)، فقال:
اخبرني بأحبّ الناس إليك؟ وأبغضهم إليك؟
قال: أحبَّهم إليّ‏َ كل مؤمن بخيل، وأبغضهم إليّ‏َ كل منافق سخيّ.
قال: ولِمَ ذاك؟
قال: لأن السخاء خلقُ الله الأعظم، فأخشى أن يطلع عليه في بعض سخائه فيغفر له
22.

المراد من القصة أنّ سخاءه يقوده حتماً إلى الإيمان، والعمل الصالح.
فمن ذلك أنّ قوماً أسارى جي‏ء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمر أمير المؤمنين عليه السلام بضرب أعناقهم، ثم أَمره بإِفراد واحد منهم وأن لا يقتله.
فقال الرجل: لِمَ أفردتني من أَصحابي والجناية واحدة؟!
فقال: إنّ الله أوحى إليّ‏َ أنك سخيّ قومك، وأن لا أقتلك.
فقال الرجل: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
فقال: فقاده سخاؤه إلى الجنة23.

*من وصايا العترة عليهم السلام ، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط1، ربيع اول1424هـ ، ص17-26.


1- بحار الأنوار، ج‏1، ص‏141.
2- البحار، ج‏73، ص‏307.
3- ميزان الحكمة، حديث: 1613.
4- م.ن. حديث: 1601.
5- م.ن. حديث: 1595.
6- م.ن. حديث: 1597.
7- م.ن. حديث: 1587.
8- م.ن. حديث: 1602.
9- م.ن. حديث: 1598.
10- بحار الأنوار، ج‏73، ص‏304.
11- ميزان الحكمة، حديث: 1579.
12- م.ن. حديث: 1582.
13- م.ن. حديث: 1581.
14- م.ن. حديث: 1583.
15- غرر الحكم، 1258.
16- البحار، ج‏78، ص‏346.
17- ميزان الحكمة، حديث: 1592.
18- م.ن. الحديث: 1595.
19- البحار، ج‏75، ص‏337.
20- البحار، ج‏73، ص‏300.
21- البحار، ج‏76، ص‏4.
22- المحاسن والأضداد، ص‏112.
23- الاختصاص 247.

14-08-2009 عدد القراءات 32694



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


تعليقات القراء 1 تعليق / تعليقات

نعمة الحمايمى | جميل

15-04-2013 | 22-02د

thank u



جديدنا