20 تشرين الأول 2018 الموافق لـ 10 صفر 1440 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الحياة السياسية

من مواقف الإمام الكاظم (عليه السلام)



  كان هارون يعاني بشدة من صلابة ومقاومة آل علي في مقابل سلطة العباسيين، ولهذا كان يحاول قمعهم بأية صورة ممكنة، او يحاول اسقاط هيبتهم في المجتمع، فهو يدفع الاموال الطائلة للشعراء المرتزقين المداحين لكي ينظموا الشعر في هجاء آل علي ومن جملة اولئك منصور النمري فقد انشد مرة قصيدة في النيل من آل علي فأمر هارون جلاوزته ان ياخذوه الى بيت المال وان يفسحوا له المجال ليصيبوا منه ما شاء.[1] وقد نفى جميع العلويين الذين يسكنون بغداد الى المدينه، وقتل عددا كبيرا منهم او دس له السم.[2]

وحتى انه كان يغاظ بشدة من اقبال الناس على زيارة قبر الامام الحسين عليه السلام، ومن هنا فقد اصدر اوامر بتهديم القبر الشريف وما يحيط من بيوت مجاورة، وحتى شجرة السدر التي كانت نامية الى جانب المزار الطاهر امر بها فقطعت.[3]
 
لا شك ان الامام موسى الكاظم سلام الله وصلواته عليه لا يمكن ان يتفق مع سلطة مثل هذا الشخص الظالم، ومن هنا كان يبارك نهضة فخ، وذلك ايضا هو السبب في انه كان يتصل بشيعته بصورة خفية الله يعيّن لكل فرد منهم ما يجب عليه القيام به ضد السلطه الجائرة في ذلك العصر.

وقد أُثر عنه عليه السلام قوله لصفوان بن مهران وهو من اصحابه والمقربين اليه:
انك جيد من جميع الجهات، سوى انك تؤجر جمالك لهارون.
فقال صفوان: انني أؤجرها له للسفر الى الحج، وانا ايضا لا أرافق تلك الجمال.
فقال الامام: الا تحب- لهذا السبب- ان يبقى هارون على قيد الحياة حتى العودة من مكه على اقل تقدير، لكي لا تخسر الجمال؟ ولكي يعطيك الاجرة؟
اجاب:نعم.
فقال الامام: كل من يحب بقاء الظالمين فهو يعدّ منهم.[4]

واذا لاحظنا الامام يجيز للبعض ان يتولى بعض المهام في جهاز سلطة هارون، فقد كان يرى في ذلك مصلحة من الناحية السياسيه، فينتدب اشخاصا ليحتلوا بعض المناصب لينفعوا الشيعة من ناحية، وليتعرف عن طريقهم على بعض المكائد التي تحوكها الحكومة الجائرة ضد العلويين. ومثال ذلك قصة علي بن يقطين، فعندما أراد الاستقالة من منصبه في بلاط هارون فإن الإمام الكاظم(ع) لم يسمح له بذلك.

اجل ان الامام لم يتعاون مع الظالمين لحظة واحدة، وحتى عندما كان واقعا في قبضتهم:
ففي يوم من ايام سجن الامام، ارسل هارون يحيى بن خالد الى السجن ليقول للامام موسى بن جعفر انه اذا طلب منه العفو فسوف يطلق صراحه، لكن الامام(ع) رفض ذلك.[5]
ولم يتخل الامام عن كرامته وسلوكه الرفيع وطبعه الرافض للظلم والمساومة حتى في احلك الظروف واصعب اللحظات.

لاحظوا هذه الرسالة التي كتبها يوما الى هارون من السجن فسوف تشمون منها رائحة العظمة والصمود والايمان بالعقيدة والهدف: "... لا يمر علي يوم بالصعوبة والعسر الا ويمر عليك بالسهولة والرفاه، فانتظر حتى ننتقل نحن الاثنين الى يوم لا نهايه له، وفي ذلك اليوم يخسر المجرمون...".[6]

وكان هارون مطلعا عن طريق جواسيسه على الاتصال المستمر الخفي بين الامام وشيعته، وكان على علم ايضا ان الامام اذا سنحت له الفرصة فسوف يثور ضده او يأمر اتباعه بالثورة عليه ليقوّض سلتطه، وهو يلاحظ ان تلك الروح الرفيعة ليس فيها اي اثر للرضوخ المساومة، واذا كان الامام واضعا يده على يد في الظاهر لفترة معينة فإن ذلك لا يعني السكوت، ولهذا فهارون يستبق الاحداث ويستخدم خداع العامة ويقف بوقاحة أمام قبر النبي(ص) ويخاطبه دون ان يستحي من غصب الخلافه واستعمال الظلم واكل اموال الناس وتحويل الخلافه الى الملكيه قائلا: "اعتذر اليك يا رسول الله في القرار الذي اتخذته فيما يتعلق بابنك موسى ابن جعفر، فانا لا اود في اعماقي ان اسجنه، لكنّي افعل ذلك خوفا من وقوع الحرب بين امتك فتراق دماء بريئه!!".

وعندئذ يأمر بإلقاء القبض على الامام وهو مشغول بالصلاه الى جانب قبر النبي الاكرم(ص)، فينقل الى البصره ليسجن فيها.

وقضى الامام(ع) سنة كاملة في سجن والي البصرة عيسى بن جعفر، وقد اثرت خصال الامام الكريمة في عيسى بن جعفر تأثيرا عميقا بحيث دفعته الى ان يكتب كتابا الى هارون ويقول فيه: ارجو ان تنقله منى الى مكان اخر والا فانني سوف اطلق سراحه.
فأمر هارون بنقل الامام(ع) الى بغداد وسجن عند الفضل بن الربيع، ثم نقل بعد فترة الى سجن الفضل بن يحيى وفي النهاية اودع في سجن السندي بن شاهك.

والسبب في هذه التنقلات المتعاقبة هو ان هارون كلما طلب من المشرفين على سجن الامام ان يقضوا عليه فإنهم كانوا يمتنعون عن هذه الجريمه الشنيعة، حتى انتهى الدور الى هذا السجان الاخير الساقط وهو السندي بن شاهك، فدس السم للامام(ع) بإيعاز من هارون، وبعد ان قضى الامام مسموما احضر مجموعة من الشخصيات المعروفة حتى يشهدوا ان الامام موسى الكاظم (عليه السلام) مات في السجن بصورة طبيعية وما اغتاله احد. وحاول بهذه الحيلة ان يبرىء ساحة السلطة العباسية من قتل ذلك الامام الجليل، وفي نفس الوقت ليحول دون الثورة المتوقعة من قبل المحبّين للامام(ع).[7]

الا ان حنكة الامام وعظمته قد فضحت هؤلاء واخزتهم، لانه بمجرد ان حضر الشهود ونظروا اليه فإن الامام بادرهم بالقول وهو على تلك الحال السيئة من الضعف لشدة التسمم: لقد سمّني هؤلاء بتسع تمرات، ولهذا فسوف يخضرّ بدني غدا وسوف افارق الدنيا بعد غد.[8]

وقد تحقق بعد ذلك نفس ما تنبأ به الامام(ع).

وبعد يومين- اي في الخامس والعشرين من شهر رجب 183هـ.ق- حزنت السماء والارض ونُكب اهل الايمان ولاسيما الشيعة بفقدان قائدهم الحقيقي وامامهم الحبيب.
 
المصدر: الإمام السابع، الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) - بتصرّف


[1] - حياة الإمام، ج2، ص77.
[2] - مقاتل الطالبين ص 463 – 497.
[3] - الأمالي للشيخ الطوسي، ص206، الطبعة الحجرية.
[4] - رجال الكشي، ص440 – 441. ويقول الإمام الصادق –وهو والد الإمام الكاظم عليهما السلام – ليونس بن يعقوب: لا تعنهم حتى في بناء المسجد أيضاً. الوسائل، ج12، ص 120 – 130.
[5] - الغيبة للشيخ الطوسي، الطبعة الحجرية، ص21.
[6] - تاريخ بغداد، ج13،ص32.
[7] - الغيبة للشيخ الطوسي، ص22-25، الطبعة الحجرية.
[8] - عيون اخبار الرضا، ج1 ص97.

09-10-2018 عدد القراءات 130



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا