20 أيلول 2019 م الموافق لـ 20 محرم 1441 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: إضاءات إسلامية

هل يخطئ الإمام؟



عصمة الإمام
العصمة شرط أساس للإمامة، وبدونها لا يكون الإمام إماماً حقّاً منصّباً من قبل الله عزّ وجلّ،لأنّ الباري تعالى لا ينصّب العصاة والظّالمين ليكونوا هداة وولاة على العباد. وكيف يصلح العاصي أو الظّالم لهذا المقام؟! ولذلك اقتضى اللّطف الإلهيّ أن يكون الهداة من بعد رسول الله معصومين مطهّرين، لا يعصون الله طرفة عين أبداً.

ومعنى كون الإمام معصوماً أيّ أنّه يملك من العلم برذالة المعاصي، وما تفضي إليه من عواقب وخيمة ما يجعله يمتنع امتناعاً تامّاً عن اقترافها. وعلمه هذا علم لا يعتريه شكّ ولا يداخله ريب، علم يجعله يرى رأي العين قباحة المعاصي وخساستها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يمتلك المعصوم قوة استشعار لعظمة الخالق ومعرفة يقينيّة به، تجعله يلتزم الطّاعة دائماً ويتقرّب إلى ربّه بها، ولا يفكّر بتاتاً بجانب المعصية والطّغيان.

قال الصّادق: "يُسأل الميت في قبره عن خمس: عن صلاته، وزكاته، وحجّه، وصيامه، وولايته إيّانا أهل البيت"1.

والعصمة عند الإمام هي التي تقوّي فيه جانب القدوة. والقدوة هي أكبر مؤثّر في مسيرة البشريّة، بحيث إنّ الهداية من خلال الموعظة والكلام لا ترقى أبداً إلى مستوى تأثير القدوة. وسبب ذلك أن القدوة هي تطبيق عمليّ وممارسة واقعيّة للأعمال، ومشاهدة نموذج عمليّ مجسّد لفعل ما يؤثّر أضعافاً مضاعفة أكثر من التّعبير عنه بشكل نظريّ بحت.

وكمثال على ذلك: لاحظ الفرق بين الكلام عن الثّورة على الظّلم والطّغيان كمفهوم نظريّ بحت، وبين التّجسيد العمليّ لهذه الثّورة فيما قام به أبو عبد الله الحسين. فالثّورة الحسينيّة أشعلت القلوب وأحيت الضّمائر وبثّت الوعي بما لا يمكن لآلاف الكتب والمنشورات النظريّة أن تفعل ذلك.

إستنتاج
- العصمة شرط أساس للإمامة. والظالم لا يصلح لهذا المقام ولا ينصبه الباري تعالى فيه
-العصمة تعني أنّ الإمام يتلك علماً برذالة المعاصي تمنعه عن ارتكابها. ويمتلك معرفة بعظمة ربّه تجعله يلتزم جانب الطاعة دائماً.


ولاية الإمام
إنّ مفهوم العصمة يقودنا مباشرة إلى بحث مهمّ جداً وهو بحث ولاية الإمام. ومعنى ولاية الإمام أيْ طاعته والانقياد له ومتابعته في كلّ ما يأمر وينهى. وتعتبر الولاية من الأجزاء الرئيسة للإيمان المنجي من العقاب يوم القيامة، لأنّ الإيمان يُعتبر شرطاً لقبول الأعمال. والإيمان لا يقتصر فقط على التّوحيد والنبوّة والمعاد، بل يشمل معرفة الإمام والولاية له. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا2، حيث إنّها تربط إكمال الدّين بإعلان ولاية أمير المؤمنين في غدير خمّ. وبالتّالي: من لا يوالي عليّاً لا يكْمُل إسلامه.

عن أمير المؤمنين قال: "قلت لرسول الله: أخبرني بعدد الأئمّة بعدك، فقال: يا عليّ هم اثنا عشر أوّلهم أنت وآخرهم القائم"3.

ويشير إلى دخول الولاية ضمن أجزاء الإيمان الموجب لقبول الأعمال جملة من الرّوايات، منها: عن ميسر بيّاع الزطّي قال: دخلت على أبي عبد الله فقلت له: جعلت فداك إنّ لي جاراً لست أنتبه إلّا بصوته إمّا تالياً كتابه يكرّره ويبكي ويتضرّع، وإمّا داعياً، فسألت عنه في السرّ والعلانية فقيل لي: إنّه مجتنب لجميع المحارم،
قال: فقال: "يا ميسر يعرف شيئاًً ممّا أنت عليه"؟
قال: قلت: الله أعلم.
قال: فحججت من قابل فسألت عن الرّجل فوجدته لا يعرف شيئاًً من هذا الأمر، فدخلت على أبي عبد الله فأخبرته بخبر الرّجل، فقال لي مثل ما قال في العام الماضي: يعرف شيئاً ممّا أنت عليه؟ قلت: لا.
قال: "يا ميسر أيّ البقاع أعظم حرمة؟ قال: قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم. قال: يا ميسر ما بين الرّكن والمقام روضة من رياض الجنّة وما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنّة، ولو أنّ عبدا ًعمّره الله فيما بين الرّكن والمقام وفيما بين القبر والمنبر يعبده ألف عام ثمّ ذُبح على فراشه مظلوماً كما يُذبح الكبش الأملح، ثمّ لقي الله عزّ وجلّ بغير ولايتنا لكان حقيقاً على الله عزّ وجلّ أن يكبّه على منخريه في نار جهنّم"4.

إستنتاج
الولاية للإمام تعني طاعته والانقياد له والوقوف عند أوامره ونواهيه
- الولاية جزء أساسي من الإيمان الموجب لقبول الأعمال.

من هو إمام زماننا الذي يجب أن نتولّاه ونطيعه؟

إنّ الثّاني عشر من أئمّة أهل البيت هو إمام زماننا وهو من يجب علينا طاعته وتولّيه. وهو المهديّ المنتظر عجّل الله تعالى فرجه. وهو حاليّاً في مرحلة الغيبة الكبرى ينتظر الإذن من الله بالخروج ليطهّر الأرض من الطّغاة والكافرين، وليملأها قسطاً وعدلاً. والإمام المنتظَرُ| منصّب من الله عزّ وجلّ لهذا المقام، والرسول والعترة الطّاهرة قد نصّوا على ذلك في أحاديث كثيرة. ويترتّب على المؤمنين في عصر الغيبة أن يعمّقوا معرفتهم وصلتهم به ، حتّى يكونوا مصداقاً حقيقيّاً لقول الإمام الصّادق للفُضيل بن يسار: "يا فضيل، إعرف إمامك فإنّك إذا عرفت إمامك لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخّر، ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره، لا، بل بمنزلة من قعد تحت لوائه"5.

وعلى المؤمنين أيضاً أن يوطّنوا أنفسهم على طاعته وولايته حتّى يشملهم الحديث النبويّ الّذي يقول: "طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو يأتمّ به في غيبته قبل قيامه ويتولّى أولياءه، ويعادي أعداءه، ذلك من رفقائي وذوي مودّتي وأكرم أمّتي عليّ يوم القيامة"6.

إستنتاج
-تتلخّص وظيفتنا في عصر غيبة إمامنا في أمرين
1-تعميق معرفتنا به سلام الله عليه.
2-توطين أنفسنا على توليه وطاعته وتولي أولياءه والبراءة من أعدائه.

ولاية الفقيه في زمن الغيبة

من مصاديق ولاية إمام زماننا وطاعته العمل بما تأمرنا به الشّريعة، والعمل على تطبيق حكم الله في الأرض، والاعتقاد بأنّ التّقصير في تطبيق أحكام الله يوصل إلى الفساد، ويؤدّي بالمجتمع نحو الهاوية. فغياب إمام زماننا لا يعني تعطيل أحكام الله، بل يعني أن الله قد وسع المسؤوليّة الملقاة علينا، وعلى الفقهاء الجامعين للشرائط أن يشمّروا عن ساعد الهمّة لحفظ هذا المركب، وكلّ ذلك لن يكون بعيداً عن عين ورعاية وليّنا وإمام زماننا.

وعندما نتكلّم عن تطبيق حكم الله في الأرض فهذا لا يشمل الفروض العباديّة فقط،من صلاة وصيام وما شاكل ذلك، بل يطال كلّ جوانب الحياة الإنسانيّة. فتطبيق حكم الله في الأرض يعني أنْ يحيا الإنسان المسلم في ظلّ حكومة إسلاميّة، تقيم الشعائر وتطبّق الحدود، وتقضي بما تنصّ عليه الشريعة الإسلاميّة. وهذا المفهوم يفضي إلى أنّ الّذي يجب أن يقود دفّة الحكومة الإسلاميّة هو الفقيه الذي اجتمعت فيه شرائط القيادة.

وعليه، إذا كنّا قد ذكرنا في العنوان السابق أنّ من وظائفنا الأساس في عصر الغيبة تولّي إمام زماننا وتولّي أولياءه والبراءة من أعدائه، فهذا يعني أنّ علينا طاعة من يتصدّى لتطبيق حكم الله في الأرض، ويعمل على إدارة شؤون الأمّة الإسلاميّة بما يرضي وليّ الله الأعظم الحجّة ابن الحسن ، وهو الوليّ الفقيه.

فالوليّ الفقيه هو نائب الحجّة المنتظر في غيبته، وهدفه تطبيق حكم الله في الأرض، والتمهيد وإعداد الأرضيّة لظهوره.

إستنتاج

- طاعة الوليّ امتداد لطاعة إمام زماننا عجل الله فرج الشريف.
لأنّ الوليّ الفقيه هو نائب الإمام الذي يعمل على تطبيق حكم الله في الأرض والتمهيد لظهوره سلام الله عليه.

*'طريق المعارف، سلسلة المعارف الإسلامية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1-الكافي، ج3، ص241
2-المائدة:3
3-بحار الأنوار، ج 36، ص532
4-بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 27، ص 179 -180.
5- كتاب الغيبة، محمّد بن إبراهيم النعماني، ص 350 - 351.
6-كمال الدّين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص 286.

21-02-2015 عدد القراءات 2932



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا