17 كانون الأول 2017 الموافق لـ 28 ربيع الأول 1439هـ
En FR

محطات إسلامية :: الوحدة الإسلامية

قيم الوحدة والمشاركة في القيادة النبوية للمدينة المنورة



لقد ثبّت وأسس النبي الأكرم (ص) بحركته المباركة، وقيادته المعصومة مجموعة من القيم التي كانت وستبقى مناراً سلوكياً لكل من يريد تطبيق قيماً سلوكية شامخة وخالدة، تنتفع بها البشرية في كل زمان ومكان.. ومن أهم القيم التي رسختها القيادة النبوية قيمتا الوحدة والمشاركة التي من الممكن رصد أبعادهما فيما يلي:

1- إرساء مفهوم القيادة والمركزية الإدارية:
كانت قبال دارة أبي أيّوب الأنصاريّ قطعة أرض متروكة، فسأل صلى الله عليه وآله وسلم عن صاحبها، فقيل إنّها ليتيمين، فدفع لهما ثمنها واشتراها، ثمّ أمر ببناء مسجد عليها، كان بمثابة مركز سياسيّ عباديّ اجتماعيّ وحكوميّ، ومركز يتجمّع فيه النّاس، حيث اقتضت الضرورة بناء مركز يُمثّل المحورية، ومن هنا تمّت المباشرة في بناء المسجد. ولم يطلب صلى الله عليه وآله وسلم قطعة أرض من أحد أو يستوهبها، بل اشتراها بأمواله، ورغم عدم وجود محامٍ عن هذين اليتيمين، فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم راعى الدقّة في أداء حقوقهما كاملة تامّةً، كالأب والمدافع عنهما.

2- إرساء وتعزيز مفهوم العمل والتواضع والمشاركة الاجتماعية:
عندما باشروا (أهل المدينة) في بناء المسجد، كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه من أوائل الأشخاص، بل أوّل شخص جاء وحمل بالمعول، وباشر في حفر أرض المسجد. ولم يكن عمله هذا استعراضيًّا، بل بالفعل باشر في العمل، وكان يتصبّب عرقًا. كان عمله بحيث إنّ بعض الأشخاص الذين جلسوا جانبًا، قالوا: أنجلس والرسول يعمل هكذا؟! فلنذهب ونعمل، فجاؤوا وانهمكوا في العمل حتّى شيّدوا المسجد خلال برهة وجيزة.

وبذلك أثبت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم - ذلك القائد العظيم والمقتدر - أنّه لا يرى أيّ حقّ لشخصه، فإذا ما كان هنالك عمل، فلا بدّ أن تكون له مساهمة فيه. بعد ذلك، وضع صلى الله عليه وآله وسلم الأطر الإدارية والسّياسيّة لذلك النّظام. ولو أنّ المرء ألقى نظرة على التطوّر الّذي خَطاه بذكاء وفطنة، لأدرك أيّ عقل وفكر ودقّة وحنكة تنتج تلك العزيمة القاطعة والإرادة الصلبة الّتي لا يمكن تحقّقها ظاهرًا إلاّ برفدٍ من الوحي الإلهيّ. وحتّى يومنا هذا، إنّ الّذين يحاولون تتبّع وقائع تلك السنوات العشر خطوةً خطوةً، يعجزون عن استيعاب أيّ شيء. وإذا ما حاول المرء دراسة كلّ واقعة على حدة، فإنّه لن يدرك منها شيئًا، بل عليه أن يُدقّق النّظر ويلحظ تسلسل الأعمال وكيفية إنجاز كلّ تلك المهامّ بتدبيرٍ ووعيٍ وحساباتٍ دقيقة.

3 - إرساء مفهوم الأخوة والوحدة الاجتماعية:
لقد كانت الأرستقراطيّة والعصبيّات الخُرافية والتكبّر القبليّ وانفصال الشّرائح المختلفة للنّاس عن بعضها، كانت أبرز البلاءات الّتي كانت تُعاني منها المجتمعات الجاهليّة العربيّة المتعصّبة يومذاك. وبإشاعته للأخوّة، سحق النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذه النعرات تحت قدميه. فقد آخى بين رئيس القبيلة وبين من هو في مستوًى دانٍ أو متوسّط، وهؤلاء بدورهم ارتضَوا هذه الأخوّة طائعين. ووضع السّادة والأشراف إلى جانب العبيد من المسلمين والعتقاء، وبذلك قضى على العوائق في طريق الوحدة الاجتماعيّة. وعندما أراد صلى الله عليه وآله وسلم اتّخاذ مؤذّن لمسجده، كان ذوو الحناجر الجهوريّة والهندام الجميل والشخصيّات المشهورة، من الكثرة بمكان، لكنّه اختار مِن دونِهم بلالًا الحبشيّ الّذي كان يفتقد إلى الجمال والصوت الحسن والشّرف العائليّ والنَّسبيّ. فالمناط كان الإسلامَ والإيمان والجهاد والتّضحية في سبيل الله لا غير. لاحظوا كيف أنّه صلى الله عليه وآله وسلم حدّد القيم على صعيد العمل، فقبل أن يترك كلامُه بصماته على القلوب، كانت أعماله وسيرته وهديه تؤثّر في القلوب.


* تاريخ النبي وأهل البيت عليهم السلام

04-12-2017 عدد القراءات 154



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا