25 تموز 2017 الموافق لـ 01 ذو القعدة 1438
En FR

محطات إسلامية :: شهادة الإمام الكاظم(ع)

إمامة الكاظم (عليه السلام): مواجهة منظمة وجهاد مرير وطويل



إمامة "الكاظم" (ع): مواجهة منظمة وجهاد مرير وطويل (1)

لقد كانت حياة موسى بن جعفر عليه السلام المليئة بالأحداث؛ حياةً مليئةً بالمفاجآت والحماسة. نحن اليوم ننظر فنظن أنّ موسى بن جعفر عليه السلام هو مجرّد شخص مظلوم، يعيش حياةً هادئةً ومرفّهة في المدينة، فيأتي عمّال الخليفة إليه ويأخذونه إلى بغداد أو إلى الكوفة أو إلى البصرة، لحبسه وتسميمه فيما بعد، فيستشهد وتنتهي الأمور.

لم تكن القضية هكذا. بل كانت عبارة عن جهادٍ طويلٍ ومواجهة منظّمة فقد كان لموسى بن جعفر أتباعٌ في جميع أرجاء العالم الإسلامي يحبّونه. وفي ذلك الزمان نجد ابن عمّه السيّئ الذكر، والّذي كان من الأشخاص التابعين للجهاز الحاكم، يقول لهارون بشأن موسى بن جعفر عليه السلام هذه الجملة: "خليفتان يجيء إليهما الخراج". كأنه يقول لهارون أنّه لا تتصوّر أنّك الخليفة الوحيد على هذه الأرض، وداخل المجتمع الإسلامي، والوحيد الّذي تُجبى إليه الخراج. بل يوجد خليفتان أحدهما أنت والآخر موسى بن جعفر عليه السلام . فكما أنّ الناس يعطونك الخِراج فهم أيضاً يعطون موسى بن جعفر عليه السلام . وقد أراد بهذا الخبث السعاية في الإمام، ولكنه كان يذكر الواقع. لقد كان لموسى بن جعفر عليه السلام روابط وعلاقات ممتدّة عبر جميع مناطق العالم الإسلامي، غاية الأمر أنّ هذه العلاقات لم تصل إلى حيث يتمكّن موسى بن جعفر عليه السلام من القيام بحركةٍ عسكريةٍ علنيّة.

إنّ حياة موسى بن جعفر؛ أي إمامته، بدأت في أصعب المراحل والمقاطع الزمنيّة. فباعتقادي لا يوجد عصر من بعد عصر الإمام السجّاد عليه السلام بشدّة وصعوبة عصر موسى بن جعفر عليه السلام . فموسى بن جعفر عليه السلام صار إماماً عام 148 بعد وفاة أبيه الإمام الصادق عليه السلام .

في هذا المقطع الزماني الممتدّ لـ 35 سنة - من العام 148 للهجرة إلى 183 - وهو مرحلة إمامة الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام. ففيه حكم اثنان من أكثر سلاطين بني العبّاس اقتداراً: المنصور وهارون، واثنان من أكثرهم تجبّراً المهدي والهادي.

وفي هذا العام كانت أوضاع بني العبّاس قد استتبّت، بعد فراغهم من الصراعات والخلافات والحروب الّتي كانت دائرة فيما بينهم في بداية حكمهم. ولقد قضوا على التهديد الكبير لخلافتهم والّذي كان يجيء من شخصيات وجيهة كبني الحسن - محمّد بن عبد الله بن الحسن وإبراهيم بن عبد الله بن الحسن وبقية أولاد الإمام الحسن الّذين كانوا من أشدّ الناس عداءً ونقمةً على بني العبّاس - حيث قتل العبّاسيّون عدداً كبيراً من رؤسائهم ووجهائهم. وتبيّن هذا الأمر بعد فتح الأسطوانات عند موت المنصور العبّاسي. حيث وجدوا فيها عدداً كبيراً من الشخصيّات والأفراد المقتولين الّذين رُميت أجسادهم وظهرت هياكلهم العظمية أيضاً. وبعد أن فرغ من كلّ هؤلاء وصل الأمر إلى الإمام الصادق عليه السلام ، فقتله بالسمّ غيلةً. ولم يعد في أجواء الحياة السياسية للعبّاسيين أيّ غبارٍ.

في هذا العصر؛ فإن أي تهديدٍ جدّي، ما كان ليزلزل جهاز الحكومة. وما كان ليجعل الحاكم في هذا المقطع الزمني غافلاً عن التيّار العميق والمستمرّ لدعوة أهل البيت عليهم السلام .

في مثل هذه الظروف الّتي كان يتمتّع فيها المنصور بأوج السلطة الظاهرية والقدرة، جاء دور خلافة موسى بن جعفر عليه الصلاة والسلام، الّذي كان شابّاً في مقتبل العمر، وكان يخضع لكلّ هذه الرقابة. وكان الأمر بحيث إنّ الّذين كانوا يريدون أن يعرفوا إلى من يرجعون بعد الإمام الصادق عليه السلام كانوا يجدون صعوبة بالغة في شقّ الطريق والوصول إلى موسى بن جعفر عليه السلام . وكان موسى بن جعفر عليه السلام يوصيهم بالحذر لأنّه لو عُرف أنّهم قد سمعوا منه وأخذوا من تعاليمه وارتبطوا به سيكون مصيره الذبح. ففي مثل تلك الظروف، وصل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام إلى الإمامة وبدأ جهاده.

في هذا العصر؛ الشيء الوحيد الّذي كان من الممكن أن يمنح جهاد أهل البيت عليهم السلام وحركتهم الفكرية والسياسية ــ هم وأتباعهم المقرّبين ــ مجالاً للاستمرار والتكامل، هواعتماد أسلوب التقيّة الإلهية. وبهذا اللحاظ تتضّح العظمة المدهشة لجهاد موسى بن جعفر عليه السلام .

هناك أشياءٌ متفرّقة يمكن أن نفهم من مجموعها أشياء كثيرة. إحداها أنّ هناك أربعة خلفاء حكموا في مرحلة إمامة موسى بن جعفر عليه السلام في هذه السنوات الـ 35. ومنهم المنصور العبّاسي والّذي امتدّ حكمه في بداية إمامة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لمدة 10 سنوات، ثم جاء ابنه المهدي من بعده وحكم أيضاً لعشر سنوات. ومن بعد المهدي، جاء الهادي العبّاسي ليحكم سنةً واحدة، ومن بعده هارون الرشيد الّذي حكم لمدّة 12 سنة تقريباً، وقد كان الإمام موسى بن جعفر عليه السلام مشغولاً بالتبليغ والدعوة إلى الإمامة. وكلّ واحد من هؤلاء الخلفاء الأربعة، ضايقوا موسى بن جعفر عليه السلام وضغطوا عليه.

فالمنصور استدعى الإمام عليه السلام أحضره جبراً من المدينة إلى بغداد وجعله فيها تحت الرقابة والضغوط. وما نستنتجه من الروايات أنّ الإمام عليه السلام قد وُضع تحت الكثير من المحذورات. وكم امتدّت هذه الحالة، ليس معلوماً. ففي مقطعٍ من حكومة المنصور، وبحسب الظاهر، جلبوا الإمام عليه السلام إلى منطقة في العراق تُدعى أبجر، ووضعوه فيها مدّة معيّنة.

وفي زمن المهديّ العبّاسي، أُحضر الإمام عليه السلام مرّة واحدة على الأقل من المدينة إلى بغداد. يقول الراوي: إنّني التقيت بموسى بن جعفر على طريقٍ وهم يحضرونه إلى بغداد فوصلت إلى الإمام عليه السلام وتأسّفت وتألّمت. فقال لي الإمام :كلا، لا تحزن فقد أرجع من هذا السفر سالماً، وهؤلاء لن يتمكّنوا من أن يضرّوني بشيء؛ وهذا كان في زمان المهديّ.

وفي زمن الهادي العبّاسي، أرادوا إحضاره من أجل قتله. وهناك حزن أحد الفقهاء المحيطين بالهادي العبّاسي وتألّم قلبه عندما رأى ابن النبيّ يُفعل به هذا؛ فتوسّط للهادي العبّاسي، فانصرف عن قتله. وفي زمن هارون أُحضر الإمام عليه السلام من المدينة ووُضع في سجون مختلفة كان آخرها في سجن السنديّ بن شاهك الّذي قتل فيه الإمام عليه السلام .

انظروا أنتم طيلة هذه السنوات الـ 35 حينما كان موسى بن جعفر عليه السلام مشغولاً بالدعوة إلى الإمامة والقيام بالتكليف والجهاد قد استُدعي عدّة مرّات وأُحضر. هذا بالإضافة إلى أنّ خلفاء عصره عزموا عدّة مرّات على قتله، وأعدّوا لذلك خطّته. فالمهدي العبّاسي ابن المنصور بمجرّد أن وصل إلى الحكومة قال لوزيره أو حاجبه الربيع أنّه عليك أن تعدّ العدّة لقتل موسى بن جعفر عليه السلام والقضاء عليه. كان يشعر أنّ الخطر الأساسي يأتي من جانب موسى بن جعفر عليه السلام . والهادي العبّاسي كما قلت قد عزم في بداية حكومته على قتل الإمام عليه السلام . حتّى أنّه أنشد شعراً وقال: لقد مرّ الزمان الّذي نعامل فيه بني هاشم باللين ونستسهل أمرهم، وإنّني عازمٌ وحازمٌ على أن لا أبقي منهم أحداً، وأوّل من سأقضي عليه هو موسى بن جعفر. وفيما بعد كان هارون الرشيد أيضاً يريد أن يفعل نفس هذا الأمر، وقد فعله وارتكب هذه الجريمة الكبرى.

ويوجد نقاطٌ كثيرةٌ دقيقةٌ لم تتّضح بالإضافة إلى هذه الأمور في حياة موسى بن جعفر عليه السلام . فباليقين كان موسى بن جعفر عليه السلام يعيش في مرحلة ما في الخفاء ولم يُعلم أين كان يتستّر. وهناك نجد أنّ الحاكم يستدعي أشخاصاً ويحقّق معهم فيما لو رأوا موسى بن جعفر عليه السلام أو علموا أين هو. وكانوا يصرّحون بأنّهم لم يشاهدوه. حتّى أنّ بعض هؤلاء - كما جاء في رواية - قد أخبرهم موسى بن جعفر عليه السلام بأنّهم : سيستدعونه ويسألونه عنه وعن مكان رؤيته، فأنكِر عليهم ذلك، ولا تعلِن أنّك رأيتني. فحصل ذلك وسجنوه وحقّقوا معه في ذلك.

فانظروا إلى حياة إنسانٍ هو لا يفعل سوى بيان الأحكام والمعارف الإسلامية ولا يتدخلّ في الحكومة أو يمارس المواجهة السياسية كيف وضعوه تحت مثل هذه الضغوط. حتّى أنّني رأيت في روايةٍ أنّ موسى بن جعفر أضحى يفرّ ويختفي في قرى الشام، "دخل موسى بن جعفر عليه السلام بعض قرى الشام هارباً متنكّراً فوقع في غار"2. حيث إنّه وفي حديثٍ رُوي أنّ موسى بن جعفر لم يكن لمدّةٍ في المدينة، وكان يلاحَق في قرى الشام من قبل الأجهزة الحاكمة، فتُرسل بتبعه الجواسيس وتلاحقه من قرية إلى قرية.

كانوا يعلمون أنّ خطر موسى بن جعفر عليه السلام على جهاز الخلافة هو خطرُ قائدٍ كبير يتمتّع بالعلم والتقوى والصلاح، ويعرفه الجميع. وله أتباعٌ ومحبّون في جميع أرجاء العالم الإسلامي. ويتمتّع بشجاعةٍ لا تهاب أيّة قوّةٍ مهما بلغت. هكذا شخصية مجاهدة ومناضلة ولديها خطّة لأجل إقامة الحكومة والنظام الإسلاميين كانت تمثّل أكبر خطر لحكومة هارون. لهذا قرّر هارون أن يزيل هذا الخطر من أمامه.

وفي البداية كان يرغب أن يتمّ هذا الأمر بطريقة غير مباشرة. بعدها وَجد أنّه من الأفضل أن يسجن موسى بن جعفر عليه السلام ، لعلّه يستطيع في السجن من التفاوض معه أو إعطائه امتيازات، ويضعه تحت الضغوط من أجل حمله على القبول والإذعان والتسليم. فجاؤوا بموسى بن جعفر إلى مركز الخلافة في بغداد وسجنوه هناك، وكان هذا السجن لمدّة طويلة. لقد جاؤوا مرّات إلى الإمام في السجن وهدّدوه وطمّعوه وأرادوا أن يرغّبوه لكنّ دون جدوى. في النهاية قُتل موسى بن جعفر عليه السلام في السجن مسموماً في بضعة حبوب من التمر، وتحت تلك الأغلال والقيود الّتي قيّدوا بها عنقه وقدميه.

ودفنوا الإمام عليه السلام في المرقد المطهّر القريب من بغداد، في مقابر قريش، الّتي تُعرف اليوم بـ "الكاظميين". (23/01/1364)


1- من كتاب "إنسان بعمر 250 سنة للإمام الخامني
2- بحار الأنوار، ج 48، ص 105.

02-05-2016 عدد القراءات 596



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا