19 حزيران 2019 م الموافق لـ 15 شوال 1440 هـ
En FR

محطات إسلامية :: ولادة السيدة زينب(ع)

أهمية مهنة التمريض في المنظور الإسلامي



  اهتم التراث الديني بتنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع، على اختلاف أوصافهم ومواقعهم، وتطويرها بحيث ترتقي إلى جعل المجتمع على وجه العموم مجتمعاً تكافلياً وتراحمياً، وإلى جعل الأفراد أفراداً يتوجهون في سلوكهم نحو الله عز وجل.

 ومن ضمن هذه العلاقات السلوك العام للممرض في مختلف أحواله ومواقفه وعلاقاته مع مرضاه، فإن كل ذلك يجب أن يكون إسلامياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى؛ وما ذلك إلا لأن المريض - كما قدمنا - قريب من الله، ومن رحمته وغفرانه، وهو مستجاب الدعوة، وليس مرضه إلا كرامة ربانية، ورحمة إلهية. وإننا بملاحظة ما تقدم وغيره نستطيع أن نشير إلى النقاط التالية:

 1 - إن على الممرض أن لا يزعج المريض ولا يغيظه، بل يحافظ على مشاعره، ويهتم براحته النفسية بكل ما أوتي من قوة وحول.. ولا يحق له ان يزجره أو ينتهره بأي وجه.. كما أن عليه أن لا يضجره كذلك.. وذلك عملاً بقول الصادق (عليه السلام): «فلا تزعجوه ولا تضجروه»، أو «ولا تزجروه».. وعنه (عليه السلام): «إسماع الأصم من غير تضجر صدقة هنيئة»[1]. وهذا يتأكد بالنسبة إلى الممرض الذي ربما ينفذ صبره أحياناً، بسبب المتاعب التي يتعرض لها في عمله... وهذا هو ما تفرضه الأخلاق الإنسانية الفاضلة، والتعاليم الإلهية الكريمة السامية، وتضافرت عليه النصوص والآثار بالنسبة لغير المريض أيضاً، فكيف بالنسبة إليه.

 2 - أن لا يكون ثمة تمييز بين الغني والفقير - سواء في قبول المستشفى لهما، أم في العناية والخدمات التي يفترض بالمستشفى والممرض أن يقدمها لكل منهما.

 3 - أن يكون الممرض نظيفاً حسن المظهر، بالإضافة إلى الاهتمام البالغ بالنظافة سواء بالنسبة للمريض، أو المستشفى بصورة عامة، ثم تصريفه لجميع الشؤون المطلوبة منه، والتي يحتاج المستشفى إلى تصريفها بالسرعة الممكنة، والاتقان والجد اللازمين.

 4 - إنه لا بد للذين يشرفون على المريض من أن لا يديموا النظر إليه، وأن لا يسمعوه الاستعاذة من البلاء فإن ذلك يجعله يلتفت إلى نفسه، وما حاق بها من بلاء - ولا سيما إذا كان مبتلى بعاهة ظاهرة - ويعتبر أن هذا النظر إليه إنما هو ليتجلى للناظر ذلك النقص الذي يحب هو إخفاءه. ولا بد وأن يقايس هذا المبتلى بين النقص الذي يحيق به، وبين كمال ذلك الناظر إليه، وهنا لا بد وأن يتملكه حزن عميق، وشعور قوي بالمرارة والكآبة.. وقد «كان محمد بن علي لا يسمع المبتلى الاستعاذة من البلاء»[2] والمراد بمحمد بن علي الإمام الباقر (عليه السلام). وروي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «لا تنظروا إلى أهل البلاء؛ فإن ذلك يحزنهم»[3]. وفي نص آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله): «أقلوا النظر إلى أهل البلاء.. أو: لا تديموا النظر» إلخ..[4].

 وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله): «لا تديموا النظر إلى المجذومين»[5] وواضح: أن هذا لا يختص بالمشرفين على شؤون المريض، بل يعم كل ناظر إليه من غيرهم أيضاً.. وإن كان هؤلاء يتعرضون لهذا الأمر أكثر من غيرهم..

 5 - هذا.. ولا بد من توفر عنصر حسن القيام على المرضى، وحسن معاملتهم، كما أمر به علي (عليه السلام) مولاه قنبراً، ثم الاهتمام بقضاء حوائجهم، فلا يكلفون القيام إليها بأنفسهم.. وقد كان الإمام الباقر (عليه السلام) إذا اعتل جعل في ثوب، وحمل لحاجته - يعني الوضوء - وذلك أنه كان يقول: إن المشي للمريض نكس، كما تقدم. وبعد.. فإن المبادرة إلى قضاء حاجات المريض تستدعي حصول الرضا منه، والدعاء له منه، وسيأتي: أن دعاء المريض مستجاب، كدعاء الملائكة.. هذا كله عدا عن أن ذلك يوفر له الراحة والطمأنينة النفسية، الأمر الذي يجعله أقوى على مواجهة المرض الذي يلم به.. كما هو معلوم.. وإذا كان المريض من أهل بيته؛ فإنه يكون أعظم قربة وأجراً عند الله تعالى؛ فعن النبي (صلى الله عليه وآله): «من قام على مريض يوماً وليلة بعثه الله مع إبراهيم الخليل الرحمن، فجاز على الصراط كالبرق اللامع»[6]. وروى علي بن إبراهيم في تفسيره، في قوله تعالى: (إنا نراك من المحسنين) قال: كان يقوم على المريض[7]. وعن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه، عن النبي (صلى الله عليه وآله): «من سعى لمريض في حاجة، قضاها، أو لم يقضها، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». فقال رجل من الأنصار، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فإن كان المريض من أهل بيته، أوليس ذلك أعظم أجراً إذا سعى في حاجة أهل بيته؟ قال: نعم[8]. ومن الطبيعي: أن المريض يصير حساساً جداً، نتيجة لإحساسه بالضعف، وبحاجته إلى الآخرين ؛ فيتأثر، ويشعر بالمرارة لأقل شيء.. كما ان الناس الذين يقومون عليه، إنما يخدمونه وهم يرون فيه عبئاً ثقيلاً على كواهلهم.. وأما أولئك الذين يكلفون بنظافته، وإبعاد القذارات عنه، فإن إحساسهم بالتبرم والتضجر منه يزيد، وشعورهم بالقرف والاشمئزاز من حالته ينمو ويتعاظم.. هذا بالإضافة إلى انفعالاتهم النفسية، تجاه معاناته للآلام والمصائب التي يرونها، فمن يقوم على المريض يوماً وليلة؛ فإنه لابد وأن يتحمل ويصبر، ويكبت عواطفه، ويتحمل المشقات الروحية والجسدية، فيكون كإبراهيم الخليل، الذي كبت عواطفه وتحمل المحنة في ولده الذبيح. هذا.. وقد ورد نص بالخصوص بالنسبة للسعي في قضاء حاجة الضرير؛ فعن النبي (صلى الله عليه وآله): من كفى ضريراً حاجة من حوائج الدنيا، ومشى فيها حتى يقضي الله له حاجته، أعطاه الله براءة من النفاق، وبراءة من النار، وقضى له سبعين حاجة من حوائج الدنيا، ولا يزال يخوض في رحمة الله حتى يرجع[9]. هذا كله.. عدا عن الروايات الكثيرة، التي تحث على قضاء حاجات المؤمنين ومعونتهم، وتعد بالأجر الجزيل، والثواب الجميل على ذلك..

 وبعد فإن هذا هو ما تقتضيه الرحمة الإنسانية، التي تنشأ عن رؤية عجز وضعف الآخرين. وقد أشار الصادق (عليه السلام) إلى ذلك - كما روي عنه - فقال: لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب، وانظروا في عيوبهم، كهيئة العبيد، إنما الناس رجلان، مبتلى، ومعافى، فارحموا المبتلى؛ واحمدوا الله على العافية[10]. كما ورد أن الله إنما يقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمته.. إلى أن قال: ويكسو العاري، ويرحم المصاب[11]..

6 - وبكلمة جامعة.. لا بد أن يكون المحيط في المستشفيات والمستوصفات إنسانياً، وإسلامياً إلهياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى.. وعلى ذلك.. فلا بد من الاهتمام بالمحافظة على قواعد الشرع، والتوجيهات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام).

العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي - بتصرّف


[1]  البحار ج 74 ص 388 وثواب الأعمال ص 168.
[2]  البيان والتبيين ج 3 ص 280 و 158 وعيون الأخبار ج 2 ص 208.
[3]  مشكاة الأنوار ص 28، والبحار ج 75 ص 16 وطب الأئمة ص 106 وقصار الجمل ج 1 ص 146.
[4]  طب الأئمة ص 106 والبحار ج 75 ص 15 وج 62 ص 213.
[5]  الطب النبوي لابن قيم الجوزية ص 116 عن ابن ماجة وفي هامشه عن أحمد والطيالسي، والطبراني والبيهقي، وابن جرير والتراتيب الإدارية ج 2 ص 342.
[6]  عقاب الأعمال ص 341 والوسائل ج 11 ص 565 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 86 عن أعلام الديلمي، والبحار ج 81 ص 225 وج 76 ص 368.
[7]  مستدرك الوسائل ج 2 ص 61.
[8]  أمالي الصدوق ص 387 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 10 وعقاب الأعمال ص 341 والوسائل ج 2 ص 643 وج 11 ص 565 والبحار ج 81 ص 217 وج 76 ص 368 و 335 / 336.
[9]  أمالي الصدوق (رحمه الله) ص 386 / 387 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 9، وعقاب الأعمال ص 340، والوسائل ج 2 ص 643، والبحار ج 74 ص 388، وج 76 ص 335 و 336.
[10]  تحف العقول ص 225، والبحار ج 78 ص 284 وراجع ج 81 ص 173 عن دعوات الراوندي.
[11]  تحف العقول ص 226، والبحار ج 78 ص 285 عنه.

07-01-2019 عدد القراءات 318



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا