7 كانون الأول 2019 م الموافق لـ 10 ربيع الثاني 1441 هـ
En FR

محطات إسلامية :: مسلم بن عقيل ثبات وشهادة

أسر مسلم وشهادته عليه السلام



وأعيى مسلماً نزيف الدم، وقد أثخن بالجراح، فانهارت قواه، ولم يتمكّن على المقاومة، فوقع أسيراً بأيدي أُولئك الاَقزام، وتسابقوا إلى ابن مرجانة يحملون له البشرى بأسرهم للقائد العظيم الذي جاء ليقيم في بلادهم حكم القرآن، ويحررهم من جور الاَمويين وظلمهم، وطار ابن مرجانة فرحاً، فقد ظفر بخصمه، وتمّ له القضاء على الثورة وحمل مسلم أسيراً إلى عبد الاَمويين وعميلهم، وقد ازدحمت الجماهير التي بايعته، وأعطته العهود والمواثيق في الوفاء ببيعته إلاّ أنهم خانوا بذلك، وراحوا يقاتلونه.

وانتهى بمسلم إلى قصر الامارة، وقد أخذ العطش منه مأخذاً عظيماً فرأى جرّة فيها ماء بارد، فالتفت إلى من حوله فقال لهم:
" اسقوني من هذا الماء.. ".

فانبرى له اللئيم الدنس عميل الاَمويين مسلم بن عمرو الباهلي، فقال له:
" أتراها ما أبردها، والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم.. ".

ودلّت هذه البادرة وغيرها مما صدر من هؤلاء الممسوخين على تجرّدهم من جميع القيم الاِنسانية، ومن المؤكّد أن هذا هو السمت البارز من أخلاق السفلة الساقطين من قتلة الاَنبياء والمصلحين، وبهر مسلم من هذا الانسان الممسوخ فقال له:
" من أنت، .. ".

فأجابه الباهلي بأنّه من خدّام السلطة وأذنابها قائلاً:
" أنا من عرف الحق، إذ تركته، ونصح الاَمة والامام إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته أنا مسلم بن عمرو الباهلي.. ".

أيّ حقّ عرفه هذا الجلف الجافي، وهو والاَكثرية الساحقة من المجتمع الذي عاش فيه، قد غرقوا في الباطل والمنكر... ان غاية ما يفخر به الوغد تماديه في خدمة ابن مرجانة الذي هو أقذر مخلوق عرفه التأريخ البشري، وردّ عليه مسلم بمنطقه الفيّاض قائلاً:
" لامك الثكل، ما أجفاك وأفظّك، وأقسى قلبك، أنت يا بن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جنهّم منّي.. ".

وكان عمارة بن عقبة حاضراً فاستحيا من جفوة الباهلي ولؤمه فدعا بماء بارد فصبّه في قدح، وناوله إلى مسلم، وكلما أراد أن يشرب امتلاَ القدح دماً وفعل ذلك ثلاثاً، فقال: لو كان لي الرزق المقسوم لشربته.

مسلم مع ابن مرجانة

وادخل قمر عدنان على ابن مرجانة، فسلّم على الحاضرين، ولم يسلّم عليه، فأنكر عليه بعض صعاليك الكوفة قائلاً:
" هل تسلّم على الاَمير؟.. ".

فصاح به البطل العظيم محتقراً له ولاَميره قائلاً:
" اسكت لا أمّ لك، والله ليس لي بأمير فأسلّم عليه.. "

وتميّز الطاغية غيظاً فراح يقول:
" لا عليك سلّمت أم لم تسلّم فانّك مقتول.. ".

إنّ بضاعة هذا الطاغية هي القتل والدمار، وهي محالاً تخيف الاَحرار أمثال مسلم ممن صنعوا تأريخ هذه الاَمة، وأقاموا كيانها الحضاري والفكري وجرت بين مسلم، وبين ابن مرجانة كثير من المحاورات أثبت فيها مسلم صلابته وقوّة عزيمته، وعدم انهياره أمام الطاغية، وأثبت بشجاعته أنّه من أفذاذ التأريخ.

مسلم إلى الرفيق الاَعلى

والتفت العتُلّ الزنيم ابن مرجانة إلى بكير بن حمران الذي ضربه مسلم فقال له: خذ مسلماً، واصعد به إلى أعلى القصر، واضرب عنقه بيدك ليكون ذلك أشفى لصدرك، واستقبل مسلم الموت بثغر باسم، فقد بقي رابط الجأش، قويّ العزيمة، مطمئنّ النفس، فصعد به إلى أعلى القصر، وهو يسبّح الله، ويقدّسه، ويدعو على السفكة المجرمين وأشرف به الجلاّد على موضع الحذائين فضرب عنقه، ورمى بجسده ورأسه إلى الاَرض .

وهكذا انتهت حياة هذا البطل العظيم الذي استشهد دفاعاً عن حقوق المظلومين، والمضطهدين، ودفاعاً عن كرامة الاِنسان، وقضاياه المصيرية، وهو أوّل شهيد من الاَسره النبوية يقتل علناً أمام المسلمين، ولم يهبوا لاِنقاذه والدفاع عنه.

إعدام هانئ رحمه الله

وأمر سليل الغدر والخيانة بعد قتل مسلم، بإعدام الزعيم الكبير، والعضو البارز في الثورة هانىَ بن عروة، فأخرج من السجن، وهو يصيح أمام أسرته التي هي كالحشرات قائلاً:
" وامذحجاه.. ".
" واعشيرتاه.. ".

ولو كان عند أسرته صبابة من الغيرة والحمية لهبّت لاِنقاذ زعيمها العظيم الذي كان لها كالاَب، والذي قدّم لها جميع الخدمات، ولكنها كبقيّة قبائل الكوفة قد طلّقت المعروف ثلاثاً، ولا عهد لها بالشرف والكرامة.

وجيء بهانيء إلى ساحة يباع فيها الاَغنام، فنفّذ الجلاّدون فيه حكم الاِعدام، فهوى إلى الاَرض يتخبّط بدم الشهادة.. لقد استشهد هانىَ دون مبادئه وعقيدته، وقد انطوت بشهادته أروع صفحة من صفحات البطولة والجهاد في الاِسلام.

السحل في الشوارع

وقام عملاء ابن زياد وعبيدة من الانتهازيين والغوغاء فسحلوا جثّة مسلم وهانىَ في الشوارع والاَزقّة، وذلك لاِخافة العامة وشيوع الاِرهاب بين الناس، والاستهانة بشيعة مسلم وأنصاره، وقد انتهت بذلك الثورة العملاقة التي كانت تهدف إلى إشاعة العدل والاَمن والرخاء بين الناس، وقد خلد الكوفيون بعد فشل الثورة إلى الذلّ والعبودية وأمعن الطاغية في ظلمهم فأعلن الاَحكام العرفية في بلادهم، وأخذ يقتل على الظنّة والتهمة، ويأخذ البريء بالمذنب، كما فعل أبوه زياد من قبل، وقد ساقهم كالاَغنام لاَفظع جريمة عرفها التأريخ البشري وهي حربهم لحفيد النبي صلى الله عليه وآله الاِمام الحسين عليه السلام .


* رائد الكرامة والفداء في الاسلام / باقر شريف القرشي ص 158_161.

28-11-2011 عدد القراءات 2717



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا