24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: القرآن معجزة النبي (ص)

اعجاز القرآن الكريم



القرآن معجزة
إن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي أعلن وبكل صراحة وقوة أن أحدا لا يتمكن من الإتيان بمثله، وحتى لو إجتمعت الإنس والجن، فلن يتمكنوا من ذلك ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(هود:13)، بل إنهم لا يقدرون على الاتيان بعشر سور مثله ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(يونس:38)، بل حتى سورة واحدة قصيرة ذات سطر واحد ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(البقرة:23-24). ومن ثم تحدى الجميع ودعاهم لمعارضته ومجاراته، واكد ذلك كثيرا في آياته وان عدم قدرتهم على مثل هذا العمل وعدم الإستجابة لهذا التحدي دليل على نسبة هذا الكتاب ورسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للّه تعالى1.

إذن فمما لا يقبل الشك والتردد أن هذا الكتاب الشريف قد حمل معه دعواه بأنه معجزة، كما أن من جاء به عرضه للبشر كمعجزة خالدة، وبرهان قاطع على نبوته وإلى الأبد، واليوم. وبعد مرور أربعة عشر قرنا، لا زال صدى هذا الصوت الإلهي يطرق أسماع الجميع، صباح مساء من خلال أجهزة الإعلام الصديقة والعدوة، ويتم الحجة عليهم.

ومن جانب آخر، واجه نبي الإسلام من أول يوم من دعوته أعداء متشددين، وحاقدين، بذلوا كل جهودهم وقواهم، لمحاربة هذا الدين الإلهي، وبعد أن يئسوا من تأثير تهديداتهم وإغراءاتهم تآمروا على قتله واغتياله. ولكن فشلت هذه المؤامرة بتدبير من الله الحكيم بهجرته ليلا وسرا إلى المدينة. وبعد هجرته قضى بقية عمره الشريف في حروب ومعارك عديدة مع المشركين وحلفائهم من اليهود. منذ وفاته وحتى اليوم حاول ويحاول منافقوا الداخل وأعداء الخارج إطفاء هذا النور الإلهي، وقد بذلوا كل جهودهم وقواهم في هذا المجال ولو كان يمكنهم الإتيان بكتاب مثل القرآن الكريم لفعلوا ذلك بدون تردد.

وفي العصر الحديث، حيث ترى كل القوى العظمى في العالم أن الإسلام هو العدو الأكبر الذي يتهدد سلطاتهم الظالمة، وأطماعهم الجهنمية والشيطانية، لذلك أخذوا وبكل ما يملكون من قوة في محاربته، مع تملكهم لكل القوى والإمكانات المالية والعملية والسياسية والإعلامية، ولو كان يمكنهم مواجهة التحدي القرآني، وكتابة سطر واحد مشابه لإحدى السور القرآنية القصار لفعلوا ذلك، وعرضوه من خلال أجهزة إعلامهم العالمية، وذلك لأن مثل هذا العمل من أكثر الأعمال بساطة، وأقلها مؤونة ونفقة، وأكثرها تأثيرا في مواجهة الإسلام والمنع من انتشاره وشيوعه.

إذن، فكل إنسان عاقل منصف يجزم بعد التوجه لكل هذه الملاحظات. بأنالقرآن الكريم كتاب إستثنائي لا يقبل التقليد والمحاكاة، ولا يمكن لأي فرد أو جماعة الإتيان بمثله مهما بذلت من جهود، وتلقت من تعليم وتدريب على ذلك، أي أنه يملك كل خصائص المعجزة (من كونه خارقا الهيا للعادة، وأنه لا يقبل التقليد والمحاكاة، وطرحه دليلا على صحة النبوة). ومن هنا فهو أفضل دليل قاطع على صدق دعوة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أن الدين الإسلامي المقدس على حق وأن من أكبر النعم الالهية على الأمة الإسلامية أن يكون هذا الكتاب الشريف قد نزل بصورة يبقى معها والى الأبد معجزة خالدة، وأن يملك في داخله الدليل على صدقه وصحته وإعتباره. هذا الدليل الذي يمكن لأي فرد فهمه وإستيعابه وتقبله دون إحتياجه لتعلم وتخصص.

عناصر الإعجاز في القرآن الكريم‏
الآن، وبعد أن عرفنا وبصورة مجملة أن القرآن الكريم كلام إلهي معجز، نوضح أكثر بعض عناصر الإعجاز القرآنية.

أ- فصاحة القرآن وبلاغته: إن أول عنصر من عناصر الإعجاز في القرآن الكريم هو فصحاته وبلاغته، أي أنه تعالى إستخدم لعرض مقاصده وفي كل موضوع أعذب الألفاظ وأجملها، وأجود التراكيب سبكا واعتدالا واتقانا ووقعا، ومن خلال ذلك يوصل المعاني المقصودة للمخاطبين من خلال أفضل الأساليب وأقربها للفهم، لا يتيسر إختيار أمثال هذه الألفاظ والتراكيب المتناسقة الملائمة للمعاني العالية والدقيقة إلا لمن كانت له إحاطة تامة بكل خصوصيات الألفاظ ودقائق المعاني، والعلاقات المتبادلة فيما بينها، ليمكنه اختيار أفضل الألفاظ والعبارات، مع ملاحظة كل أبعاد المعاني المقصودة وجوانبها، وملاحظة مقتضى الحال والمقام. ومثل هذه الإحاطة العلمية الشاملة لا يمكن توفرها في أي إنسان بدون الإستعانة بالوحي والإلهام الإلهي.

إن الجميع يدركون مدى ما يشتمل عليه القرآن الكريم، من أعذب الألحان الملكوتية والأنغام الخلابة، وإن كل العارفين باللغة العربية وفنون الفصاحة والبلاغة يلمسون سمو فصاحته وبلاغته.

وأما التعرف على أنه معجزة في الفصاحة والبلاغة، فلا يتيسر إلا لأولئك الذين يملكون الخبرة والتخصص في فنون الكلام المختلفة، ومقارنة ما يتميز به القرآن الكريم مع سائر أنواع الكلام الفصيحة والبليغة، وإختبار قدراتهم بالقياس معه. ومثل هذه المهمة لا يقوم بها إلا الشعراء والبلغاء العرب، وذلك لأن أعظم ما كان يتميز به العرب من فن في عصر نزول القرآن هو البلاغة والأدب، اذ بلغ ذروته آنذاك وكانوا ينتخبون بعض القصائد والأشعار بعد نقدها وتقييمها أدبيا كأفضل المنجزات الفنية والأدبية. والملاحظ أن الحكمة والعناية الإلهية تقتضي أن تكون معجزة كل نبي متلائمة مع العلم والفن الشائع في ذلك الزمان، حتى يدرك جيداً إمتيازها وتفوقها المعجز على كل المحاولات والمنجزات البشرية، كما ذكر ذلك الإمام الهادي عليه السلام في جوابه لإبن السكيت عندما سأله:

(لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمدا صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء بالكلام والخطب؟).

فقال الإمام عليه السلام: "إن الله لما بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم. وإن الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرأ الاكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم. وان الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم"2.

أجل لقد شهد بلغاء العرب آنذاك أمثال الوليد بن المغيرة المخزومي، وعتبة بن ربيعة، والطفيل بن عمرو بأن القرآن بلغ الغاية في فصاحته وبلاغته وبتفوقه على أرقى النتاجات الادبية والبلاغية البشرية3، وبعد قرن من نزوله حاول بعض الأفراد أمثال إبن أبي العوجاء وإبن المقفع وأبي شاكر الديصاني وعبد الملك البصري أن يجربوا حظهم في معارضة القرآن ومجاراته، وقد بذلوا كل قدراتهم وجهودهم خلال عام واحد في هذا المجال، ولكنهم لم يوفقوا لأي شي‏ء، واخيرا اعترفوا بعجزهم أمام القرآن الكريم، وحين اجتمعوا في المسجد الحرام ليتدارسوا أعمالهم وجهودهم خلال ذلك العام، مر عليهم الإمام الصادق عليه السلام وتلا عليهم هذه الآية الشريفة: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنّ‏ُ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(الإسراء:88).

ب- امية النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن القرآن الكريم بالرغم من صغر حجمه نسبيا كتاب يشتمل على مختلف أنواع المعارف والعلوم والأحكام والتشريعات الفردية والإجتماعية، ويحتاج البحث عن كل مجموعة منها فيه ودراستها دراسة كاملة إلى جماعات متخصصة تبذل كل جهودها العلمية وخلال أعوام طويلة، ليكتشفوا بالتدريج بعض كنوزها وأسرارها المخبوءة، وليتوصلوا من خلال ذلك إلى حقائق أكثر، وإن كان إكتشاف كل حقائقه وأسراره وكنوزه لا يتيسر إلا لأولئك الذين يمتلكون العلم والتأييد والمدد الإلهي، إن هذه المجاميع المختلفة تشتمل على أكثر المعارف دقة وسموا، وأرفع التعاليم الاخلاقية وأكثرها قيمة، وأكمل القوانين الحقوقية والقانونية والجزائية عدالة وإحكاما، وأثرى المناسك العبادية والأحكام الفردية والإجتماعية حكمة، وأكثر المواعظ والنصائح تأثيرا ونفعا، وأفضل الحكايات التاريخية عظة وتربية، وأنجع الاساليب التربوية والتعليمية.

وبأيجاز فإنه يشتمل على كل الأصول والمبادى التي يحتاجها البشر من أجل تحقيق سعادتهم الدنيوية والاخروية. ولقد امتزج كل ذلك بإسلوب رائع بديع لم يسبق له مثيل، بحيث يمكن لفئات المجتمع جميعا الاستفادة والتزود منها، كل بحسب إستعداده وقابليته.

إن جمع كل هذه المعارف والحقائق في مثل هذا الكتاب يفوق قدرة البشر العاديين، ولكن مما يزيد الدهشة والإعجاب أكثر، أن هذا الكتاب العظيم ظهر على يد إنسان لم يعرف الدرس والتعليم خلال حياته أبداً، ولم يمسك يوما بيده قلما و ورقة، وقد نشأ في محيط بعيد عن الحضارة والثقافة. والأعجب من ذلك أنه لم يسمع منه خلال أربعين عاما قبل بعثته مثل هذا الكلام المعجز، وخلال أيام رسالته وبعثته أيضا كان ما يصدر منه من آيات قرآنية ووحي الهي يتميز بسبكه وأسلوبه الخاص، وهو يختلف تماماً عن سائر كلامه وأحاديثه، وهذا الفرق الواضح بين هذا الكتاب وسائر أحاديثه مشهود وملموس للجميع.

والقرآن الكريم يشير إلى هذه الأمور فيقول: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُون(العنكبوت:48).

وفي آية أخرى يقول: ﴿قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُون(يونس:16).

وثمة احتمال كبير في ان تكون الآية (23) من سورة البقرة: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِه) مشيرة لهذا العنصر الاعجازي، أي أن هناك احتمالا كبيرا في رجوع ضمير (مثله) إلى (عبدنا).

والحاصل: إذا إفترضنا محالا قدرة المئات من الجماعات المتخصصة والمثقفة وبالتعاون والإشتراك فيما بينهم على الإتيان بمثل هذا الكتاب، ولكن لا يمكن لفرد أمي واحد القيام بذلك.

ومن جهات إعجاز القرآن الكريم
ج- التناسق وعدم الإختلاف: إن القرآن الكريم كتاب نزل خلال ثلاثة وعشرين عاما من حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي فترة شهدت مرحلة مضطربة مليئة بالحوادث الملتهبة، وزخرت بالكثير من التحديات والمحن والحوادث المرة والسعيدة، ولكن هذه المتغيرات لم يكن لها أي تأثير في تناسق محتويات القرآن وأسلوب إعجازه. ومثل هذا التناسق وعدم الإختلاف في شكله ومضمونه جهة أخرى من جهات إعجازه. وقد أشير إليها كما أشير للعلامتين السابقتين في القرآن الكريم: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا(النساء:82).

وتوضيحه: إن كل إنسان يواجه على الأقل نوعين من المتغيرات

الاول: إن معلوماته وخبراته تأخذ بالتزايد والنمو، وهذا النمو والزيادة في ثقافته ومعلوماته وخبراته وقدراته تنعكس وتؤثر في أحاديثه وكلامه، وبطبيعة الحال، سوف يبرز الإختلاف الواضح بين أحاديثه خلال عشرين عاما.

والثاني: إن حوادث الحياة المختلفة تؤدي إلى ظهور حالات نفسية ومشاعر وأحاسيس مختلفة، أمثال: اليأس والأمل، والفرح والحزن، والقلق والهدوء، ولمثل هذا الإختلاف في الحالات تأثير كبير في تفكير المرء وفي أقواله وافعاله، وبطبيعة الحال، مع اشتداد هذه التغيرات وإتساعها فإن أحاديثه سوف يطرأ عليها إختلاف كبير.

وفي الواقع إن تغيرات الكلام خاضعة لتغيرات الحالات النفسية، وهي بدورها خاضعة لتغير الظروف الطبيعية والإجتماعية. فإذا افترضنا أن القرآن الكريم من صنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه كإنسان خاضع لكل المتغيرات المذكورة، فمع ملاحظة الظروف المتغيرة الحادة التي شهدتها حياته فلا بد أن تظهر في كلامه إختلافات كبيرة في شكله ومحتواه، مع أنه لم يشاهد أي أثر لمثل هذه الإختلافات.

إذن، فهذا الإنسجام وعدم الإختلاف في مضامين القرآن، وفي مستوى بلاغته المعجزة، يعد علامة أخرى على صدور هذا الكتاب الشريف من مصدر العلم الثابت واللامتناهي لله تعالى، الحاكم على الطبيعة وغير المحكوم لكل الظواهر المختلفة والمتغيرات.


*دروس في العقيدة الاسلامية ،إعداد ونشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية.ط1،ص152-159
1- أصول الكافي، ج 1، ص 24.
2- اعلام الورى، ص 27 و 28، وص 49، وسيرة ابن هشام، ج 1، ص 293 وص 410.
3-  الاسراء: 88، وانظر تفسير (نور الثقلين) حول هذه الآية.

03-08-2009 عدد القراءات 5941



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا