18 تشرين الأول2017 الموافق لـ 27 محرّم 1439هـ
En FR

:: خطب وأشعار

الكلمات القصار للإمام علي عليه السلام



1

كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب.


اللبون من الإبل والشاء هي ذات اللبن قل وكثر. وابن اللبون فصيل الناقة قبل أن يقوى ظهره للركوب، يصلح ضرعها للحليب، ظهر بالرفع اسم "ل" العاملة عمل ليس على مذهب الحجازيين، خبرها محذوف، التقدير لا ظهر صالحا للركوب، لا ضرع صالحا للحليب، الفعل المضارع هنا منصوب بأن‏مضمرة بعد الفاء لوقوعها بعد النفي المحض مثل ما أعرف دارك فأزورك أي‏كي أزورك.

والمراد بالفتنة هنا الباطل، المعنى إذا رأيت باطلا فلا تدخل فيه، احذر من أهله أن يخدعوك ويستغلوك في أغراضهم ومآربهم.. وسكت الإمام في حكمته‏هذه عن الحق وأهله، ليس معنى سكوته عنه وعنهم أنه ينهى عن الدخول في‏شأن المحقين ومناصرتهم، انه يساوي بينهم وبين المبطلين..كل، ألف كل، لأن مثل هذا الكلام يقتصر فيه على دلالة المنطوق دون المفهوم..هذا، الى ‏أن كلمات الإمام ووصاياه بنصرة الحق وأهله تجاوزت حد الإحصاء، من ذلك‏قوله لولديه الحسن والحسين "كونا للظالم خصم، للمظلوم عون".كما جاء في الرسالة 46، ذمه للذين لم يحاربوا معه الناكثين بأنهم لم ينصروا الحق، لم يخذلوا الباطل.

وخفي المعنى المراد من هذه الحكمة على كثير من الشارحين، خبطوا فيه، فهموا منه أن الإمام أمرنا بأن نسكت أيام الفتنة، نعتزل إذا رأينا باطلا يتبعه‏قوم ويعارضه آخرون، حتى ان بعض الشارحين قال "أراد الإمام أن يكون‏ الإنسان أيام الفتنة ضعيفا غير مستكثر من المال"!. ولا أعرف السبب الموجب‏لحشر المال هنا!و حاشا لله وللإمام الذي أوقف نفسه للحق، ضحى بها في‏ سبيله أن يأمر بالفرار من جهاد الباطل والفساد.

وبعد، فكلنا نحنـأ بناء الهيئة العلمية الدينية ـ نحفظ هذه الحكمة عن ظهر قلب تماما كما نحفظ سورة الإخلاص، نرويها ونوصي به، لكن ما لها في‏أعمالنا وأعمال معظمنا من نصيب..فهذا يؤيد زعيما طاغية ويقول أريد أن‏أعيش، ذاك يوقع عريضة مسمومة ملغومة إرضاء لشهوة رئيس ومتزعم، آخر يزيف ويحرف بوحي الشركات ومكاتب الاستخبارات، رابع إمعة يستجيب‏لكل ناعق وشاهق.. وهنا يكمن السر في أننا نسير من ضعف الى ضعف، يكثر فينا أهل الجهل والدجل.

2

أزرى بنفسه من استشعر الطمع، رضي بالذل من‏كشف عن ضره، هانت عليه نفسه من أمر عليه السانه.


الطمع ضد القناعة، لكن كثر استعماله ضد المروءة والورع حتى صار حقيقة فيه، أما حكمه فيقاس بآثاره ونتائجه، ان خيرا فخير، ان شرا فشر.

وقول الإمام من استشعر الطمع معناه من اتخذه دينا له وديدنا بحيث لا يلتزم‏بشي‏ء إلا على أساس منفعته الخاصة. ومن كان كذلك فقد حقر نفسه بنفسه، لأن الإنسان يقاس بأهدافه وأمانيه. ومن كانت همته بطنه كانت قيمته ما يخرج‏منها كما قال الإمام.

وقد يبتلى الإنسان بمرض وفقر وغيرهما من الآفات. وما من شك ان‏المرض بلاء، الفقر مصيبة، لكن الكشف والإعلان عنهما وعن أية آفة فضيحة. وقديما قيلا لشكوى لغير الله ذل.. وأية جدوى من الشكوى الى ‏الناس ما دامت لا تدفع ضر، لا تجلب نفع، تسوء المحب، تسر المبغض؟

وأيضا لا جدوى من أمر المبتلى وحثه على الصبر وكتمان العلة إلا إذا كان ذا عقل‏رزين، لأن الصبر على قدر العقل.

والشكوى من مقولة الكلام وصفاته، لذا عقبها الإمام بالإشارة الى اللسان، مر الحديث عنه في شرح الخطبة 94 فقرة "السكوت" وغيره. وقال مجرب‏حكيم يتنازع لسانك عقلك وهواك، فإن غلب الأول فهو لك، ان غلب‏الثاني فهو عليك، فلا تطلق لسانك حتى تعلم ان كلامه لك لا عليك.

3

البخل عار. والجبن منقصة. والفقر يخرس الفطن عن‏حجته. والمقل غريب في بلدته. والعجز آفة، الصبر شجاعة. والزهد ثروة. والورع جنة.


البخل يخطط لصاحبه منهجا يسير عليه في تفكيره وسلوكه، لا يحيد عنه‏بحال، هذا المنهج يرفض بطبعه التعاون على الخير ومصلحة الفرد والجماعة، يهدي الى القسوة وعدم الاكتراث بالناس ومشاكلهم.. ومن لا يهتم بهموم الناس‏فليس منهم ولا من الانسانية في شي‏ء. ونعطف على ذلك ما جاء في الآثار من‏أن البخيل يعيش في الدنيا عيش الفقراء، يحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، انه كالخنزير لا ينتفع به إلا بعد موته حيث تنهشه الكلاب، ان البخل يفسد الرأي، يمنع صاحبه عن رؤية الحقيقة، لأنه ينظر الى الأشياء من خلال ذاته‏الشحيحة الشاحبة.

واذا كان الإمساك رذيلة فالبذل والتضحية فضيلة في كل زمان ومكان، لكن‏إطعام الطعام قد بلغ الغاية والنهاية من التقديس عند القدامى، بخاصة العرب‏الذين اعتبروه سببا رئيسيا من أسباب السيادة والقيادة، ملأوا الدنيا في المديح‏و الثناء نظما ونثرا على صاحب الخوان، كنوا عنه بجبان الكلب وكثير الرماد والنيران.. ووضع الجاحظ كتابا في البخلاء، أفرد الكثير من المؤلفين بابا طويلا في كتبهم لذم البخل والبخلاء، مدح الجود والأجواد.

والسر العسر والمعيشة الضنكى في ذاك العصر حيث الجائعون من كل بلد بالآلاف‏أو بالمئات..هذا، الى ان المسافرين كانوا يسيرون أياما وأشهرا على الأقدام‏أو على الحيوان، لا مطاعم وفنادق، فلا بدع اذا كان لإطعام الطعام شأنه‏و وزنه، من هنا ساوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين السلام في قوله "أفضل‏الأعمال إفشاء السلام، إطعام الطعام".

حتى الماء كان لباذله أجر وفضل على قدر عطش الظمآن ولهفته، لتعذر الوصول الى مجرى الماء ومصدره..أما الآن، قد غير العلم الأرض ومن عليها وخطا بالبشرية خطوات يسرت لها العسير، قربت لها البعيد، حققت الكثير من مطالبه، أما الآن فلم يعد لإطعام الطعام ونحوه ذاك الوزن والأثر الذي كان‏له من قبل.. وليس معنى هذا ان الكرم قد تحول عن طبيعته ونزل عن مرتبته، إنما يعني ان مظاهر الكرم قد تغيرت وانتقلت من التعاون الفردي الى التعاون‏الاجتماعي، من إطعام الرغيف الى بناء دار للأيتام، مستشفى للمعوزين، مدارس للمتعلمين، من سقي الظمآن الى ري الأراضي، تحويل الصحراء الجرداء الى جنات وعيون، معنى هذا أن معنى الكرم قد عم واتسع بعد أن‏كان ضيقا ومحدود، ان اسم الكريم قد تطور الى اسم المصلح والمنقذ.

(والجبن منقصة) لأن الجبان يرى المنكر فيتعامى عنه، يسمع دعوة الجهاد في سبيل الله والحق فيصد عنه، إذا شكا اليه مظلوم أدار له ظهره، إذا أراد أن يتكلم خاف من النقد.. وهكذا يسلبه الخوف ما يملك من طاقات، يعيش حبيسا بين جدران الهواجس والأوهام بلا شخصية وإرادة، لا زهرة أو ثمرة إلا الهدير والثرثرة.. وهل علمت وسمعت أن للجبان شأنا وتاريخا؟.

(والفقر يخرس الفطن عن حجته) لأن الفقر يضغط على العقل، يسد أمامه منافذ الرؤية..اللهم إلا إذا كان للفقير هدف أعلى يضحي بحياته من أجله، ينسى معه نفسه وبؤسه، كطلب العلم والحرية لوطنه، كما حدث لكثير من‏الفقراء المناضلين الأحرار. وتقدم الكلام عن الفقر مرات ويأتي أيضا.

(والمقل غريب في بلدته) ومثله قول الإمام "الغنى في الغربة وطن، الفقر في الوطن غربة" لأن من شأن الوطن أن يسهل لك العسير، يستجيب‏لحاجتك وأمنيتك، المال قاضي الحاجات، الفقر أصل الويلات، من هنا كان الفقر غربة في الوطن، الغنى وطنا في الغربة.

(والعجز آفة) وكلمة العجز تعم وتشمل وباء الفقر والمرض والجهل، هذه ‏الأوباء الثلاثة آفة الإنسانية بكامله، منها تنبع القبائح والرذائل، بخاصة الفقر فإنه السبب القريب والبعيد لأكثر الآفات والمشكلات.

(والصبر شجاعة) وجهاد. وحين يتحدث الإمام عن الصبر وفوائده فإنه‏يتحدث عن علم وتجربة، فلقد رأى وشاهد صبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة على‏الأذى والتنكيل في سبيل الإسلام، ثباتهم عليه مستهينين بكل شي‏ء، هذا الصبر هو الأصل والأساس لحياة الإسلام وانتشاره، على صخرته تحطم الكفر والشرك، لو لا هذا الصبر والثبات ما كانت الهجرة ولا بدر وأحد والأحزاب، بالتالي ما كان للإسلام عين ولا أثر.

(والزهد ثروة، الورع جنة) المراد بالزهد التورع عن الحرام، بالورع‏الكف عنه، عليه يكون العطف للبيان والتفسير، المعنى أن العفيف النزيه في‏غنى عن الناس، أمان من شرهم، لأنه بعفته ونزاهته يرضى ويقنع بالميسور، يكف أذاه عن الآخرين، القناعة كنز، كف الأذى حصن وصيانة. وتقدم‏الكلام عن ذلك مرارا وتكرارا مفصلا ومجملا.انظر شرح الخطبة 189 فقرة "التقوى".

4

نعم القرين الرضى. والعلم وراثة كريمة. والآداب حلل‏مجددة. والفكر مرآة صافية.


(نعم القرين الرضى) عليك أن تسعى جهدك للرزق، لا تتكل على القدر، إذا سعيت ونلت من الحلال دون ما أملت فارض بما تيسر ولا ترفضه وتتبرم‏به. وقديما قيل لا يترك الميسور بالمعسور، كيف والحرمان أقل منه، بعض‏الشر أهون من بعض؟خذ ما تيسر، انتظر الفرصة الى ما هو أفضل، لا تتعجل الشي‏ء قبل أوانه، فإن الأمور مرهونة بأوقاتها.. ولا أظن مخلوقا حقق‏كل ما ينشد من سعادة إلا من روض نفسه على التسليم والرضا بما لا سبيل الى ‏سواه، لا يقول لشي‏ء لم يكن ليته كان، لما كان ليته لم يكن.

والرضا بمنطق الواقع هو الذي عناه الإمام، أثنى عليه بقوله "نعم القرين ‏الرض" لأنه يحرر صاحبه من الحيرة والقلق، التبرم والسخط بلا جدوى.

وبالاختصار ان تعاسة الإنسان قد تأتي من داخله لا من خارجه، من صنع يده‏لا من صنع القدر، لأنه يرفض الانسجام مع ظروفه الخاصة التي تمسه في الصميم، تؤثر عليه وعلى شؤونه، لا يجني من معاندتها إلا الآهات والحسرات.. ورأيت‏من الشباب الجامعي من يأنف ويحتقر بعض الأعمال، لأنهاـ بزعمه ـ عيب يمس‏بكرامته، يطمح الى وظائف الأغوات وأبناء الذوات، فيبحث ويلهث وراء كل متزعم حتى اذا يئس عاد الى ما استنكف عنه من قبل، طلبه بلهفة.. ولكن بعد فوات الفرصة التي لا سبيل الى مردها..فقعد كسيحا خاسر، لأنه‏أراد القفز أكثر مما تستطيع عضلاته.

وهكذا قضت حكمة الخالق جل وعلا أن يعاقب بالحرمان من استنكف عن‏رزقه المكتوب.

وأيضا رأيت كثيرا من الشباب الجامعي يستسلمون لمنطق الواقع، لا يأنفون‏من وظيفة كاتب بسيط، بعضهم من حملة الدكتوراه، مع الصبر والأيام صار أحدهم مديرا عام، آخر استاذا جامعي، رئيسا لمصلحة، قاضيا مرموقا.. ولا سرـ فيما أعتقد ـ إلا الرضا والصبر الذي هو من مظاهر الحمد والشكر، فأنجز لهم سبحانه قوله ووعده لئن شكرتم لأزيدنكم ـ7 ابراهيم.حمدا لله وشكرا.

(والعلم وراثة كريمة) قال ابن أبي الحديد في شرحه "كل عالم يأخذ العلم من استاذه فكأنه ورث العلم عنه" وتبعه ميثم في هذا التفسير وقال "العلم‏وراثة عن العلماء" وقال شارح ثالث "أخطأ الاثنان، الحق في التفسير ان‏ العلم يؤخذ بلا عوض تماما كالإرث".. ولو تنبه هؤلاء الشارحون لقول الإمام‏في الحكمة رقم 147 لأراحوا واستراحوا من هذا التكلف والتعسف. قال الإمام‏في هذه الحكمة من جملة ما قال "العلم يكسب الانسان جميل الأحدوثة بعد وفاته" وهذا بالذات هو مراد الإمام بقوله "و العلم وراثة كريمة" فإن كلام‏الإمام يفسر بعضه بعض، لأن مصدره واحد.. وكلنا يعلم ان الناس يذكرون ‏الانسان بعد وفاته بأفعاله وصفاته، ان العلم من الصفات الجلى.

(والآداب حلل مجددة).الحلل المجددة كناية عن البهجة والزينة الدائمة، المراد بالآداب هنا الصفات الحميدة عند العقل والعقلاء، كالبلاغة والذكاء وحسن‏السلوك، ما إلى ذاك من الفضائل الشخصية والاجتماعية..نقول هذا مع العلم‏ان تحديد المفاهيم ومعاني الألفاظ من أدق الأشياء وأصعبها.. ولكن هذا ما فهمناه‏من سياق الكلام، منطق الواقع، فإن كان هذا ما أراده الإمام من كلامه‏هنا فذاك، إلا فإن الإمام لا يرفض المعنى الذي فهمناه لأنه حق في نفسه ومن‏حيث هو.

(والفكر مرآة صافية) المراد بالفكر هنا القوة المدركة العاقلة التي اذا أعملها الإنسان بعيدا عن الهوى والمحاكاة دلت على الحق والصواب، كنى الإمام عن‏هذه الدلالة الصادقة بالمرآة الصافية التي تعكس الشي‏ء كما هو في واقعه. وأخذنا هذا التفسير من قول الإمام في الرسالة 30 "من تفكر أبصر" وقوله في‏الحكمة 113 "لا علم كالتفكير" أي ان العلم بلا تفكير أكثر خطورة من التفكير الذي لا يدعمه علم، كما قال كونفوشيوس.

5

صدر العاقل صندوق سره. والبشاشة حبالة المودة. والاحتمال قبر العيوب (أو) والمسالمة خباء العيوب. ومن‏رضي عن نفسه كثر الساخط عليه.


(صدر العاقل صندوق سره) بعض الحاجات لا يستقيم قضاؤها إلا بالكتمان، من الجهل والحمق إفشاؤها وإذاعتها.. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد غزوا ورى.

ومن ضاق بسره فلا يلومن من أفشاه. والحق خاص بصاحبه، على كل إنسان‏أن يحترم هذا الحق ويقدسه، يحرم التجسس عليه.. ولكن الغرب قد انتهك‏هذا الحق، اخترع للتجسس على الشعوب والبيوت والأفراد آلات مذهلة شديدة الدقة، قد هددت حرية الإنسان وأصبحت حياته وأسراره مشاعا للذين يملكون‏هذه الآلات، يبيعونها كالسلعة لمن يدفع الثمن، فتحوا بنوكا وحوانيت لبيعها علانية وعلى علم من السلطة التي تصون الأمن الحريات.

وهكذا حولوا العلم من العمل لصالح الإنسان وخدمته الى الإضرار به والاعتداء عليه والقضاء على حريته، فرضوا عليه لونا جديدا من الضغط لا نظير له حتى‏في عصور الجهل والتخلف.

(والبشاشة حبالة المودة) اذا خرجت الابتسامة من القلب دخلت في القلب‏تماما ككلمة الصدق والإخلاص، أما ابتسامة المكر فهي وكلمة النفاق سواء، تخرج‏من الحناجر ولا تتجاوز الآذان.

(والاحتمال قبر العيوب) المراد بالاحتمال هنا الصبر على كلمة تافهة وحركة نابية من زوجة وولد وجار وأي سفيه، المراد بقبر العيوب أن هذا الصبر فضيلة تشفع في بعض العيوب، تسترها ـ على الأقلـ وأية جدوى من إظهار الغيظ والغضب إلا البغضاء والشحناء.

(ومن رضي عن نفسه كثر الساخط عليه). كثرة الادعاء تدل على كثرة العيوب، من استطال على الناس بما فيه وبزور يدعيه فقد فتح عليه أبواب‏الذم والطعن والسخرية والاستهزاء والمقت والكراهية.. والعالم حقا يتواضع ويتوقع‏الخطأ من نفسه، الدعي اللصيق بأهل العلم يرى نفسه مصدر الحق والصواب.. ولاحظت من تتبعي لأقوال العلماء وآرائهم ان العالم بحق يعرض رأيه بحذر، أما الضعيف في معرفته فيؤكد أقواله جازما بأنها الحق الذي لا ريب فيه، ان‏غيرها هراء وهباء. والسر أن القوي بعلمه يعتمد على العقل، الضعيف يثق‏بعاطفته، يقول بوحي منه، يظن أنه يقول بإملاء العقل والوجدان. وهذاهو الجهل المركب.

6

الصدقة دواء منجح. وأعمال العباد في عاجلهم نصب‏أعينهم في آجلهم.


المراد بالصدقة هنا كل معونة تسد حاجة من حاجات الحياة خاصة كانت

كإغاثة الملهوف، أم عامة كبناء ميتم يأوي المشردين، أم مصنعا ينتج الغذاء والكساء والدواء للمحتاجين. وأي دواء أكثر نفعا من خدمة الإنسان وسد حاجاته؟

وليست هذه الصدقة والمعونة تجيب دعوة المضطر وكفى، بل هي أيضا دواء وخلاص من عذاب الحريق لمن ضحى وأعان يوم الحساب والجزاء.

ويأتي قريبا قول الإمام "من كفارة الذنوب العظام إغاثة الملهوف، التنفيس‏عن المكروب". هذا إذا كان الملهوف والمكروب واحد، فكيف بإغاثة الأجيال‏و الألوف؟

(واعمال العباد في عاجلهم الخ)..من عمل في دنياه لمنفعة الآخر ينـيج  دثواب عمله مجسما نصب عينيه في آخرته.

7

اعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم، يتكلم بلحم، يسمع بعظم، يتنفس من خرم.


المراد بالشحم هنا غير اللحم كالجلد الشفاف الذي يغطي شبكة العين ونحوه، أما العظم فالمراد به الغضروف، هو عظم طري.

أشار الإمام الى أربعة أعضاء البصر واللسان والسمع والأنف. وللعين مهمتان‏الأولى انها نافذة الى القلب تتسرب اليه منها ما تراه في الخارج.المهمة الثانية انها مرآة تعكس في كثير من الأحيان ما هو مودع في القلب من حب وبغض، فطنة وبلادة، خير وشر، معنى هذا ان العين تعطي القلب وتأخذ منه، تؤثر فيه، يؤثر فيه. وأيضا معنى هذا ان كل ما في العين لا بد أن يكون‏رقيقا شفافا يحكي عما وراءه، نقيا صافيا ينعكس فيه ما تقع عليه العين، من‏البداهة أن في اللحم غلظة وكثافة، ان كان اللحم أقل كثافة من العظم، الشحم أخف وأرق من اللحم، هو أشبه ب "النيلون".

أما اللسان فهو أكثر الأعضاء حركة وقبضا وبسطا..تجري حركته بسرعة بلا تعب وكلال عند الكلام والشراب والطعام، عند ابتلاع الريق وقذفه، بل يتحرك عند السكوت وترك الطعام والشراب..فاستدعى ذلك أن يكون لحمار طبا بلا عظم وعصب، أن يكون في الفم بمنزلة الصدر للقلب صونا له من‏العوارض الخارجية.

و أما الأذن فهي الأداة اللاقطة للصوت، الصوت يحمله الهواء، لا يدخل‏الى الأذن إلا بعد انكسار حدته، فجعلها سبحانه عضوا لينا لا لحما مسترخي، لا عظما صلبا بل عظما طريا متماسكا.

أما التنفس في الإنسان فيقول أهل الاختصاص أن له عضلات كثيرة، أهمها الأنف، به يستغنى عن الفم لاستنشاق الهواء، قد جعل سبحانه تجويفه بقدرالحاجة، لو كان أوسع مما عليه لدخل الى الجوف من الهواء أكثر من المطلوب، أضيق لدخل دون القدر اللازم، أيضا جعل التجويف مستطيلا لينحصر فيه‏الهواء وتنكسر حدته قبل أن يصل الى الدماغ، إلا صدمه بقوته وأوقفه عن‏الحركة.

فسبحان الذي خلق فسوى، قدر فهدى.

8

إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره. وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.


المراد بإقبال الدنيا على الإنسان أن ينال منها ما يغبط عليه ويحسد، المراد بإعارته محاسن غيره أن يرفع فوق منزلته، كمن ساد، ما هو بأهل للسيادة.

وليس من الضروري أن تنسب اليه فضائل الآخرين، كما توهم الشارحون، بل‏قد يكون ذلك، قد لا يكون، المعيار أن يقدر بأكثر من ثمنه. والمراد بسلبته محاسن نفسه أن تبخس أشياؤه، يبهظ حقه ومقامه. والأمثلة على ذلك‏لا تحصى كثرة، منها ان يؤلف شهير كتاب، فيقبل عليه الناس ويشتروه بأغلى‏الأثمان، يكيلوا له المديح بلا حساب، يستشهدوا بكلماته كدليل على الحق!.

ولو نسب هذا الكتاب بالذات الى مغمور مجهول لأعرضوا عنه.. وربما سخروا منه.

وفي الخطبة 107 أوضح الإمام السبب الموجب وبينه بقوله "فهو عبد لهاـأي للدنيا ـولمن في يده شي‏ء منها حيثما زالت زال اليه، حيثما أقبلت أقبل‏عليه".انه يقبل ويدبر بوحي من دنياه ومصلحته، هو يظن أنه ما فعل‏و ما ترك إلا بإملاء الحق والعدل.

9

خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، إن‏عشتم حنوا إليكم.


فرق بعيد بين النفاق وحسن المعاشرة، فالنفاق أن تضمر البغض وتظهر الحب، أما حسن المعاشرة فهي أن تحسن ولا تسي‏ء، تحب ولا تكره، تعين ولا تخذل.. وبهذا تكون محبوبا عند الناس يبكون عليك ان مت، يحنون علي ك‏ان غبت.قال سبحانه ﴿وقولوا للناس حسنا ـ83 البقرة.

وقديما قيل أحبب لغيرك ما تحب لنفسك.. ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. ومن أقوال ‏الإمام أسوأ الناس حالا من لم يثق بأحد لسوء ظنه، لم يثق به أحد لسوء فعله. وقال القريب من قربته الأخلاق، الغريب من لم يكن له حبيب. وتقدم ذلك في الرسالة.30

10

إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه.


علمتني التجربة وتكرارها أشياء، منها أن من فر الى الله وقرع بابه مخلصا أغاثه وشمله بعنايته، منها أن من شكر القليل من فضله تعالى زاده أضعاف، من رفضه وتبرم به طلبا للكثير عاقبه بالحرمان، ان من أبى إلا القصاص بيده‏ممن أساء اليه تركه سبحانه وشأنه يشفي غيظه من عدوه ان استطاع، ان من‏عفا عن حقه الخاص لوجه الله كان له ناصر، عوض عليه أضعافا مضاعفة.

ويأتي قول الإمام أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. وقوله أول عوض‏الحليم من حلمه ان الناس انصاره على الجاهل.

11

أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، أعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.


قالوا في تعريف الصديق وصفاته وأكثرو. والوصف الداخل في ماهيته أو اللازم لها هو أن الصديق حقا وواقعا يرفض الشائعات عن صديقه حتى ولو كان‏على جهل بمصدره. وهذا الصديق ثروة وعدة في الدين والدني، قال تعالى‏حكاية عن أهل النار فما لنا من شافعين ولا صديق حميمـ101 الشعراء.

وقيل لحكيم قديم ما أفضل ما يقتنيه الإنسان؟ فقال "الصديق المخلص".

وإذا كان الإخوان أفضل قوة وثروة يقتنيها الإنسان فمن العجز أن تعيش بلا أصدقاء، ان ضيعت واحدا منهم بعد الظفر به فأنت أخسر الفاشلين، كما قال الإمام.

وقال بعض الشارحين للصداقة طرق وأسباب، عد منه "الملاقاة بالبشر والطلاقة". والحق ان السبب الوحيد للصداقة هو التوافق في الطباع حتى الطيور على أشكالها تقع. واشتهر عن نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم الأرواح جنود مجندة ما تعارف منه اائتلف، ما تناكر منها اختلف. وتقدم الكلام عن الصداقة في الرسالة 30 وفيها يقول الإمام ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه.

وبعد، فلا متعة أعذب وأطيب من حديث تنفض به عن قلبك غبار الآلام‏و الأشجان أمام صديق يصغي اليك بروح زاكية تطمئن اليه، عاطفة دافئة تلجأ اليها.. ومن فقد متعة الإحساس بالصداقة فقد حرمه الله أجمل ما في الحياة، ان كان بيته مترفا ومزخرفا.

12

إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر.


المراد بأطراف النعم أوائلها والقليل منه، بأقصاها نموها وزيادته، المعنى ‏ان الله سبحانه إذا أحدث لك نعمة فاحفظها وعظمها بالشكر والتدبير، من أي نوع كانت وتكون، ان حقرتها وقصرت في حفظها وشكرها سلبها الله منك، حرمك من غيره. وتقدم في الرسالة 68 قول الإمام "واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك، لا تضيعن نعمة من نعم الله عندك" .

وقد من سبحانه على المسلمين بدولة كريمة فلم يشكروها بالجهاد والإخلاص‏و أضاعوها بالخلافات واتباع الشهوات، فسيموا الخسف جزاء وفاقا.

13

من ضيعه الأقرب أتيح له الأبعد.


لا تيأس إذا أصابك شر من الأقارب والأرحام فأبواب الخير والنجاح عند الله‏لا يبلغها الإحصاء، فإن أغلق دونك باب منها فتح الله عليك ما هو خير وأجدى.. ومن توكل عليه كفاه حتى ولو كاد له أهل السموات والأرض ومن بينهن.

14

ما كل مفتون يعاتب.


المراد بالمفتون هنا من فعل ما لا ينبغي فعله، المعنى اذا رأيت شذوذا من‏إنسان فلا تبادر الى لومه وعتابه قبل أن تعرف السبب الموجب، فابحث‏و انظر، فإن كان السبب مشروعا كمن أكل من الميتة وسرق رغيفا لسد الجوعة فهو معذور إذا انحصر سبب الحياة بذلك، كان جاهلا بلا تقصير، ان‏كان لمجرد الهوى واللامبالاة بالدين والقيم فهو مأزور، عليك أن ترشده بالحسنى.. اللهم إلا مع اليأس من صلاحه وإصلاحه كابن عمر وابن وقاص وابن مسيلمة حيث أحجموا عن بيعة الإمام، لم ينصروا حق، يخذلوا باطلا.

15

تذل الامور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير.


يحذر الإمام بهذا من المخبآت والمفاجآت التي لا تراها العيون، لا تومى‏ء إليها القرائن من قريب وبعيد، يحذر كل إنسان من ذلك كي يحتاط ويحترس.. على ان الوقاية من الهلاك قد تكون هي السبب الموجب له، كالطبيب يصف‏نوعا من الدواء لمريضه بقصد الشفاء، فيقضي عليه، يتحصن الجيش من‏عدوه في مكان ملغوم، يفر من الجهاد طلبا للسلامة فيقع فيما هو أدهى وأمر.

16

سئل عليه السلام عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم "غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود" فقال عليه السلام إنما قال صلى الله عليه وآله ذلك والدين قل، فأما الآن‏و قد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار.

الدين قل أي لم ينتشر بين الناس ويكثر أتباعه. والنطاق الحزام. والجران‏م قدم البعير يضرب به الأرض إذا استراح، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر الشيوخ‏من أصحابه أن يستروا الشيب عن العدو بالخضاب ليظهروا أمامه في هيئة الأقوياء.

فقال الإمام ذاك حيث كان الإسلام ضعيفا بقلة أتباعه، أما اليوم وقد ظهر على الدين كله فلم يبق لهذا الحكم من موضوع، فمن شاء فليترك الخضاب، من‏شاء فليخضب. وبهذا القصد ألغى عمر سهم المؤلفة قلوبهم.

وتسألأ لا يتنافى هذا مع الحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلال‏ محمد حلال الى يوم القيامة، حرامه حرام الى يوم القيامة؟.

الجوابان الأحكام الشرعية الإسلامية على نوعين الأول منهما يرتبط بطبيعة الإنسان‏و فطرته من حيث هو إنسان، هذا النوع من الأحكام لا يتغير ولا يتبدل تماما كنظام الكون والأفلاك في حركاتها الدائبة، لو اختل شي‏ء منه لانهار الكون‏بما فيه. وهذا النوع هو المقصود بالحديث المشهور. والنوع الثاني يرتبط بالحياة الاجتماعية، هذا تتغير أحكامه تبعا لتغير المجتمع من حال الى حال حيث يتغير موضوع الحكم وسببه الموجب، خضاب الشيب وعدم خضابه من هذا النوع‏و تقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 174 فقرة "التحليل والتحريم بين الإسلام ‏والمسيحية".

17

خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل.


ضمير الجماعة في خذلوا ولم ينصروا يعود الى الذين لم يبايعوا الإمام، لم‏يحاربوا ضده ولا معه كابن وقاص وابن عمر.قال ابن أبي الحديد يدل هذا القول من الإمام أنه راض عنهم.أما ميثم فقال يجري هذا الكلام مجرى‏ العذر عنهم.

أما نحن فلا نرى ذما أوجع وأقذع من هذا..كيف وقد تهيأت لهم الأسباب‏الكافية الوافية لمناصرة الحق وخذلان الباطل؟ ومع هذا تجاهلوا وأحجموا.. وفي الخطبة 29 وبخ الإمام المتقاعسين عن القتال معه وقرعهم بقوله "لا يدرك‏الحق إلا بالجد.. ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟". وقال سبحانه ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء الى أمر اللهـ9 الحجرات. وقال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الساكت عن الحق شيطان أخرس..الى كثير من الآيات والروايات.

18

من جرى في عنان أمله عثر بأجله.


كل الأعمال بالآمال، لو لا الأمل لبطل العمل. والمذموم هو أن تطلق العنان‏لأملك في الدنيا وحطامه، تزاحم الآخرين، تعلن الحرب من أجلها غير مكترث بواجب وحرام، لا بدين وشريعة. ومن كان هذا شأنه نسي الموت‏و ما بعده، اختطفه على حين غرة، ذهب به الى خالقه بلا زاد واستعداد.

19

أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلا ويدالله بيده يرفعه.


المراد بذوي المروءات كل من يأنف من القبيح، ينزه نفسه عما يشين، يتغافل عن زلل الاخوان، قال بعض السلف رأيت المعاصي مذلة، فتركتها مروءة.أما العثرات فالمراد بها بعض الهفوات والسقطات التي لا يخلو منها إلا من‏عصم ربك، المعنى تجاهلوا هفوة من كريم.. وأي الرجال المهذب؟. ولا يقيم‏الحد من كان لله عليه حد، كما قال الإمام أمير المؤمنين، قال السيد المسيحمن كان منكم بريئا فليرمها بحجر.يريد الزانية.

(ويد الله بيده يرفعه) أي انه تعالى يتداركه برحمته، ذلك بأن يهيى‏ء له‏أسباب التكفير عن هفوته وعثرته بالتوبة وبأية فضيلة من الفضائل إن‏ الحسنات يذهبن السيئاتـ114   هود.

20

قرنت الهيبة بالخيبة، الحياء بالحرمان. والفرصة تمرمر السحاب فانتهزوا فرص الخير.


الخوف من الله حتم، هو مقام الربانيين، الخوف من القول والفعل بلا علم‏حسن وجميل، هو من صفات العلماء والمتقين، كل خوف ما عدا هذين فهو جبن وخور.

فأقدم على ما يطمئن اليه قلبك، ان قال الناس وقالوا.. وان أحجمت خوفا من قيلهم وقالهم عشت حياتك سلبيا فاشلا..على أنك لا تسلم من ألسنة الناس‏و ان حذرت منها ومنهم.. وأحمد الله سبحانه الذي عافاني من هذا الداء، لو شاء لفعل. وتقدم الكلام عن ذلك في الحكمة رقم 2 عند شرح قوله "الجبن‏ منقصة".

(والحياء بالحرمان).الحياء من فعل ما لا يقره عقل ولا دين، تأباه‏الكرامة والمروءة هو من الدين في الصميم، سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، خلق من خلق الأباة والسراة، أما الحياء من الحلال، بخاصة ما ينفع الناس‏فهو عجز وخوف، خنوع واستكانة، خلق من خلق الضعفاء والجبناء.

وهذا النوع من الخوف هو مراد الإمام، من أقواله "تكلموا تعرفو" ومن الأمثال العامة  "لا ينجب أولادا من يستحي من زوجته".

وبهذه المناسبة نشير الى ما قيل في تفسير هذا الحديث "مما ادرك الناس‏من كلام النبوة إذا لم تستح فافعل ما شئت". قيل في تفسيره إذا لم تستح من الله والناس فافعل ما بدا لك من حلال وحرام، حسن وقبيح. وهذا المعنى‏ معروف بين الناس. وقيل معناه إذا لم يكن في الفعل ما تستحي منه فافعله، لا بأس عليك. وكل من المعنيين صحيح يتحمله لفظ الحديث.

أما فرص الخير فإنها تمر من السحاب، كما قال الإمام، اغتنامها سعادة وكرامة، فواتها حسرة وندامة. ولا أرى مثيلا لمن أضاع الفرصة إلا منكر الجميل. هذا أخذ ولم يشكر، ذاك رفض ما يستوجب الشكر، كل مقصر.

وتقدم الكلام عن ذلك في الرسالة.30

21

لنا حق فإن أعطيناه وإلا ركبنا أعجاز الإبل وإن طال ‏السرى.


الراكب اعجاز الإبل هو الرديف أي الراكب خلف الراكب. والسرى:  سير الليل، المراد به هنا طول الأمد. ولا خلاف بين أحد في ان الإمام كان يرى أنه‏أحق بالخلافة من جميع الصحابة دون استثناء، انه احتج لحقه هذا بالحسنى، أقواله في النهج وغير النهج صريحة في ذلك. وقال هن: ان أعطي هذا الحق‏عن رضا وطيب نفس فذاك، إن زاحمه عليه مزاحم صبر ولا يثير حربا حتى‏و لو جاء رديف، بل ورابع، طال الأمد سنوات وسنوات..لا لشي‏ء إلاحرصا على مصلحة الاسلام والمسلمين، خوفا من الفتنة وانشقاق الكلمة. وهذا ما حدث بالفعل.

وقيل: يجوز أن يكون مراد الإمام انه اذا لم يحصل على حقه في الخلافة ركب الصعاب من أجله. وهذا المعنى قريب من دلالة اللفظ، بعيد عن الواقع، لأن الإمام ما زاد شيئا عن النقاش والجدال بالتي هي أحسن.أما تفسير الشريف‏الرضي بالذل فأبعد من بعيد، لأن الله ورسوله يأبى الذلة لأهل البيت.

22

من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.

ليست الفضيلة بالمال والأنساب، بل بالعلم والعمل. ولا فرق بين أعمى بصر يعتمد على عص، أعمى بصيرة يعتمد على عظام المقابر. وصدق الله العظيم: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكمـ13 الحجرات.

23

من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس‏عن المكروب.


التنفيس عن المكروب عطف تفسير على إغاثة الملهوف. والصدقة عامة وخاصة كما أشرنا في شرح الحكمة 6 وكلام الإمام هنا عن الخاصة، من أمثلة الملهوف‏مريض لا يملك أجرة الطبيب وثمن الدواء، ذو عيال وأطفال يعجز عن قوتهم‏و نفقتهم، مدين لا سبيل له الى الوفاء، مظلوم لا يجد المعين على ظالمه إلا الله.

ولكل واحد من هؤلاء ومن اليهـكبد حرى لاهفة تائهة لا تدري ما الحيلةو الوسيلة؟فمن رد لهفته، رحم حيرتها صفح الله تعالى العظيمات من سيئاته وكان في‏عونه دنيا وآخرة. وفي الحديث: من لا يرحم لا يرحم. وقال الإمام: كما تدين تدان، كما تزرع تحصد.

24

يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه‏و أنت تعصيه فاحذره.


تكرر هذا المعنى في كلام الإمام بأساليب شتى، أيضا يأتي قوله:  "كم من‏ مستدرج بالإحسان اليه، مغرور بالستر عليه". والقصد الأول والأخير التحذير من معصية الله والركون الى الدنيا وزينتها.

وتسأل: لقد رأينا الكثير يزدادون طغيانا كلما ازدادوا مالا وجاه، مع هذا يمضون بلا مؤاخذة.. ولا يتفق هذا مع التخويف من العقوبة؟.

الجواب: المراد هنا التحذير من عذاب الآخرة، هي أشد وأخزى من آلام‏الدنيا وضرباتها.قال سبحانه: انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار42ابراهيم. وبكلمة:  ان الله يمهل ولا يهمل.

25

ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه.


للتعبير عما في النفس العديد من الوسائل، منها اللفظ والكتابة والإشارة، منها الرقص والرسم والألحان، منها نظرات العين، ابتسام الفم وصفحات‏الوجه والعبوس والدموع، حتى الميني جوب وشعر الخنافس بل والصمت أيضا بعض‏الأحيان من وسائل التعبير.. وبالأولى فلتات اللسان.

وقال أديب شهير: يستحيل إخفاء الحقيقة، لأن قانون الفعل يقابله قانون‏رد الفعل، ان هذا القانون يطبق في المجال النفسي كما يطبق في المجال الميكانيكي، عليه فإن فعل الإخفاء يصطدم برد فعله، هو الإظهار بأسلوب وبآخر، بالتالي من وضع ستارا على الواقع هتكه رد فعله لا محالة.

26

إمش بدائك ما مشى بك.


اذا أحسست بفتور وألم فلا تسرع الى الطبيب، تخلد الى الفراش، بل‏اصبر وتجلد ما استطعت وامض في عملك، فربما كان الحادث طارئا لا يلبث أن‏يزول، متى عجزت عن الحركة فاخلد الى الراحة وخفف الطعام، لا تلجأالى الطبيب إلا عند الضرورة.. ومعنى هذا ان الإمام لا يشير باستعمال الدواء إلا للمضطر الذي لا يجد وسيلة الى الشفاء إلا به، لأن الدواء ان أفاد من جهة أضر من‏جهة ثانية. وتقدم قوله في الرسالة 30:  "ربما كان الدواء داء". وفي مستدرك‏النهج، عن الإمام انه قال: لا يتداوى المرء حتى يغلب مرضه صحته. وقرأت‏عن المعمرين أن أكثرهم لا يعرف طبيبا ولا دواء.

وقال بعض الشارحين: أوصى الإمام في حكمته هذه بالصبر على كل مكروه‏ما دام الصبر ممكنا! والرضا بمنطق الواقع حسن، لكن بعد الجهاد وإفراغ‏الوسع.

27

أفضل الزهد إخفاء الزهد.


في الخطبة 79 حدد الإمام الزهد بقوله:  "الزهادة قصر الأمل، الشكرعند النعم، التورع عن المحارم". وفي الخطبة 32 قسم الناس إلى أصناف، منهم من طلب الدنيا فنفرت منه، بعد اليأس تحلى باسم القناعة، تزين بلباس ‏الزهادة. وإذا عطفنا قوله هن: أفضل الزهد إخفاء الزهد، عطفناه على ماتقدم ـنتج معنا أن الزاهد حقا وصدقا هو الذي أرادته الدنيا فأعرض عنه، اذا أخفى ذلك عن الناس فقد أضاف فضلا الى فضل، زاده الله أجرا على أجر.

أما طريق الإخفاء فهو أن يلبس للناس المألوف لأمثاله، لا يتحدث عن‏زهده، ان حضر مائدة فيها ما لذ وطاب، أكل كأحد الحاضرين دون أن‏يشعروا أنه من الزاهدين.

28

إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى.


المراد بالإدبار هنا مضي الأيام من العمر، بإقبال الموت أنه آت في أجله‏لا يتقدم عليه، لا يتأخر عنه، المعنى أنت مسرع الى الموت فاستعد له.

وفي الرسالة 30 "من كانت مطيته الليل والنهار يسار به وان كان واقف، يقطع‏ المسافة وان كان مقيم".

29

الحذر الحذر، فو الله لقد ستر حتى كأنه قد غفر.


الى متى تتمادى في غيكـأيها العاصي ـ أتظن أنك مهمل ومغفول عنك، مغفور لك؟ كل، انه تعالى يمهل ولا يهمل، ما سكت عنك إلا امتحان الك، رحمة بك عسى أن تثوب إلى رشدك وعقلك. وتقدم مثله مرار، آخرها في الحكمة.24

30

الإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد.


والصبر منها على أربع شعب:
على الشوق والشفق والزهد والترقب.فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، من أشفق من النار اجتنب المحرمات، من زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، من‏ارتقب الموت سارع إلى الخيرات.

واليقين منها على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، تأول الحكمة، موعظة العبرة، سنة الأولين.فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة، من تبينت‏له الحكمة عرف العبرة، من عرف العبرة فكأنما كان في الأولين.

والعدل منها على أربع شعب: على غائص الفهم وغور العلم، زهرة الحكم، رساخة الحلم.فمن فهم علم غور العلم، من‏علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم، من حلم لم يفرط في‏أمره وعاش في الناس حميدا.

والجهاد منها على أربع شعب: على ‏الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الصدق في المواطن، شنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهور المؤمنين، من‏نهى عن المنكر أرغم أنوف المنافقين، من صدق في المواطن قضي‏ما عليه، من شنى‏ء الفاسقين وغضب لله غضب الله له وأرضاه يوم ‏القيامة.

كل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله يسمى مسلم، تجري عليه أحكام الإسلام، كالإرث والزواج والدية سواء أنطق بهذه الشهادة عن علم أم جهل، عن صدق أم نفاق.. وفي صدر الاسلام كانت كلمت: المؤمن والمسلم مترادفتين ومتقاربتين في المعنى، قد أطلق القرآن كلمة المؤمنين‏على المسلمين، خاطب الجميع بيا أيها الذين آمنوا في العديد من آياته.

وهناك آية تشترط في المؤمن الحق معرفة القلب، خشوعه لذكر الله، خوفه‏منه، توكله عليه مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، هي قوله تعالى: ﴿انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايماناو على ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون‏حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريمـ4 الأنفال.

وفي معنى ‏هذه الآية وقريب منه قول الإمام:  الايمان معرفة بالقلب، إقرار باللسان، عمل بالأركان.

ووجه الجمع بين هذه الآية وغيرها من الآيات التي أطلقت كلمة المؤمن على‏كل من نطق بالشهادتين هو ان هذا الناطق يعامل في الدنيا معاملة المسلم لمجرد النطق وكفى، في الآخرة يعامل على أساس القول والعمل مع، لا يكتفى منه‏ب مجرد النطق. ومهما يكن فإن الإمام هنا لا يتكلم عن الايمان من حيث هو وعلى‏وجه العموم والشمول، بل عن ايمان خاص يأتي بعد العصمة من غير فاصل بدليل‏انه جعل العدل من دعائمه، ليس من شك ان الايمان أعم، العدل أخص.

وهذا الايمان الذي يتكلم عنه الإمام يقوم على أربع دعائم، هي:

1ـ الصبر،
له أربع علامات : الأولى الشوق الى رحمة الله وجنته. ومن‏ البداهة أن من تطلعت نفسه الى نعيم الآخرة انصرف بجميع كيانه عن الدنيا وزينتها.

الثانية الشفق أي الخوف من عذاب النار، من خاف من شي‏ء ابتعد عما يؤدي ‏اليه.العلامة الثالثة اللامبالاة بالدنيا وأشيائه، أقبلت أم أدبرت، سالمت أم‏حاربت.الرابعة العدة والتأهب للموت بالتقوى والعمل الصالح.

2ـ اليقين الصادق الثابت،
أيضا له أربع علامات: الأولى الثقة بكل ما يصدر عنه، كما قال الإمام في الرسالة 61: "اني لعلى بصيرة من نفسي ويقين‏من ربي". وفي الخطبة 4:  "ما شككت في الحق مذ أريته". الثانية معرفة الحقائق على وجهه، كتنزيه الباري عن المادة والزمان والمكان والتشبيه والتعطيل‏و الجهل والظلم، كالعلم بالشريعة وأسرارها وبالبدع وآثارها.العلامة الثالثة الاتعاظ بالعبر والانتفاع بالنذر.الرابعة العمل بسنة السلف الصالح.

3- العدل،
علاماته أربع: الأولى(غور العلم) أي أسراره ودقائقه.

الثانية (غائص الفهم) أي تطبيق العلم على موارده، لا يكفي مجرد الحفظ والاطلاع، القدرة على الجدل واستخدام البراهين.العلامة الثالثة (زهرة الحكم) وهي وضوحه لكل الناس في الفصل بين الحق والباطل. الرابعة (رساخة الحلم) بحيث إذا غضب العادل فلا يخرجه الغضب من الحق ولا يدخله في الباطل.

4- الجهاد،
له أربع علامات: الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الصبر والثبات في ميدان القتال، كراهية الظلم والفساد.

وكل هذه الدعائم التي ذكرها الإمام، العلامات لكل دعامة ـ تدل دلالة قاطعة على أنه يتحدث عن الإيمان الكامل المتاخم للعصمة، كما أشرنا.

31

الكفر على أربع دعائم:
على التعمق والتنازع والزيغ‏و الشقاق، فمن تعمق لم ينب إلى الحق ومن كثر نزاعه بالجهل دام‏عماه عن الحق. ومن زاغ ساءت عنده الحسنة وحسنت عنده السيئة وسكر سكر الضلالة. ومن شاق وعرت عليه طرقه وأعضل عليه‏أمره، ضاق عليه مخرجه. والشك على أربع شعب: على التماري‏و الهول والتردد والاستسلام، فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح‏ليله. ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه. ومن تردد في‏الريب وطئته سنابك الشياطين. ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة هلك فيهما.

للكافر عند المسلمين أصناف، منها أن يجحد الخالق من الأساس، يؤمن‏به وينكر اليوم الآخر، يؤمن بهما معا وينكر نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ومنها أن‏يجعل مع الله إلها آخر، ينسب اليه صاحبة وولد، منها أن يغالي في مخلوق‏و ينعته بصفة من صفات الخالق، ينصب العداء لأهل بيت الرسول صلى الله عليهم وآله وسلم، منها أن ينكر ضرورة دينية ثبتت بإجماع المسلمين، كوجوب الصوم والصلاة، تحريم القتل والسلب والنهب. وأشار الإمام الى أصناف الكافر بقوله: (الكفر على أربع دعائم) وهي.

1ـ التعمق،
المراد به اقتحام السدود المضروبة دون الغيب كالبحث عن‏ذات الله سبحانه وكنهه، تقدم ذلك في شرح الخطبة 89، جاء فيه:  "إن‏ا لراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدود المضروبة دون الغيوب‏ الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علم، سمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن‏كنهه رسوخ".

2ـ  التنازع،
أي الجدال في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، كمافي الآية 8 من سورة الحج.

3ـ الزيغ،
هو الانحراف عن الحق الذي يشمل الجحود بالله والنصب‏ والمغالاة.

4ـ الشقاق،
أي إنكار الحق عنادا ومكابرة، يصدق هذا فيما يصدق على‏ منكر الضرورة.

(فمن تعمق لم ينب الى الحق) المراد بلم ينب لم يرجع، المعنى من بحث‏عن ذات الله وكنهه يبقى حائرا مدى عمره، لا يرجع الى رشده إطلاق، لأن‏المحدود لا يدرك غير المحدود (ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق)لا شي‏ء وراء الجدال والنقاش بالجهل إلا الحيرة والضلال، أما الجدال مع العلم‏بالحق وإخفائه فهو نفاق وكذب متعمد (ومن زاغ الخ)..عن طريق الهدى رأى الخير شر، الشر خير (ومن شاق الخ)..أي تمرد على الحق فقدركب الصعب وسلك مسالك التهلكة، لن يجد فرجا ولا مخرجا.

(والشك على أربع شعب): الأولى التماري، معناه الجدال بلا تعمق، المراد به هنا السفسطة واللعب بالألفاظ البراقة التي تريك المستحيل ممكن، الممكن‏مستحيلا.الثانية الهول، أي الخوف من الوقوع في الخط، الخائف ينفر من‏خياله، يحسبه عدوا جاء لاغتياله.الثالثة التردد في العزم والنية، من كان‏هذا حاله لا يأتي بخير.الرابعة الاستسلام لكل راكب وقائد الى الهلاك والدمار.

32

فاعل الخير خير منه، فاعل الشر شر منه.


كل

12-11-2011 عدد القراءات 8783



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا