20 أيلول 2017 الموافق لـ 29 ذو الحجة 1438
En FR

العقيدة الإسلامية :: أدلة المعاد

إثبات المعاد



المقدمة
إن الإعتقاد بالمعاد، وإحياء الناس جميعاً في عالم الآخرة، من أهم الأصول العقائدية في جميع الأديان السماوية. وقد أكد الأنبياء كثيراً على هذا الأصل، وتحملوا الكثير من المتاعب والتحديات في سبيل ترسيخ هذه العقيدة في النفوس وتثبيتها. وقد آعتبر القرآن الكريم الاعتقاد بالمعاد عدلاً وقريناً للاعتقاد بالتوحيد، واستخدم في ما يتجاوز العشرين آية كلمات (الله) و(اليوم الآخر)، أحدهما في سياق الآخر، (اضافة إلى ان القرآن الكريم تحدث عن شؤون الآخرة وأخبارها في أكثر من ألفي آية في سوره المختلفة).

 نذكر في هذا المقال دليلين عقليين على ضرورة المعاد

برهان الحكمة
إن خلق الإنسان ليس عبثاً، وبلا هدف وغاية، بل إن حب الخير والكمال الذي هو عين الذات الإلهية قد تعلق أصالة بالذات نفسها وتعلق تبعاً بآثارها التي لها مراتب ودرجات من الخير والكمال، ومن هنا خلق العالم بالصورة التي يترتب عليها أكثر ما يمكن من الخير والكمال، وعلى هذا الأساس تثبت صفة الحكمة، ومقتضاها أن تصل المخلوقات إلى غايتها وكمالها اللائق والمناسب لها. ولكن بما أن العالم المادي عالم التزاحم، حيث تتعارض وتتصادم خيرات الموجودات وكمالاتها فيما بينها، فإن مقتضى التدبير الإلهي الحكيم أن تنظم الموجودات بالصورة التي يترتب عليها جميعا أكثر ما يمكن من الخيرات والكمالات، وبعبارة أخرى: أن يملك العالم النظام الاحسن، ومن هنا، نظمت ونسقت أنواع العناصر وكميتها وكيفيتها وتفاعلاتها وحركتها بصورة تتوفر معها الارضية والظروف المناسبة لإيجاد وخلق النباتات والحيوانات، وأخيرا، تتوفر الأرضية الملائمة لخلق الإنسان  أكمل الموجودات في هذا العالم .

وأما إذا كان خلق العالم المادي قد تم بصورة يمتنع معها وجود الكائنات الحية أو رشدها ونموها، فإن ذلك سيكون خلاف الحكمة.

ونضيف هنا: مع ملاحظة أن الإنسان يمتلك الروح القابلة للبقاء، ويمكنه الحصول على الكمالات الأبدية الخالدة، تلك الكمالات التي لا يمكن مقارنتها بالكمالات المادية من حيث الدرجة والقيمة الوجودية، بل تفضل عليها وتتفوق بكثير، فاذا تحددت حياته بهذه الحياة الدنيوية، فإن ذلك لا يتلاءم مع الحكمة الإلهية، وخاصة مع ملاحظة إقتران الحياة الدنيوية بالمتاعب والمشاق والمصاعب الكثيرة، ولا يمكن الحصول على لذة غالبا بدون معاناة ومشقة وتعب بحيث توصل الخبراء لهذه النتيجة، بان الحصول على تلك اللذات الضئيلة لا يساوي شيئا تجاه المتاعب والمصاعب التي يتحملها الإنسان في سبيل الحصول عليها، ومن هنا ولد الإتجاه للعبثية، بل إتجه بعض الناس للإنتحار بالرغم من وجود الرغبة الفطرية الملحة بالبقاء والحياة.

حقاً اذا تحددت حياة الإنسان بذلك، يعاني المتاعب دائماً، ويعالج المشاكل الطبيعية والإجتماعية، ليقضي بعد ذلك لحظات من المتعة واللذة، ثم بعد ذلك، يغرق في النوم نتيجة لإرهاقه وتعبه. وبعد فترة استراحته، ينهض من جديد، ليواجه مرة أخرى تلك المتاعب والمشاكل، فيبذل اقصى جهوده من اجل الحصول على لقمة العيش، ثم يتمتع للحظات قليلة بتناولها، وبعد ذلك لا شي‏ء.

إن مثل هذه الحياة الروتينية الرتيبة المرهقة والباعثة على الملل والسأم، لا يرتضيها العقل، ولا يفتي بإختيارها ويمكن أن نشبه هذه الحياة بأفضل أشكالها، بذلك السائق الذي يقود سيارته إلى محطة وقود ليملأ سيارته منها وبعد ان يستخدمه في حركتها يواصل مسيره إلى محطة أخرى وهكذا دواليك، حتى تنهار قوى سيارته وتتعطل وتصطدم بسيارة أخرى أو شي‏ء آخر وتتحطم! ومن البديهي: فإن من غرائز الإنسان الأصيلة حب البقاء والخلود، أودعتها يد الخلق الإلهية في فطرة الإنسان، وهي تعتبر قوة محركة دافعة تسوقه للأبدية، وتحثه دائماً على متابعة حركته، ولو إفترضنا أن مصير هذا المتحرك، وفي ذروة تحركه ونشاطه، ليس إلا الإرتطام بصخرة صماء، ثم يتلاشى ويتحطم، فكيف يتلائم ايجاد مثل هذه القوة المحركة مع هذا المصير والغاية؟! إذن، فوجود مثل هذا الميل الفطري انما يتلائم مع الحكمة الإلهية فيما لو وجدت حياة أخرى غير هذه الحياة المحكوم عليها بالموت والفناء.

والحاصل
من خلال ضم إحدى هاتين المقدمتين إلى الأخرى اي الحكمة الإلهية وإمكان الحياة الإبدية للإنسان نتوصل الى هذه النتيجة وهي: انه لا بد من وجود حياة أخرى للانسان وراء هذه الحياة الدنيوية المحدودة القصيرة، حتى لا تتنافى حياته مع الحكمة الإلهية.

ويمكن إعتبار هذا الميل الفطري للأبدية والخلود مقدمة أخرى نضمها للحكمة الإلهية، لنؤلف من خلال ذلك برهاناً آخر على هذه الحقيقة. واتضح من خلال ذلك أيضاً: أن الحياة الإبدية للإنسان لا بد من أن يكون لها نظام آخر، وليست كالحياة الدنيوية مستلزمة للمتاعب الكثيرة، والا فإن آستمرار هذه الحياة الدنيوية بكل مستلزماتها ومتاعبها، حتى لو كانت مؤبدة خالدة لا يتلاءم مع الحكمة الإلهية.

برهان العدالة
إن الناس أحرار في هذا العالم في اختيار وممارسة الأعمال الحسنة أو السيئة. فمن جانب، نلاحظ بعض الأفراد يقضون أعمارهم كلها في عبادة الله وخدمة عباده، ومن جانب آخر نلاحظ بعض الأشرار والمجرمين يرتكبون  من اجل الوصول لنزواتهم واطماعهم الشيطانية  أبشع أنواع الظلم وأفظع ألوان الذنوب، بل إن الهدف من خلق الإنسان في هذا العالم، وتجهيزه بأنواع الميول المتضادة، وبقوة الإرادة والإختيار، وبأنواع المعارف العقلية والنقلية وتوفير الأجواء والظروف للأفعال المختلفة، وجعله على مفترق طريقين، الحق والباطل، والخير والشر، الهدف من ذلك كله ان يكون معرضا للإختبارات والإبتلاءات العديدة، وليختار مسير تكامله بإرادته وإختياره، حتى يصل إلى نتائج أفعاله الإختيارية، وثوابها أو عقابها. وفي الواقع إن الحياة الدنيوية بكاملها جعلت للإنسان دار إبتلاء وإختبار، وبناء لهويته الإنسانية، وحتى في اواخر لحظات حياته وعمره، لا يعفى من هذا الإمتحان والتكليف وممارسة الوظائف.

ولكننا نرى ان الأخيار والأشرار لا يصلون في هذه الدنيا إلى الثواب والعقاب الملائم لأعمالهم، بل اننا نرى الكثير من الأشرار والمجرمين يتوفرون أكثر من غيرهم على النعم والملذات، والملاحظ أن الحياة الدنيوية لا تستوعب الثواب أو العقاب على الكثير من الأعمال والتصرفات. فمثلا: ذلك المجرم الذي قتل آلاف الابرياء لا يمكن الاقتصاص منه في هذه الدنيا إلا مرة واحدة وبطبيعة الحال سوف تبقى الكثير من جرائمه بدون عقاب مع أن مقتضى العدل الالهي ان يرى حتى من ارتكب اقل الأعمال الحسنة أو السيئة نتائجها وجزائها.

إذن. فكما أن هذا العالم دار إختبار وتكليف، فلابد من وجود عالم آخر، يعتبر دار ثواب وعقاب، وظهور نتائج الأعمال فيه، ليصل كل فرد إلى ما يتلائم وأعماله، لتتجسد العدالة الإلهية عمليا وحسيا بذلك قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ* قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمّ‏َ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ(السجدة:10-11)!. ومن خلال ذلك يتضح أيضا بأن عالم الآخرة ليس عالم إختيار الطريق أو ممارسة التكاليف.

*دروس في العقيدة الاسلامية ،إعداد ونشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية.ط1،ص231-235

03-08-2009 عدد القراءات 7582



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا