24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: أدلة المعاد

المعاد يعطي الحياة مفهومها



إذا تصّورنا هذا العالم بدون العالم الآخر لظهر لنا أنَّ عالمنا فارغ ولامعنى له. إنه أشبه ما يكون بافتراض دورة حياة الجنين بدون خروجه من تلك الحياة الى هذه الحياة الدنيا.

إنَّ الجنين الذي يعيش في رحم اُمّه، ويقضي في هذا السجن الضيق والمظلم شهوراً عدة، ليأخذه العجب حقّاً لو أنَّه اُوتي عقلاً وحكمة ليتفكر بهما في أمره وكونه في سجنه ذاك.

لماذا أنا حبيس في هذا السجن المظلم؟

لماذا علي أنْ أخوض في هذه المياه والدماء؟

ما نتيجة ذلك؟

من الذي أرسلني؟ ولماذا؟

أما إذا قيل له: إنَّك تقضي هنا فترة مؤقتة، تتشكل فيها اعضاؤك، فتقوى، وتصبح قادراً على الحركة والسعي في عالم كبير آخر، وإنَّ قرار خروجك من هذا السجن سوف يصدر بعد انقضاء تسعة أشهر، فتضع قدمك في دنيا فيها شمس ساطعة، وقمر منير، واشجار خضر، ومياه جارية، وكثير من النعم الاُخرى، عندئذ سيتنفس الجنين الصعداء ويقول: الآن أدركت الحكمة من وجودي في هذا السجن!

فهذه الدّنيا مقدّمة، إنَّها منصة القفز، إنَّها المدرسة التي تعدّ المرء لدخول الجامعة الكبيرة.

أما إذا قطعت علاقة حياة الجنين بالحياة في هذه الدنيا، لغرق كل شيء في الظلام ولم يعدله أي معنى، ولكان السجن رهيباً ومستقبل السّجين أليماً.

كذلك هي العلاقة بين الحياة في هذه الدنيا والحياة بعد الموت. ما الداعي الذي يدعونا أنْ نظل نتقلب في هذه الدنيا سبعين سنة، أو أقل أو أكثر، متحملين العذاب والعناء، نقضي فترة اُخرى ندرس ونتعلم، وما أنْ تنتهي مرحلة النضج والتعلم حتى نجد ثلوج الكهولة قد حطت على رؤوسنا!

ثم ما الهدف من كل هذا؟ ألكي نأكل ونلبس وننام، ثم لكي نكرر هذا عشرات السنين؟ أفهل هذه السماء الشاسعة. وهذه الارض الواسعة، وكل هذه المقدمات والدرس واختزان المعلومات والتجارب، وكل هؤلاء الاساتذة والمربين، لم يكونوا إلاّ للأكل والشرب واللبس في هذه الحياة المنحطة المتقززة؟


هنا تتأكد عبثية هذه الحياة وفراغها عند اولئك الذين لا يؤمنون بالمعاد، لأنَّهم لا يمكن أن يتصوروا هذه الأمور التافهة هي الهدف والغاية من الحياة، وهم في الوقت نفسه لا يعتقدون بوجود حياة بعد الموت حتى تكون هي الغاية.

لذلك نجد أنَّ كثيراً من هؤلاء يلجأون الى الانتحار للخلاص من حياة عديمة المعنى والهدف.

أمّا إذا صدّقنا أنَّ الحياة "مزرعة" الآخرة، وأنَّ علينا أنْ نباشر بالبذر هنا حتى نحصد الغلة في حياة أبدية خالدة. وإذا علمنا أنَّ الدّنيا "جامعة" علينا أنْ نكتسب منها المعرفة لنعد أنفسنا للعيش في دنيا خالدة، وأنَّ هذه الدنيا ليست سوى "جسر" للعبور. عندئذ لا تكون هذه الدنيا فارغة ولا عبثاً لا معنى له، بل سوف نراها فترة تمهيدية اعدادية لحياة خالدة وأبدية تستحق منّا أكثر من كل هذا الذي نبذله من أجلها.

نعم، إنَّ الايمان بالمعاد يمنح الحياة معنى ومفهوماً، ويخلصها من "الاضطراب" و"القلق" و"العبثية".

الايمان بالمعاد عامل تربوي
إنَّ للاعتقاد بوجود محكمة العدل العظمى في الآخرة تأثيراً كثيراً في الحياة، بالاضافة الى ما سبق قوله.

إفرض أنَّهم أعلنوا في البلاد أنَّه إذا ارتكب الناس أي جرم في اليوم الفلاني من السنة فلن يعاقبوا ولن يذكر ذلك في صحيفة أعمالهم، وأنَّ لهم أنْ يقضوا يومهم بكل اطمئنان، لأنَّ رجال الشرطة سوف يكونون في اجازة، وسوف تتعطل المحاكم، وعندما تعود الحياة العادية الى مجراها الطبيعي في اليوم التالي فإنَّ جرائم اليوم السابق سوف تنسى.

لكم أنْ تتصوروا كيف سيكون حال المجتمع في ذلك اليوم!

إنَّ الايمان بيوم القيامة هو الايمان بدار عدالة عظيمة لا يمكن مقارنتها بمحاكم هذه الدنيا.

أمَّا خصائص محكمة العدل الإلهية فهي
1- إنَّها محكمة لا تتأثر بالوساطات، ولا بالمحسوبيات ولا ينخدع قضاتها بالأدلة المزيفة.

2- إنَّها محكمة لا تحتاج الى المراسيم والتشريفات السائدة في محاكم الدنيا، ولذلك فليس فيها تأجيلات وتأخيرات، بل تنظر في القضايا بسرعة البرق وتصدر احكامها بمنتهى الدّقة.

3- إنَّها محكمة لا تستند إلاّ الى أعمال الشخص نفسه، أي إنَّ الاعمال تحضر هناك وتثبت علاقتها بفاعلها بحيث لا يمكن انكارها.

4- إنَّها محكمة، الشهود فيها أعضاء المتهم: يده ورجله واذنه وعينه ولسانه وجلده، وحتى أرض الدار وأبوابها وجدرانها حيث ارتكب معصية أوأدى فروض الطاعة، وهم شهود لا يمكن انكارهم كآثار أعمال الانسان الطبيعية.

5- إنَّها محكمة قاضيها هو الله العليم بكل شيء، والغني عن كل شيء، والعادل الذي لا يضاهي عدله عادل.

6- وأخيراً، الجزاء في هذه المحكمة ليس محدداً من قبل، بل أكثر ماتحدده أعمالنا نفسها، إذ إنَّها تتشكل وتستقر الى جانبنا، فتعذبنا أوترفه عنا وتغرقنا في نعم الله.

إنَّ الايمان بوجود محكمة كهذه يؤدي بالانسان الى أنْ يردد ماقاله الامام علي عليه السلام: "والله لأنَّ أبيت على حسك السعدان مسهداً، أوأجر في الاغلال مصفداً، أحبّ اليَّ من أنْ ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء، من الحطام..."1.

إنَّ الايمان بهذه المحكمة هو الذي يحمل انساناً أنْ يقرب حديدة محماة الى يد أخيه الذي كان يرغب بالمحاباة في بيت المال وعندما يرتفع صراخ الاخ يوجه اليه النصيحة قائلا: "ثكلتك الثواكل ياعقيل! أتئن من حديدة احماها انسانها للعبه، وتجرني الى نار سجرها جبارها لغضبه...".

أيمكن أنَّ ينخدع انسان له مثل هذا الايمان؟

أيمكن بالرشوة ابتياع ضمير انسان كهذا؟

أيمكن بالوعد والوعيد حرف مسيرته من طريق الحق الى طريق الباطل؟

يقول القرآن المجيد: ﴿وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرى المُجْرِمِيْنَ مُشْفِقِيْنَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيلَتَنا مالِ هَذَا الكِتَابِ لايُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيْرَةً إلاّ أحْصَاها...(الكهف:49).

وهكذا تنبعث في روح الانسان موجة قوية من الاحساس بالمسؤولية ازاء كل عمل من أعماله تحول بينه وبين الضياع والانحراف نحو الظلم والعدوان.

*سلسلة دروس في العقائد الاسلامية،آية الله مكارم الشيرازي ،مؤسسة البعثة،ط2.ص292-297


1- نهج البلاغة، الخطبة 224.

29-07-2009 عدد القراءات 6956



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا