20 أيلول 2017 الموافق لـ 29 ذو الحجة 1438
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: مقدمات في الأخلاق

المذاهب الأخلاقيّة



يوجد في علم الأخلاق مذاهبٌ كثيرةٌ، إنحرف أكثرها، وآلَ بها الأمر إلى مُخالفة الأخلاق، فمعرفتها ليس بالأمر الصّعب وخصوصاً في ظِلّ الهدي القُرآني فيقول القرآن الكريم: ﴿وأنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفِرَّقَ بِكُم عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمُ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ(الأنعام:153).

فأتت هذه الآية، بعد ذكر قسمٌ مهمٌّ من العقائد والبرامج العمليّة والأخلاقيّة في الإسلام، وقد تضمنّت عشرة أوامر إسلاميّة، جاءت لِتوصي المسلمين بأن يتحركوا في العقيدة في خط الإستقامة، بعيداً عن السّبل الاُخرى التي تورثهم الفُرقة والإنحراف، عن خطّ الإيمان بالله تعالى.

المذاهب الأخلاقيّة مثلها مِثلُ سائر المناهج الفردية الإجتماعية، فهي تستمد اُصولها من النّظرة الكليّة لمفهوم العالم، وهذان المفهومان:

"الأخلاق والنظرة الكونية"، منسجمان ومرتبطان مع بعضهما بصورة وثيقة جدّاً، فالّذين يفصلون: "معرفة العالم"، النظريّة عن الأخلاق والأوامر والنواهي الأخلاقية للعقل العملي، وينكرون أية علاقة بينهما، إنطلاقاً من أنّ معرفة العالم والكائنات الطبيعيّة تعتمد على الدلائل المنطقيّة والتجربيّة، والحال أنّ "الأوامر" و"النّواهي" الأخلاقية، هي سلسلة من القضايا تحكم السّلوك، فهؤلاء أغفلوا نقطةً مهمةً، ألا وهي أنّ الأوامر الأخلاقيّة تصبح حكيمةً، إذا ما كوّنت لها علاقةً بالعالم الخارجي، وإلاّ فستكون اُموراً اعتباريةً فارغةً وغير مقبولة، ويوجد هنا أمثلةٌ واضحةٌ تبيّن المطلب بصورة جيّدة:

عندما يُصدر الإسلام حكماً بـ: "حرمة شرب الخمر"، وفي القوانين الدوليّة: حول "خطر المخدرات"، فهذه أوامر إلهيّة وبشريّة إستمدت اُصولها من سلسلة الكائنات الواقعيّة، لأنّ الحقيقة المحضة أنّ الشّراب والمخدّرات لها أثر تخريبي خطر على روح وجسم الإنسان، فلا يسلم من تأثير هذه المواد الضّارة والمدمّرة أيّ إنسان، وهذه الحقيقة هي سبب لذلك (الأمر)، و(النّهي).

وعندما نقول أنّ الأحكام الإلهيّة ناشئة من المصالح والمفاسد فإنّنا بالضّبط نستوحي ذلك من خلال القاعدة التي تقول: "كلّما حكم به العقل حكم به الشّرع"، وهي أيضاً تُقرر وجود علاقة وثيقة بين الواقع والأحكام: (الأوامر والنّواهي).

فما يُشرّع من قوانين في المجالس التّشريعيّة البشريّة، ودراسة عواقبها الفرديّة والإجتماعيّة ووضع القوانين على أساسها، يصب في نفس ذلك المصب بالضّبط.

وخلاصة القول: أنّه من الُمحال على الحكيم أن يصدر حكماً بعيداً عن الواقعيات في حياة البشر، وإلاّ فلن يكون قانوناً بل هولَغوفي لَغو، ولأنّ الواقع هوواحد لا أكثر، فمن الطّبيعي أن يكون الطريق الصّحيح والمستقيم والقانون الأمثل واحد لا غير، ممّا يدعونا للسّعي الحثيث لإصابة الحق والواقع والأحكام والقوانين التي نشأت عنها.

إن ما ذُكر آنفاً يبيّن علاقة النّظريات الكليّة، في مجموعة الوجود وخلق الإنسان بالمسائل الأخلاقيّة، ومن هنا فإنّ نشوء المذاهب الأخلاقيّة وتنوعها، يكمن في هذا السبب بالذات.

وبالنّظر إلى ما ذُكر أعلاه، نستعرض الآن المذاهب الأخلاقية:

الأخلاق في مدرسة الموحّدين
هؤلاء يذهبون إلى أنّ الله تعالى خالق الكائنات كلّها، فنحن منه ونعود إليه. والهدف من خلق الإنسان، هوالتّكامل في الجوانب المعنويّة والروحيّة، ومادام التقدم المادي والتّطور الحضاري للبشرية، يتحرك في خطّ التكامل المعنوي، فهويُعتبر هدفاً معنويّاً أيضاً.

ويمكن تعريف التّكامل المعنوي بأنّه: "القرب من الله تعالى، والسّير على الطّريق الذي يقرّب الإنسان لصفات الكمال الإلهيّة".

وإعتماداً على هذا المعيار، فإنّ الأخلاق من وجهه نظر هذا المذهب، هي كلّ صفات الأفعال التي تساعد الإنسان في سيره على هذا الطريق، والتّقييم الأخلاقي في هذا المذهب، يدور حول القِيَم والمُثل والكَمالات الرّوحية والمعنويّة والقُرب من الله تعالى.

الأخلاق المادية
من المعلوم أنّ المادّيين لهم مذاهب متعددّة، والمعروف منها الشيوعيّة، حيث يرون كلّ شيء من خلال منظار المادّة، ولا يؤمنون بالله والمسائل الروحيّة والمعنويّة، ويقولون بأصالة الإقتصاد، ويعطون للتأريخ ماهيّةً ماديّةً وإقتصاديةً، فكلّ شيء يؤدي إلى تقوية الإقتصاد الشّيوعي في المجتمع، فانّه يعتبر من الأخلاق وعلى حد تعبيرهم: "كلّ شيء يعجّل في الثورة الشيوعيّة، فهوالأخلاق"، فمثلاً المعيار الأخلاقي للكَذب والصّدق، يقاس بمدى تأثير ذلك السّلوك الأخلاقي على الثّورة، فإذا أدّى الكذب إلى التسّريع بالثورة فهوأمر أخلاقي، وإذا أضرّ الصّدق بالثّورة، فهوأمر غير أخلاقي!

والمذاهب الماديّة الاُخرى كذلك، فكلّ مذهب يُفسّر الأخلاق حسب ما يرتئيه مسلكه، فالّذين يقولون بأصالة اللّذة، والإستفادة من اللذائذ الماديّة، لا يوجد شيء عندهم بإسم الأخلاق، وبالأحرى انّ الأخلاق عندهم، هي الصّفات والأفعال الّتي تمهد الطّريق للوصول إلى اللذّة.

وأمّا الّذين أعطوا الأصالة للفرد والمصالح الشخصيّة، والمجتمع محترم عندهم مادام منسجماً مع منافع الفرد الشّخصية، (كما هوالحال في المذاهب الغربية الرأسمالية)، فهم يفسّرون الأخلاق بالاُمور التي توصلهم إلى مصالحهم الماديّة والشخصيّة، ويضحّون بكلّ شيء لأجل هذه الغاية.

الأخلاق من وجهة نظر الفلاسفة العقليّين
أمّا الفلاسفة الذين يقولون بأصالة العقل، ويذهبون إلى أنّ غاية الفلسفة هي: (صَيرورة الإنسان عالماً عقليّاً مضاهياً للعالم العيني)، ففي مجال الأخلاق، يفسّرون الأخلاق بالصّفات والأعمال التي تساعد الإنسان على تحكيم العقل، وسيطرته على القوى والنّوازع البدنية، بعيداً عن الخضوع للشّهوات والطّبائع الحيوانيّة، والأهواء النّفسية في حركة الحياة.

الأخلاق في مذهب محوريّة الغير
جماعة اُخرى من الفلاسفة أعطت الأصاله للمجتمع، وقالوا أنّ الأصالة للجماعة لا للفرد، فهم يفسّرون الأخلاق بالأفعال التي يكون الغير فيها هوالهدف، وكلّ فعل يعود بالنّفع للإنسان نفسه، فهوفعل غير أخلاقي، والأفعال التي يكون محورها نفع الغير تكون أخلاقيّة.

الأخلاق في المذهب الوجداني
قسم من الفلاسفة قالوا بأصالة الوجدان لا العقل، ويمكن تسميتهم بـ:"الوجدانيّين"، وبمؤيّدي: "الحسن والقبح العقلي"، وقصدهم من ذلك العقل العملي لا النّظري، فالأخلاق عندهم عبارةٌ عن سلسلة من الاُمور الوجدانيّة غير البرهانيّة، أي أنّها تُدرك بدون حاجة إلى منطق واستدلال، فمثلاً الإنسان يدرك أنّ العدل حسنٌ، والظّلم قبيحٌ، ويُشخّص أنّ الإيثار والشّجاعة أمران جيّدان، الأنانيّة والظّلم والبخل اُمورٌ قبيحةٌ، ولا يحتاج في إدراك هذا المعنى، إلى إستدلال عقلي من خلال دراسة تأثير هذه الأفعال والسّلوكيات في واقع الفرد والمجتمع.

وعليه يجب أن نتحرك من موقع تقوية الوجدان الأخلاقي في الإنسان، ونُزيل من الطّريق كلّ ما يُضعف الوجدان، وبعدها سنرى أنّ الوجدان قاض وحاكمٌ جيّدٌ لتشخيص الأخلاق الحسنة من القبيحة.

المؤيدون: "للحُسن والقُبحِ العقليين"، رغم أنّهم يتكلّمون دائماً عن العقل، ولكن ومن الواضح أنّهم يقصَدون العقل الوجداني، لا العقل الإستدلالي، فهم يقولون إنّ حُسن الإحسان، وقبح الظّلم في الدائرة الأخلاقيّة لا يحتاج فيهما إلى دليل وبرهان، فالإنسان السّليم النّفس يعيش هذه المفاهيم الأخلاقية، من موقع الوضوح في الرؤيّة والبداهة، وعلى هذا فإنّهم يقولون بالأصالة للوجدان في دائرة الأخلاق.

ولكن الكثير منهم لا ينكرون سكوت الوجدان عن بعض الاُمور، وعدم إدراكه لها، وهنا يجب الإستعانة بالشّريعة والوحي لفصل الاُمور الأخلاقية عن غيرها، وبالإضافة إلى ذلك، إذا ورد تأييد من الشّرع لما حكم به العقل، فإنّ ذلك سيكون عاملاً مهماً في ترسيخ هذه المفاهيم في عالم الوجدان، وترجمتها على مستوى الممارسة والعمل.

النّتيجة

بعد الإشارة إلى أهمّ المذاهب الأخلاقية في هذا الفصل، تتبيّن خصوصيات المذهب الأخلاقي للإسلام بصورة كاملة، حيث يرى أنّ:

(أساس هذا المذهب الأخلاقي، هوالإيمان بربوبيّة الله تعالى، الذي هوالكمال المطلق ومُطلق الكمال وأوامره ساريةٌ وجاريةٌ على جميع العالم، وكمال الإنسان في تطبيق صفاته الجلالية والجماليّة، والقرب من الله تعالى أكثر فأكثر).

وهذا لا يعني أنّه لا أثر للصفات الأخلاقية في إنقاذ الإنسان والمجتمع البشري، من عناصر الشّر وقوى الإنحراف، ولكن وفي نظرة إسلاميّة عالميّة صحيحة، انّ العالم عبارةٌ عن وحدة متماسكة، وانّ واجب الوجود هوقُطب هذه الدائرة، وما عداه مُتّصل به ومُعتمد عليه، وفي الوقت نفسه هناك علاقة وإنسجام تام بين المخلوقات، فكلّ شيء يساعد على إصلاح المجتمع البشري وتطهيره من البؤر وأشكال الخلل الأخلاقي، فسيكون عاملاً مؤثراً في إصلاح الفرد في دائرة السّلوك الأخلاقي، وبالعكس.

وبعبارة اُخرى: إنّ القيم الأخلاقيّة لها إزدواجيّة في التأثير، فتصنع الفرد والمجتمع على السّواء، والذين يتصورون أنّ المسائل الأخلاقيّة هدفها الغير وليس النّفس على اشتباه كبير، لأنّ مصلحة الإثنين في الواقع واحدةٌ، لا تتجزّأ إلاّ في مراحل مقطعيّة محدودة وقصيرة

*الأخلاق في القرآن،آية الله مكارم الشيرازي،مدرسة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام-قم،ط2،ج1،ص47-52

29-07-2009 عدد القراءات 12633



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا