20 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 01 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: مقدمات في الأخلاق

الأخلاق والنسبيّة



هل أنّ الأخلاق الحسنة والقبيحة، والرّذائل والفضائل، جيدةٌ وقبيحةٌ ذات أبعاد مطلقةٌ في كلّ مكان وزمان، أم أنّ هذه الصفات نسبيّة فربّما تكون في مكان وزمان آخر جيدة وسيئة؟ الذين يقولون أنّ الأخلاق نسبيّة ينقسمون إلى قسمين:

الفئة الاُولى: هم الّذين يقولون بنسبيّة عالم الوجود كلّه، فإذا كان الوجود والعدم نِسبّيان، فإنّ الأخلاق تدخل في هذه الدائرة أيضاً.

الفئة الثانية: هم الذين لا يرون أنّ هناك علاقةُ بين عالم الوجود وبين الأخلاق، فالمعيار عندهم لمعرفة الأخلاق الجيّدة من غيرها هوالمجتمع، وقبوله وعدم قبوله لها، وهذا يعني أنّ الشّجاعة ربّما تكون فضيلة عند مجتمع، في ما لوكانت مقبولةٌ، وقد تكون نفس تلك الفضيلة رذيلة في مجتمع آخر.وهذه الفئة، لا تعتقد بالحُسن والقُبح الذاتي للأفعال أيضاً، والمعيار هو قبول وعدم قبول المجتمع لها. فالمسائل الأخلاقيّة تعتمد على معايير للقياس، تكون وليدة النّظرات الكونيّة، فالمذهب الذي يعتبر المجتمع هوالأصل والأساس لقبول الاُمور، وبشكلها المادي، فان أفراده لا وسيلة لهم إلاّ القبول بنسبيّة الأخلاق، لأنّ المجتمع البشري يكون دائماً في حالة تغيّر وتحوّل، وعلى هذا فليس من العجيب في أمر هذه الجماعة أنّهم جعلوا الرأي العام للمجتمع، هوالمرجع لتشخيص الحَسن والقَبيح من الأخلاق.

ونتيجةُ مثل هذه العقيدة، معلومةٌ وواضحةٌ قبل أن تظهر للوجود لأنّها تُسبب في تبعيّة القيم الأخلاقية للمجتمعات البشريّة، والتّوافق مع الظّروف ومتغيرات وأحوال ذلك المجتمع، والحال أنّ المجتمع هوالذي يجب أن يتبع الاُصول الأخلاقيّة: لِتُصلح مفاسده. فمن وجهة نظر هذه الجماعة، أنّ وأد البنات وهنّ أحياء، في زمن المجتمع الجاهلي العربي القديم، هوأمر أخلاقي، وكذلك الغارات التي كانت تشنّها القبائل على بعضها البعض، تعتبر عندهم من المفاخر، ولأجلها كانوا يُحبّون الأولاد ويقدّرونهم، حتى يكبروا ويحملوا السّلاح ليحاربوا مع آبائهم، فهي أيضاً أمر أخلاقي، وكذلك الجنسيّة المثليّة المتفشيّة في الغرب، تُعتبر من وجهة نظرهم أمراً أخلاقيّاً؟! فالعواقب الخطيرة التي تحملها أفكار هذه المذاهب في حركة الواقع الإجتماعي، لا تخفى على عاقل طبعاً.

ولكن في الإسلام، فإن المعيار الأخلاقي والفضائل والرّذائل، تُعيّن من قبل الباري تعالى، وذاته ثابتةٌ لا تتغير، فالمُثل والقِيم الأخلاقيّة ستكون ثابتةً ولا تتغير، ويجب أن تكونَ هي القاعدةُ الأصلُ للأفراد والمجتمع في سلوكهم الأخلاقي، لا أن تكون الأخلاق تابعةٌ لرغبات ومُيول المجتمع. الموحدون يعتقدون أنّ الفطرة والوجدان الإنساني إذا لم تتلوث فستبقى ثابتةً أيضاً، بإعتبارها تمثل النّور المنعكس عن الذّات  المقدسة للباري تعالى، وعلى هذا فإنّ الأخلاقيّات تعتمد على الوجدان، وبعبارة اُخرى فإنّ القُبحَ والحُسنَ العَقليان: (المقصود العقل العملي لا النّظري)، يثبتان أيضاً.

الإسلام ينفي نسبيّة الأخلاق

طرح القرآن الكريم في آيات عديدة كلمة "الطيّب والخبيث" بصورة مطلقة، ولم يجعل للمجتمعات البشرّية دور في صياغة القيم في هذا المجال: ﴿قُل لا يَسْتَوي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوأَعْجَبَكَ كَثرَةُ الخَبِيثِ(المائدة:100). وفي سورة الأعراف في وضعها للرّسول الأكرم  صلى الله عليه واله وسلم: ﴿وَيُحِلُّ لَهُم الطَّيِّباتِ وَيُحَرِمُ عَلِيهِم الخَبَائِثَ(الاعراف:157). يقول الله تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لَذُوفَضل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرُونَ(البقرة:243). يقول الله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوحَرَصْتَ بِمُؤمِنينَ(يوسف:103). في هذه الآيات يُعتبر الإيمان والطّهارة والشّكر، من القيم والمُثل وإن كان أكثر الناس يخالفون ذلك، والكفر والخُبث وكفران النعمة، تعتبر في مقابل القِيم، رغم أنّ الأكثريّة تتحرك في هذا الخط. وقد ذكر أميرالمؤمنين عليه السلام، هذا المعنى كثيراً في خُطَبِه في نهج البلاغة. وأنّ قبول وعدم قبول الأكثريّة لُخلق وعمل ما، لا يكون مِعياراً للفضيلة والرّذيلة وكذلك الحُسن والقُبح. فقال الإمام عليه السلام في خطبة: "يا أَيّها النّاسُ لا تَستَوحِشُوا في طَرِيقِ الهُدى لِقِلَّةِ أَهلِهِ فإنَّ النّاسَ قَد إِجتَمَعُوا عَلى مائِدة شِبَعِها قَصِيرٌ وَجُوعِها طَوِيلٌ"1. وقال في خطبة اُخرى: "حَقٌّ وَ باطِلٌ، وَلِكلٍّ أهلِ فَلإن أمِرَ الباطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ وَ لإن قَلَّ الحَقُّ فَلَرُبَّما وَلَعَلّ"2. فكلّ هذه النّصوص الإسلاميّة تنفي النسبيّة في الأخلاق، ولا تعتبر قبول الأكثريّة في المجتمع معياراً لها. ويوجد في القرآن الكريم والروايات الإسلاميّة، شواهد كثيرة على هذه المسألة، لوجمعت لبلغت كتاباً كبيراً.

سؤال: وهنا سؤال يفرض نفسه وهو:  إنّ النسبيّة في الأخلاق قد تكون مقبولةً في بعض الموارد في الشّرائع السّماويّة، (وخُصوصاً الإسلام) فمثلا يعتبر الكذب ضد القيم والمُثل وعملا غير أخلاقي، لكنّ الكذب لغرض الإصلاح بين الناس وفي مقام المشورة، يعتبر عملا أخلاقيّاً، وهذه المسألة ليست بقليلة الموارد في التعاليم الإسلامية، فيعتبر هذا نوعاً من قبول النسبيّة للأخلاق.

الجواب: إنّ نسبيّة الأخلاق والحُسن والقُبح مطلبٌ، والإستثناء مطلب آخر. وبعبارة اُخرى: لا يوجد أصل ثابت في النسبيّة، فالكذب لا هوحسن ولا هوقبيح، وكذلك العدل والإحسان والظّلم والطّغيان، فحُسنها وقُبحها لا يتبيّن للإنسان إلاّ إذا قبلتها الأكثريّة من موقع القيم ورفضتها كذلك. ولكن في الإسلام والتعاليم السّماوية، فالكذب والظّلم والبخل والحسد والحقد، كلّها تعتبر ضد القيم والمُثل، سواء قبلتها أكثريّة الناس أم لا، وبالعكس، فالإحسان والعدالة والصّدق والأمانة، قيم ومُثل رفيعةٌ سواء قبلها المجتمع، أم لا. فهذا هوالأصل الكلّي للمسألة، ولا مانع من وجود الإستثناء له، فالأصل كما هوواضحٌ من إسمه أساس وجذر الشيء، والإستثناء بمنزلة بعض الفروع والأوراق الزّائدة، ووجود بعض الإستثناءات في كلّ قاعدة لا يمكن أن يكون دليلا على نسبيّتها، فإذا تجلّى لنا هذا الفرق بين هذين الإثنين، أمكننا تجنّب الوقوع في كثير من الأخطاء.

ويجب الإلتفات أيضاً الى أنّ الموضوعات يمكن أن تتغيّر بمرور الزّمان أيضاً، فالأحكام التابعة للموضوعات تتغيّر أيضاً، وهذا الأمر لا يمكن أن يُعتبر دليلا على النسبيّة. بيان ذلك: إنّ لكلّ حكم موضوعه الخاص العدوان على الآخرين يعتبر جنايةً قابلةً للقصاص والتّعقيب، ولكن يمكن أن يتغيّر الموضوع، في يد الطّبيب والجرّاح الذي يمسك المِبضع لينقذ حياة المرضى، فيفتح بمشرطه القلب ويخرج الغدد الخبيثة، فالموضوع يتغيّر هنا، فلا يمثّل هذا العمل جناية، بل يستحق عمله التّقدير والجائزة. فلا يمكن لأحد أن يعتبر تغيّر الأحكام والموضوعات دليلا على النسبيّة، والنسبيّة تقوم على أساس تبدّل الأحكام، بالرّغم من عدم تحوّل وتغيّر الموضوع الماهَوي، والموضوعي بالنسبة للأشخاص والأزمان المختلفة.

وأحكام الشّرع كذلك، فالخمر حرام ونجس، ولكن من الممكن وبعد مرور عدّة أيّام، وبإضافة مادّة ما يمكن تحويله إلى خلّ طاهر محللّ، فلا يمكن لأحد أن يعتبر هذه من نسبيّة الأحكام، والنسبيّة هنا أن يكون الخمر حلال عند مُستحلّيه وحرامٌ عند مانعيه، من دون أن يتغيّر شيء في ماهيّة الخمر. في المسائل الأخلاقيّة أيضاً، يمكن أن نصادف موضوعات، تكون للوهلة الأولى من الفضائل، ولكن وبالتّحول في دائرة الموضوع، يمكن أن تتغيّر إلى رذيلة فعدم الخوف مثلا وإلى حد الإعتدال يُعتبر شجاعة وفضيلةٌ، ولكن إذا تعدّى الحدود، فيكون تهوّراً ويدخل في حيّز الرّذائل. وكذلك في الاُمور الاُخرى التي تُشابهها، فالكذب يعتبر منشأ للمفاسد الكثيرة، وسبباً لزوال الثّقة بين النّاس، ولكن إذا كان لغرض الإصلاح بين الناس، فهوحلالٌ وفضيلةٌ.

ويمكن أن يعتبر البعض، هذه الاُمور والتغيّرات في المواضيع من النسبيّة، ولا نزاع فيما بيننا في التّسمية، ومثل هذا النزاع يعتبر لفظيّاً، لأنّه مثل هذه الموارد تعتبر من قبيل التغيّر في الموضوع والماهيّة، وإذا كان قصد أصحاب النسبيّة هذا، فلا بأس، ولكنّ المشكلة في أن يكون المعيار: للفضيلة والرّذيلة والحُسن والقُبح الأخلاقيين، هوقبول أكثريّة المجتمع. ومن مجموع ما تقدم، نستنتج أنّ نسبيّة الأخلاق مردودة، من وجهة نظر الإسلام والقرآن والمنطق والعقل، وطرح مسألة النسبيّة تلك تُعتبر وتُساوي عدم الأخلاق، لأنّه وطبقاً للنظريّة النسبيّة للأخلاق، فإنّ كلّ رذيلة إنتشرت في المجتمع فهي فضيلةٌ، وكلّ مرض أخلاقي تفشّى بين الناس فهوصحّةٌ وسلامةٌ، وبدلاً من أن تكون الأخلاق عاملاً لرقيّ المجتمع في خط التّكامل الحضاري، فستتحول إلى عامل لنشر الفساد والإنحطاط.

*الأخلاق في القرآن،آية الله مكارم الشيرازي،مدرسة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام-قم،ط2،ج1،ص52-57


1- نهج البلاغة، الخطبة 1 و2.
2- نهج البلاغة، الخطبة 16.

29-07-2009 عدد القراءات 9518



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا