24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: نبوة النبي محمد (ص)

مقدمة عامة في نبوة النبي محمد



الدعوة الإسلامية
ظروفها

في الوقت الّذي عمّت سيادة الشرك وعبادة الأصنام أكثر ربوع المعمورة، وكانت الشعوب المتحضرة في بلاد الفُرس والروم تعاني ألوان المظالم والتمييزات الطَّبقِيَّة، وكان العُمّال والفلاحون يرزحون تحت ثقل الضرائب المجحفة، وكان اليأس ملقياً بظلاله السوداء على عامة الشعوب والملِلَ، وعاد رجال الإصلاح يعيشون مرارة اليأس من كل ثورة منجية.

في هذه الظروف، قام رجل بين أُمّة متقهقرة، تقطن أراض جدياء قاحلة، ومعشر ليس لهم من الحضارة أي سهم يذكر، يسفكون دماءهم ويقطعون أرحامهم، فادّعى النبوة والسفارة من الله الخالق، على أساس نشر التوحيد، ورفض الوثنية وعبادة الأصنام، وإقامة العدل وبسط القِسط، ورفض التمييز وحماية المضطهدين والمظلومين.

اسم الداعي ونسبه
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، من قبيلة قريش، وُلِدَ بمكَّة عام (570 م) في بيت عريق في العربية، مشهور بالكرم والسخاء والستر والعفاف، أعني به أُسرة بني هاشم.

تاريخ الدعوة
وقد قام بالدعوة في أوائل القرن التاسع الميلادي (610). وأول ما بدأ به، دعوة أقربائه وعشيرته، وقال في دعوتهم: "إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله الّذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامّة، والله لَتَموتُنَّ كما تنامون، وَلَتُبْعَثُنَّ كما تستيقظون، وَلَتُحاسَبُنَّ بما تعملون، وإنّها الجنة أبداً، والنار أبد". ثم قال: "يا بني عبد المطلب، إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عز وجل، أن أدعُوَكُم إليه"1.

وبعد سنوات من بدء دعوته إستطاع في أثنائها هداية جمع من عشيرته وجه دعوته إلى عموم الناس من غير خصوصية بين قبيلته وغيرها، ووقف على صخرة عند جبل الصفا، ونادى بصوت عال: "واصباحاه"، وهي كلمة كانت العرب تطلقها كلما أحسّت بخطر أو بَلَغها نبأ مرعب، فكانت هذه الكلمة بمثابة جرس الإنذار بتعميم الدعوة، فالتفت عندها حوله جموع الناس من أبناء القبائل المختلفة وقالوا له: "مالك؟".

فقال: "أرأيتكم، إن أخْبَرْتُكُمْ أَنَّ العدو مصبحكم أو ممسيكم، ما كنتم تصدقونني؟".

قالوا: "بلى".

قال: "فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد".

ثم قال: "إنّما مَثَلي ومَثَلُكُم كَمَثَل رجل رأى العدو انطلق يريد أهله، فخشي أن يسبقهوه إلى أهله، فجعل يهتف، واصباحاه"2.

ثم استمر في رسالته، يدعو قومه إلى التوحيد ورفض الأصنام، وأنّ وراء هذه الحياة، حياة دائمة غير داثرة، والناس بين مؤمن به مفاد بنفسه ونفيسه، عدو ينابذه ويتحين الفرص للفتك به وقتله، فلما أحسّ بالخطر، غادر موطنه مكة إلى مدينة يثب، فأقام هناك سنين عشرة، لقي فيها من أهل يثرب عطفاً ومودة والتفافاً حوله، وإيماناً به وتفانياً دون دعوته بأموالهم وأنفسهم، فصار ذلك سبباً لنشر دعوته في شبه الجزيرة العربية وخارجها عبر بعث رسله وموفديه، فكان النجاح حليفه، إلى أن أجاب داعي الموت تاركاً أُمّة كبيرة مؤمنة، موحِّدةً، وشريعة ذات نظم وسنن وطقوس، وذلك في العام 633 ميلادية.

ولم تنكمش دعوته بعد وفاته، بل سرعان ما انتشرت في أكثر ربوع المعمورة، بفضل اتقان دينه، وجهاد معتنقي دعوته.

سمات الدعوة
يمكن تقسيم سمات وعلامات هذه الدعوة إلى قسمين:

أ- قسم جاء في كتابه الّذي جعله دليلاً على رسالته وبرهاناً ساطعاً على صدق نبوّته.

ب- وقسم يقف عليه المتتبع في حاله وحال دعوته وما تركته من آثار في المجتمعات الإنسانية.

أ- سمات دعوته في كتابه المعجز
يعرّفه كتابه بصفات، ويصف دعوته بسمات عديدة، منها:

1- أنّه رسول أُرسل إلى العالمين جميعاً، من دون فرق بين قوم وآخرين، وإقليم دون إقليم، وجيل دون جيل، بل رسالته موجهة إلى كل من يصدق عليه "يا أيها الناس"، ويقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً(الأعراف:158).  ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ(الأنبياء:107).  ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ(الأنعام:19).

2- وأنّ رسالته خاتمة الرسالات، وأنّ كتابه خاتم الكتب، وأنّه خاتم الأنبياء ويقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً(الأحزاب:40).

3- وأنّه نبي قد يشّر بنبوته في الكتاب السماوية الماضية، ويقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ(الأعراف:157).

ويقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُون(البقرة:146).

والضمير في "يعرفونه" يرجع إلى النبي بقرينة قوله: (كَما يَعْرِفونَ أَبناءَهُمْ).

ويقول بأنّ المسيح قد بَشَّر بنبوته في إنجيله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِين(الصف:6).

4- ويعرّفه رابعاً بأنّ دعوته دعوة مكملة للشرائع السابقة، وأن كتابه وشريعته مصدّقة لها، لا مبائنة ولا مخالفة ويقول: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِين(البقرة:89).

5- ويعرّفه بأنّه جاء بمعجزات وآيات، وأنّ معجزته الخالدة على جبين الدهر هي كتابه، لا يمكن لأحد من الخلق مقابلته ولا الإتيان بمثله، ويقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(البقرة:23).

ويقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرا(الإسراء:88).

6- وأنّ كتابه كتاب فاصل بين الحق والباطل ومهيمن على الكتب السالفة، ويقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه...(المائدة:48). وأنّ كتابه يفصل ما اختلف فيه بنو إسرائيل ويقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(النمل:76).

7- وأنّ أصوله واضحة، وتعاليمه سهلة، فإذا سئل عن أصول عقيدته في الله سبحانه، يقول: ﴿قُلْ هُوَاللهُ أَحَدٌ * اَللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد(الإخلاص)3.

كما يقول: في تعاليمه وتكاليفه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج(الحج:78).

ويقول: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(البقرة:185).

8- أنّ شريعته كافلة للسعادة الدنيوية والأُخروية، ويقول: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِث(الأعراف:157).

9- أنّ دينه وتعاليمه تكافح الأساطير والخرافات وكلّ عقلية متخلفة ويقول: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ(الآية السابقة).

والمراد من الأغلال، الأوهام الّتي كانت تسود أفكار الشعوب آنذاك.

10- أنّ هذا الداعي أمِّيٌّ لم يقرأ ولم يكتب، ومع ذلك جاء بأُصول ومعارف وقوانين لإدارة المجتمع، ويقول: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ)(الآية السابقة).

ويقول: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُون(العنكبوت:48).

ب- سمات دعوته من خلال التدبر في آثارها
إنّ الإمعان في الآثار الّتي تركتها هذه الدعوة بين الأمم البشرية، يدفع الإنسان إلى الإنتقال إلى سمات أُخرى لدعوته، منها:

1 ـ سرعة انتشارها في أقطار العالم جميعاً لا سيما بين الأُمم المتحضرة، سرعة لم ير التاريخ لها مثيلاً. فطفق المعتنقون به، المجهزون بسلاح الإيمان والإخلاص، يغلبون الأُمم القوية المتحضرة المجهزة بأرهب أنواع السلاح المادي وأفتكه. ولم يمض قرن ونصف من رحيل صاحب الدعوة، إلاّ وقد ملأ الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، وانتشر انتشاراً حيّر النُّهى والعقول.

2ـ إنّ الأُمَّةَ المؤمنة، وإن غلبت أصحاب الحضارات، وأزالت عروشهم، لكنها ما عَفَت على حضاراتهم العلمية والصناعية، بل حفظت الصالح منها، وقامت بتأسيس حضارة جديدة تشتمل على الأصلح من السابقة، وما أبدعته هي. وبذلك افترقت عن سائر الثورات البشرية الّتي كثيراً ما تنجر إلى تخريب البلدان وتدمير الحضارات. فأصبح التمدن الإسلامي، حضارة إنسانية مكتملة الأبعاد، بلغت في العظمة إلى حدّ شكّلت معه الأساس الّذي بنيت عليه الحضارة الغربية الحديثة، بحيث لولا الحضارة الإسلامية لزالت الحضارات السابقة عليها، ولما لحقها أيّ تمدن، لأنّها صانت السالف من الحضارات عن الإندثار والضياع، وطورته وأبدعت فيه. فالحضارة الإسلامية بلا تحفظ جسر بين الحضارات اليونانية والرومانية والفارسية، والتمدّن الصناعي الحديث.

3ـ تضحية المعتنقين لدينه، وتفانيهم في سبيله بالنفس والنفيس، وذلك في ظل تحقق شعور ديني عميق وإيمان قوي به وبشريعته، حتى قدّموا كلّ دقيق وجليل ممّا يملكون في سبيل نصرته وإعزازه، وهذا لو دلّ على شيء لدّل على إيمانهم بفضائله وكمالاته، وإيقانهم بأنّه رجل إلهي سماوي، بعث لإنقاذ البشر، وأنّ اجتماعهم والتفافهم حوله لم يكن طلباً لشيء من الزخارف الدنيوية. وهذا وإن كان لا يصدق على جميع أصحابه وحوارييه، لكنه صادق على الكثيرين ممن تربوا في أحضانه، واستنارت ألبابهم واستقامت فطرهم في ظل تعاليم شريعته.

وبعد جميع ما ذكرناه، فاللازم على المنصف المتحري للحقيقة، أن يبحث عن حقيقة هذه الدعوة، وصحة دلائلها، حتى يجيب الداعي النفساني للمعرفة أولاً، ويقوم بوظيفته إذا وجدها صالحة للاعتناق ثانياً4.

الطرق الثلاثة للتعرف على صدق المُدّعى
إنّ للتعرف على صدق مدّعي النبوة طُرقاً ثلاثة

1ـ إتيانه بالمعجز، بشروطه المذكورة.
2ـ تصديق النبي السابق عليه، وتنصيصه على نبوته.
3ـ جمع القرائن والشواهد القاضية بالضرورة بصدق دعواه.

وكل هذه الطرق ثابتة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فتثبت نبوته.

*الإلهيات.آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه السلام،ج3،ص221-228


1- تاريخ الطبري، ج 2، ص 62-63. والكامل ج 2، ص 40-41.
2- السيرة الدحلانية، بهامش السيرة الحلبية، ج 1، ص 194.
3- ويعرف وضوح العقيدة إذا قسيت هذه الايات إلى التثليث الّذي تتدين به المسيحية الحاضرة وغيره من العقائد الّتي اتّفق البطاركة على أنّها من الرموز الّتي ليس في مقدور الإنسان فهمها وحلّها. وليس معنى ذلك أنّ القرآن لم يأتِ بأُصول ومعارف عميقة قلّما يتفق لبشر أن يكشف مغزاها، بل المراد أنّ الحكم بإسلام الفرد لا يتوقف على التوغل فيها، بل يكفي فيه الإعتقاد بأصلين واضحين هما: التوحيد والشهادة بالرسالة.

3- وهذا هو الّذي نستهدفه في هذا البحث. فنطرح هذه الدعوة الجديدة، بعد المسيح، على بساط البحث، بنحو الاستهداء وتحّري الحقيقة وتمييز الحق عن الغثاء، على ضوء التحليلات المنطقية، ومن دون تأثّر بعقيدة مسبقة، أو نزول على نزعة عاطفية، وبصورة يقتنع معها المنصف، ويتنزل المتعصّب على الإسلام عن تعصّبه، وتقوم الحجة على المعاند. فنسأله تعالى أن يوفقنا لبيان الحق وتجّنب القضاء الباطل والفصل الممقوت، إنّه على ذلك لقدير.

07-02-2012 عدد القراءات 6813



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا