24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: نبوة النبي محمد (ص)

بشائر خاتم الرسل في العهدين



من الأمور التي يستدل بها على نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد معجزاته وبالخصوص معجزة القرآن بشارات العهدين في خاتم الرسل: إنّ النبيَّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، كان يحتجّ على اليهود والنصارى، بأنّه قد بُشِّر به في العهدين، وأنّ الكليم والمسيح بشَّرا برسالته، وأنّ أهل الكتاب لو رجعوا إلى كتبهم حتى بعد التحريف لوجدوا بشائره فيها، وتعرّفوا عليه، كتعرّفهم على أبنائهم. كان يحتجّ بهذه الكلمات، ولم يكن هناك أيّ ردّ من الأحبار والرهبان في مقابله، بل غاية جوابهم كان السكوت وإخفاء الكتب، وعدم نشرها بين أتباعهم.

ولو كان النبي الأكرم غير صادق والعياذ بالله في هذا الادّعاء، لثارت ثورتهم عليه، ولملأوا الأجواء والطوامير بنقده وردّه، غير أنّ صراحة النبي وصموده أمام علمائهم بشدّة، يكشف عن انهزام العدو أمام ذلك الادّعاء.

يقول القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُون(البقرة:146).

ويقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر(الأعراف:157).

ويقول: ﴿وَ إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ مُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد(الصف:6).

ثم إنّ علماء المسلمين في الأعصار السابقة نقبوا في العهدين، وجمعوا البشارات الواردة فيهما. وَنْقلُ هذه البشائر، يوجب الإسهاب في الكلام والخروج عن وضع الكتاب، ونكتفي في ذلك بهذه البشارة الّتي تكشف عنها الآية الأخيرة، فإنّ فيها تنصيص على الاسم مكان التنصيص على الصفات، وهذه الإشارة وردت في إنجيل يوحنا في الأصحاحات: الرابع عشر، والخامس عشر، والسادس عشر. وإليك نصوصها من الإنجيل الحالي المترجم إلى اللغة العربية:

1ـ إِنّ كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم مُعَزِّياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد1.

2ـ وأمّا المُعزِّي، الروح القدس الّذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلّمكم كل شيء، ويذكّركم بكل ما قُلتُه لكم2.

3ـ وَمتى جاءَ المُعَزِّي الّذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الّذي من عند الأب ينبثق، فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضاً لأنّكم معي من الابتداء3.

4ـ لكني أقول لكم الحق، إنّه خير لكم أن أنطلق لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَزِّي، ولكن إنّ ذهبت أُرسله إليكم * ومتى جاء ذاك يُبَكِّتُ العالم على خَطِيَّة وعلى بِرٍّ وعلى دينونة4.

5ـ وأمّا متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنّه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يَسْمَع، يتكلّم به، ويخبركم بأُمور آتية5.

وجه الاستدلال يتوقف على بيان نكتة، وهي أنّ المسيح عليه السَّلام، كان يتكلم بالعبرية، وكان يعظ تلاميذه بهذا اللسان، لأنه وُلِد وشَبّ بين ظهرانيهم، وأُمُّه أيضاً كانت عبرانية، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إنّ المُؤَرِّخين أَجمعوا على أنّ الأناجيل الثلاثة غير متى، كتبت من أوّل يومها باللغة اليونانية، وأمّا إنجيل متى فكان عبرياً من أوّل إنشائه.

وعلى هذا، فالمسيحُ بَشَّر بما بَشَّر باللغة العبرية أولاً، وإنّما نقله إلى اليونانية، كاتب الإنجيل الرابع "يوحنا" وكان عليه التحفّظ على لفظ المسيح في مورد المُبَشَّر به، لأنّ القاعدة الصحيحة، عدم تغيير الأعلام، والإتيان بنصِّها الأَصلي، لا ترجمة معناها. ولكن "يوحنا" لم يراع هذا الأصل، وترجمه إلى اليونانية، فضاع لفظه الأصلي الّذي تكلّم به المسيح، وفي غِبّ ذلك حصل الإختلاف في المراد منه.

وأمّا اللفظ اليوناني الّذي وضعه الكاتب "يوحنا" مكان اللفظ العبري، فهو مردد بين كونه "باراقْلِيطوس"6 الّذي هو بمعنى المُعَزِّي والمُسَلِّي والمُعين والوكيل، أو "بِرِيقْلِيطوس"7 الّذي هو بمعنى المحمود، الّذي يرادف أحمد. ولأجل تقارب الكلمتين في الكتابة والتلفظ والسماع، حصل التردد في المُبَشَّر به. ومُفَسِّروا ومترجموا إنجيل يوحنا، يصرّون على الأول، ولأجل ذلك ترجموه إلى العربية ب"المعزّي"، وإلى اللغات الأُخرى بما يعادله ويرادفه، وادّعوا أنّ المراد منه هو روح القدس، وأنّه نزل على الحواريين في اليوم الخمسين بعد فقدان المسيح، كما ذُكر تفصيله في كتاب أعمال الرسل8. وزعموا أنّهم بذلك خلعوا المسلمين عن السلاح الّذي كانوا يحتجون به عليهم.

ومع ذلك، فهناك قرائن تلقي الضوء على أنّ المُبَشَّر به هو الرسول الأعظم، لا روح القدس، وإليك تلك القرائن.

1ـ إنّ المسيح بدأ خطابه إلى تلاميذه بقوله: "إِن كنتم تحبونني، فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم "معزي" آخر، ليمكث معكم إلى الأبد".

وهذا الخطاب يناسب أن يكون المُبَشَّر به نبياً، لأنّ المسيح يحتمل في هذا الكلام أن يتخلّف عدّة منهم عن اقتفاء أثره ودينه، ولذلك أثار عواطفهم في هذا المجال لئلا يتخلّفوا. ولو كان المراد منه روح القدس لما احتاج إلى تلك المقدمة، لأنّ تأثيره في القلوب تأثير تكويني لا يمكن لأحد التخلّف عنه، ولا يبقى في القلوب معه شكٌّ، وهذا بخلاف تأثير النبي فإنّه يؤثر ببيانه وكلامه في القلوب والأرواح، وهو يختلف حسب اختلاف طبائع المخاطبين واستعدادهم.

ولأجل ذلك أصرّ على إيمانهم به في بعض خطاباته وقال: "وقلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون"9.

2ـ إنّه وصف المُبَشَّر به بلفظ "آخر"، وهذا لا يناسب كون المبشر به نظير روح القدس لعدم تعدده، وانحصاره في واحد، بخلاف الأنبياء فإنّهم يجيئون واحداً بعد الآخر، في فترة بعد فترة.

3ـ إنّه ينعت ذلك المبشر به بقوله: (لِيَمْكُثَ معكم إلى الأبد) وهذا يناسب نبوة النبي الخاتم الّتي لا تُنْسخ.

4ـ إنّه يقول: (وأَمّا "المعزّي الروح القدس" الّذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكّركم بكل ما قلته لكم) وهذه الجملة تناسب أن يكون المبشر به نبيّاً يأتي بعد فترة من رسالة النبي السابق بعد أن تصير الشريعة السابقة على وشك الاضمحلال والاندثار. فيأتي النبي اللاحق، يذكّر بالمنسيّ ويزيل الصدأ عن الدين.

وأمّا لو كان المراد هو روح القدس فقد نزل على الحواريين بعد خمسين يوماً من فَقْد المسيح، حسب ما ينصّ عليه كتاب أعمال الرسل10.

أفيظن أنّ الحواريين نسوا في هذه المدة اليسيرة معالم المسيح وتعاليمه حتى يكون النازل هو الموعود به؟!

5ـ ويصف المسيح المبشر به، بقوله: (فهو يشهد لي). وهذه العبارة تناسب أن يكون المبشر به هو النبي الخاتم حيث بُعِثَ مصدِّقاً للشرائع السابقة والكتب السالفة، وقد أمره سبحانه أن يخاطب أهل الكتاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ(النساء:47)، وغير ذلك. ومن المعلوم أنّ الرسول الأكرم شهد برسالة المسيح، ونَزَّه أُمَّه وابنها، عن كل عيب وشين، وردّ كلَّ ما أُلصق بهما من جهلة اليهود من التهم التافهة. وهذا بخلاف ما إذا فُسِّر بروح القدس، إذ لم يكن للمسيح يومذاك أي حاجة لشهادته، ودينُه وشريعتُه بَعْدُ غضّانِ طريّان.

6ـ إنّه يقول: (لأنّه إن لم انطلق، لا يأتيكم "المعزي"، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم). وهذا يناسب أن يكون المُبَشّر به نبياً، حيث علّق مجيئه بذهابه، لأنّه جاء بشريعة عالمية، ولا تصحّ سيادة شريعتين مختلفتين على أُمة واحدة.

ولو كان المُبَشَّر به هو روح القدس، لما كان لهذا التعليق معنى، لأنّ روح القدس حسب تصريح إنجيلَيْ متى ولوقا، نزل على الحواريين عندما بعثهم المسيح للتبشير والتبليغ11.

7ـ ويقول: (ومتى جاء ذاك يُبكّت العالم على خَطِيَّة، وعلى بِرّ، وعلى دينونة...). وهذا يؤيّد أن يكون المُبشَّر به نبيّاً، إذ لو كان المراد هو روح القدس، فهو نزل في يوم الدار على الحواريين حسب زعمهم، فما وَبَّخ اليهود الذين لم يؤمنوا به أصلاً، لعدم رؤيتهم إيّاه. ولم يوبخ الحواريين، لأنّهم كانوا مؤمنين به.

8ـ ويقول: (ومتى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنّه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأُمور آتية).

وهذا يتناسب مع كون المُبَشَّر به نبيّاً خاتماً، صاحب شريعة متكاملة، لا يتكلم إلاّ بما يوحى إليه، وهذه كلّها صفات الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فجميع هذه القرائن تشهد بوضوح على أنّ المراد من "المعزِّي" المُبَشّر به، هو النبي الأكرم لا روح القدس، ولو أمعنت النظر في سائر القرائن الّتي ذكرها المحقّقون من المسلمين في تفسير هذا اللفظ، لعالت القرائن12.

غير أنّ البشارات لا تنحصر بذلك بل هي موجودة في العهدين، واستقصاء البحث وجَمْعها، يستدعي تأليف كتاب منفرد حافل، إلاّ أنّا نلفت النظر إلى نكتة وهي:

إنّ الكتاب الّذي جاء به المسيح كان كتاباً واحداً، وهو عبارة عن هَدْيِهِ وبشارته بمن يجيء بعده، ليتم دين الله الّذي شرعه على لسانه وألسنة الأنبياء من قبله فكان كل منهم يبين للناس منه ما يقتضيه استعدادهم، وإنّما كثرت الأناجيل لأنّ كلَّ من كتب سيرته سماه إنجيلاً، لاشتماله على ما بَشَّر وهدى به الناس، ومن تلك الأناجيل إنجيل "برناب". و"برناب" من حواريّي وأنصار المسيح الّذي يلقّبهم رجال الكنيسة بالرُّسل، صحبه "بولص" زمناً، بل كان هو الّذي عرّف التلاميذ ببولص، بعدما اهتدى بولص ورجع إلى أُورشليم، ولم يكن من هذا الإنجيل أثر في المجتمع المسيحي حتى عثروا في أُوروبا على نسخة منذ قرابة ثلاثة قرون، وهذا هو الأنجيل الّذي حرم قراءته "جلاسيوس الأول" في أواخر القرن الخامس للميلاد.

وهذا الإنجيل يباين الأناجيل الأربعة في عدّة أُمور
1ـ ينكر ألوهية المسيح وكونه ابن الله.

2ـ يعرّف الذبيح بأنّه اسماعيل لا إسحاق.

3ـ أنّ المسيح المنتظر هو "محمد"، وقد ذكر "محمد" باللفظ الصريح المتكرر في فصول ضافية الذيول.

4ـ أنّ المسيح لم يصلب بل حُمل إلى السماء، وأنّ الّذي صلب إنّما كان يهوذا الخائن. فجاء مطابقاً للقرآن.

ومن أراد الوقوف على بشائر هذا الإنجيل بوضوح، فعليه الرجوع إليه3.

*الإلهيات.آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه السلام،ج3،ص447-453
 


1- إنجيل يوحنا، الأصحاح الرابع عشر: الجملتان 15 و16، ط دار الكتاب المقدس.
2- إنجيل يوحنا، الأصحاح الرابع عشر: الجملة 26، ط دار الكتاب المقدس.
3- إنجيل يوحنا، الأصحاح الخامس عشر: الجملة 26، ط دار الكتاب المقدس.
4- إنجيل يوحنا، الأصحاح السادس عشر: الجملتان 7 و8، ط دار الكتاب المقدس.
5- إنجيل يوحنا، الأصحاح السادس عشر: الجملة 13، ط دار الكتاب المقدس.
6- في اليونانية هكذا: llAPAKAHTOE. وبالأفرنجية هكذا Paracletos.
7- في اليونانية هكذا llEPIKAHOTE. وبالأفرنجية هكذا Pericletos.
8- أعمال الرسل، الأصحاح الثاني: الجملات 1-4. يقول: ولما حضر يوم الخمسين كان، الجميع معاً بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كلّ البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار، واستقرّت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أُخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا). وسيوافيك عند التحليل أنّه لم يتحقق في يوم الدار هذا كلَّ ما ذكره المسيح ومنه قوله: "يبكت العالم على خطيّة الخ..".
9- إنجيل يوحنا، الأصحاح الرابع عشر: الجملة 29، ط دار الكتاب المقدس.
10- أعمال الرسل، الأصحاح الأول: الجملة 5. والأصحاح الثاني: الجملات 1-4، ط دار الكتاب المقدس.
11- احظ إنجيل متى: الأصحاح العاشر، الجملة الأُولى فما بعدها. وإنجيل لوقا: الأصحاح العاشر، الجملة 11، وفيها: ولكن إعلموا هذا: إنّه قد اقترب منكم ملكوت الله.
12- من أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى كتاب أنيس الأعلام في نُصرة الإسلام، ج 5، ص 139-172.
13- وقد قام بترجمته من الإنكليزية الدكتور خليل سعادة، وقدم له مقدمة نافعة، وطبع في مطبعة المنار بتقديم السيد محمد رشيد رضا أيضاً، عام 1326 هـ، 1908 م.

18-09-2012 عدد القراءات 6278



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا