24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: إثبات إمامة علي (ع)

إمامة علي(ع) في السنة



عند مطالعة الكتب الخاصة بالاحاديث الاسلامية، وعلى الاخص كتب المصادر عند اخواننا اهل السنة، يواجه المرء حشداً كبيراً من الاحاديث النبوية التي تثبت امامة الامام علي عليه السلام وخلافته بوضوح لا مزيد عليه.

وإنَّ المرء ليأخذه العجب مع كثرة هذه الاحاديث التي لا تدع مجالاً للشك في المسألة، كيف حاول بعضهم أنْ يختار طريقاً غير طريق أهل البيت عليهم السلام! إنَّ هذه الأحاديث المؤيد بعضها بمئات الأسانيد مثل حديث الغدير المؤيد بعشرات الأسانيد، وهي واردة في عشرات الكتب الاسلامية المشهورة، من الوضوح بحيث إنَّنا لو تغاضينا عن أقاويل هذا وذاك، وأهملنا التقاليد، تكون القضية على درجة من الجلاء لا نحتاج معها الى أي دليل آخر.

إنَّنا نذكر فيما يلي نماذج لعدد من الاحاديث المعروفة من بين الوافر الكثير منها، طالبين من الذين يريدون الاطلاع أكثر على هذا الموضوع أنْ يرجعوا الى المصادر التي سنذكرها لهم1.

حديث الغدير
يقول الكثير من المؤرخين إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله أدى فريضة الحج في آخر سنة من سنوات عمره الشريف، وبعد الانتهاء من الحج، رجع ومعه جماعات غفيرة من أصحابه القدامى والجدد والمسلمين المولعين به الذين كانوا قد اجتمعوا من مختلف نقاط الحجاز ليلحقوا برسول الله صلى الله عليه وآله في أداء فريضة الحج. وعند وصولهم الى مكان بين مكة والمدينة اسمه "الجحفة"، تقدمهم نحو غدير خم حيث كان مفترق طرق يتفرق عنده الناس كل الى وجهته. ولكن قبل أنْ يتفرق الناس من هناك الى انحاء الحجاز، أمر الرسول الناس بالتوقف ودعا الذين سبقوه الى الرجوع، وانتظر حتى لحق به الذين كانوا في الخلف.

كان الجو حاراً جداً ومحرقاً، ولم يكن في تلك الصحراء المترامية ما يستظل به. أدى المسلمون صلاة الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وآله. وعندما أراد الناس الانصراف الى خيامهم فراراً من حرارة الجو، أخبر النّبي صلى الله عليه وآله أنَّ عليهم أنْ يستمعوا الى بلاغ مهم جديد من جانب الله في احدى خطبه المسهبة. أقيم لرسول الله صلى الله عليه وآله منبر من أحداج الإبل، فارتقاه، وبعد أنْ حمد الله وأثنى عليه، وقال من جملة ما قال:"... أما بعد أيَّها الناس اسمعوا مني أبيّن لكم فإنِّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا. أنا مسؤول وأنتم مسؤولون. ترى كيف تشهدون لي؟".

فرفع الناس اصواتهم قائلين
نشهد أنَّك قد بلغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيراً.

فقال النّبى صلى الله عليه وآله: "أتشهدون بأنْ لا إله إلاّ الله، وأن محمّداً رسول الله، وأن الله سيبعث من في القبور يوم القيامة؟"

فقالوا جميعا: نعم نشهد بذلك.

فقال: اللّهم اشهد!

ثم سألهم: "أيّها الناس، أتسمعون صوتي؟" قالوا: نعم.

وساد الجمع صمت لم يسمع خلاله شيء سوى صوت هبوب الريح وأخيراً قال النّبي صلى الله عليه وآله:"أنبئوني ما تفعلون بعدي بهذين الثقلين العظيمين اللذين سأتركهما بين ظهرانيكم؟".

فقام رجل من بين الجمع وقال:

"أي ثقلين تعني يا رسول الله؟".

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: "الثقل الاوّل هو الثّقل الأكبر، كتاب الله، القرآن، ما أنْ أخذتم به لن تضلوا. والثقل الثّاني هو عترتي، آل بيتي. ولقد أخبرني اللطيف الخبير بانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، إنْ سبقتموهما هلكتم، وإنْ تخلفتم عنهما هلكتم".

ثمّ نظر النّبي صلى الله عليه وآله الى أطرافه كأنَّه يبحث عن شخص، فلما وقع بصره على علي عليه السلام انحنى وأمسك بيده ورفعها حتى بان بياض إبطيهما، فرآه الناس وعرفوه.

وارتفع صوت النبي صلى الله عليه وآله وهو يقول: "أيّها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟".

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال صلى الله عليه وآله:"إنَّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، أولى بهم من أنفسهم. فمن كنت مولاه فعلي مولاه"2.

وكرر هذا القول ثلاث مرات. وقال بعض الرواة أنه كرره أربع مرات ثم رفع رأسه الشريف الى السماء وقال:"اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار".

ثم قال صلى الله عليه وآله: "ألا هل بلّغت؟"

قالوا: نعم.

قال صلى الله عليه وآله: "فليبلغ الشاهد الغائب".

وقبل أنْ يتفرق الجمع نزل جبرئيل الأمين بالآية التالية على رسول الله صلى الله عليه وآله:﴿اليَومَ أكْمَلْتُ لَكُم دِينَكُم وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِي...(المائدة:3).

فقال النبي صلى الله عليه وآله: "الله أكبر، الله أكبر، على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرّب برسالتي والولاية لعلي من بعدي".

فحصل هرج ومرج بين الناس وراحوا يتزاحمون لتهنئة علي عليه السلام بالولاية. وكان منهم أبوبكر وعمر، اللذان تقدما الى علي عليه السلام يقولان: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة!

هذا الحديث اورده عدد كبير من علماء الاسلام في كتبهم، بعض بصورة مسهبة وبعض باختصار شديد، وبشيء من الاختلاف في بعض الالفاظ. ويعتبر من الاحاديث المتواترة التي لا يمكن لاحد أنْ يشك في صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وآله، الى درجة ان العلاّمة الاميني قدس سره في كتابه "الغدير" يذكر اسم مئة وعشرة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ممن ذكروا هذا الحديث، وثلاثمائة وستين عالماً وكتاباً ورد فيه هذا الحديث أيضاً، ومنها كتب الأخوة اهل السنة في التفسير والتاريخ والحديث. بل أنَّ جمعاً كبيراً من علماء الاسلام ألفوا الكتب الخاصة بهذا الحديث، منها كتاب العلاّمة الاميني قدس سره "الغدير" المتعمق والنادر المثال، فإنَّه يشير فيه الى ستة وعشرين عالماً من علماء الاسلام ممن ألفوا الكتب الخاصة بحديث الغدير3.

ولقد سعى بعض ممن لم يستطيعوا بث الشكوك حول صحة أسانيد هذا الحديث، الى القاء الشكوك في دلالته على الإمامة والخلافة، واعتبار كلمة "مولى" تعني "الصديق" مع أنَّ التّدقيق في مضمون الحديث والظروف الزمانية والمكانية التي احاطت بالحديث وقرائن اُخرى تدل بحق على أنَّ الهدف لم يكن سوى الإمامة والولاية التي تعني القيادة بكل ما فيها من معان:

أ- إنَّ آية التبليغ التي سبق أنْ ذكرناها، والتي نزلت قبل حادثة الغدير، تدل بلهجتها الحادة وما فيها من القرائن على أنَّ الكلام لم يكن بشأن الصداقة العادية، إذ إنَّ هذا لم يكن مما يستوجب كل تلك الأهمية والتوكيد. كما أنَّ الآية الخاصّة باكمال الدين التي نزلت بعد آية التبليغ تدل دلالة قاطعة على أنَّ الوضوع كان على درجة عظيمة من الاهمية، كموضوع القيادة والخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.

ب- الطريقة التي وصفت بها الحديث، بكل ظروفه والصحراء المحرقة التي ألقيت فيها تلك الخطبة المسهبة، واخذ الاقرار من الناس في ذلك الجو وذلك المكان، كلها تدل على صحة ما نذهب اليه.

ج- التهاني والتبريكات التي قدمت لعلي عليه السلام من جانب مختلف طبقات الحاضرين، والقصائد الشعرية التي قيلت بالمناسبة في ذلك اليوم وبعده، تدل على أنَّ الحدث واقعي وأنَّه يخص تنصيب علي عليه السلام في مقام الولاية والإمامة، ولا شيء غير ذلك.


*سلسلة دروس في العقائد الاسلامية،آية الله مكارم الشيرازي . مؤسسة البعثة،ط2 ، ص172-178


1- لمزيد من الشرح راجع كتاب "المراجعات" و "الغدير".
2- انظر سنن الترمذي 5: 633/3713، مسند أحمد1: 84، 119، 152، 321 و4: 281،368، 372 و5: 347، 366، 419، مستدرك الحاكم 3: 110، 134، 371، مصابيح السنة 4: 172/4767.
3- انظر البداية والنهاية 7:347، مجمع الزوائد 9:104-108، مناقب الخوارزمي: 115، السيرة الحلبية 3: 274، إسعاف الراغبين 166، شرح ابن أبي الحديد 3 :208، كفاية الطالب: 62-63.

25-07-2009 عدد القراءات 5071



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا