24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: أبحاث عامة

المعاد الجسماني والروحاني



من المسائل المهمّة الاُخرى التي تبرز في موضوع المعاد هو السؤال عما إذا كان المعاد "روحانياً" فقط، أم إنَّه يكون بعودة الروح والجسم معاً في العالم الآخر، وإنَّ الانسان، بروحه وجسمه على مستو أفضل وأرفع سوف يواصل حياته في العالم الآخر.

كان فريق من الفلاسفة القدامى يعتقد بأن المعاد يكون بالرّوح فقط، لأنَّهم كانوا يعتقدون بأن الجسم تركيب خاص يختص بالعالم الدنيوي فحسب، وبأن الانسان يستغني عنه في العالم الآخر، وأنَّه يهرع الى العالم الآخر بدون جسمه.

إلاّ أنَّ كبار العلماء والفلاسفة الاسلاميين يعتقدون أنَّ عودة الانسان الى العالم الآخر يكون بروحه وبجسمه معاً، صحيح إنَّ هذا الجسم يتحول الى تراب بعد الموت، وإنَّ ترابه يتشتت في أرجاء الارض ويضيع، ولكن الله القادر العالم يجمع كل ذرات الجسد يوم القيامة ويضفي عليها لباس الحياة مرّة اُخرى، وهذا هو "المعاد الجسمانى" لأنَّهم يرون أن عودة الرّوح أمر لاشك فيه، ولما كان الجدل يدور حول عودة الجسم نفسه، فقد عبروا عن ذلك بـ "المعاد الجسماني".

وعلى كل حال، إنَّ الآيات القرآنية النازلة بهذا الخصوص، وهي كثيرة ومتنوعة، تشير كلّها الى "المعاد الجسماني".

القرآن والمعاد الجسماني
سبق أن تحدثنا عن الاعرابي الذي جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله بقطعة عظم بالية قائلا: ﴿منْ يُحيي العِظَامَ وَهِي رَمِيمٌ(يس:78).

فيجيبه الرسول صلى الله عليه وآله بأمر من الله:﴿قُلْ يُحْييها الّذي أنْشَأهَا أوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ * الّذي جَعَلَ لَكُم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ ناراً فَاذا أنْتُم مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾(يس:79-80).

كما جاء في آخر سورة يس.

وفي موضع آخر يقول القرآن:﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإذا هُم مِنَ الأجْداثِ اِلى رَبِّهِم يَنْسِلُونَ(يس:51).

وكذلك يقول تعالى: ﴿خُشَّعاً أبْصَارُهُم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ كَأنَّهُم جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ(القمر:7).

ونحن نعلم إنَّ الأجداث، وهي القبور، تكون موضع الأجساد التي اصبحت تراباً، وليست موضع الأرواح.

لقد كان أكثر إنكار منكري المعاد يستند الى عدم قدرتهم على تصور امكان جمع التراب المتناثر في أرجاء الارض واعادة الحياة اليه:﴿وَقَالُوا ءَإذا ضَلَلْنا فِي الاَرْضِ ءإنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد(السجدة:10).

فيرد عليهم الله قائلا:﴿أوَلَمْ يَرَوا كَيْفَ يُبْدِىءُ اللهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيْدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيْرٌ(العنكبوت:19).

وكان عرب الجاهلية يقولون: ﴿أيَعِدُكُم أنَّكُم إذَا مُتُّم وَكُنْتُم تُراباً وَعِظَاماً أنَّكُم مُخْرَجُونَ(المؤمنون:35).

كل هذه الآيات القرآنية وغيرها تدل دلالة واضحة على أنَّ رسول الاسلام صلى الله عليه وآله قد تحدث عن "المعاد الجسماني" لأنَّ تعجب المشركين الجاهلين كان منصّباً على هذا الجانب من الموضوع، ولذلك بادر القرآن بايراد نماذج من صور المعاد الجسماني في عالم النبات وغيره ممّا يراه الانسان بعينه، كأمثله على الخلق الأول وعلى قدرة الله.

وبناء على ذلك فالانسان إذا كان مسلماً وقارئاً للقرآن، لا يمكن أنْ ينكر المعاد الجسماني، لأنَّ إنكاره، في نظر القرآن، إنكار للمعاد نفسه.

الدّلائل العقلية
إذا تجاوزنا عن ذلك، فان العقل يقول إنَّ الروح والجسد ليسا حقيقتين منفصلتين، فهما مترابطان بالرغم استقلال أحدهما عن الآخر، فهما يتربيان معاً، ويبلغان التكامل معاً، ولاشك أنَّ أحدهما لايستغني عن الآخر لادامة الحياة الخالدة.

واذا ما انفصلا بعض الوقت في البرزخ أي الزمن الفاصل بين الدنيا والآخرة فان ذلك لا يمكن أنْ يكون دائمياً، فكما أنَّ الجسد بغير الروح ناقص، كذلك الروح بغير الجسد ناقصة. إنَّ الروح هي الآمرة والمحركة، والجسم هو المطيع وهو آلة التنفيذ، فما من آمر يستغني عن المأمور، وما من عامل يستغني عن آلة العمل.

ولكن بما أنَّ الرّوح تكون يوم القيامة في مرتبة أسمى وأرفع، فلابدّ للجسد أيضاً أنْ يكون قد تكامل بالنسبة نفسها، وهكذا سيكون كاملاً، أي إنَّ الجسد يوم القيامة سيكون خالياً من كل العيوب والنواقص التي كانت فيه في هذه الدنيا.

وعلى كل حال، فإنَّ الرّوح والجسد قد ولدا معاً ويكمل أحدهما الآخر، وإنَّ المعاد لا يمكن أنْ يكون جسمانياً فقط ولا روحانياً فقط.

وبعبارة اُخرى، إنَّ دراسة كيفية ظهور الجسد والروح وعلاقة كل منهما بالاخر تدلّ على أنَّ المعاد يكون لهما معاً.

ثم إنَّ قانون العدالة يقول من جهة اُخرى: إنَّ المعاد يجب أنْ يكون لكليهما، لأنَّ الانسان الذي ارتكب معصية في الدنيا قد ارتكبها بالجسد والروح معاً، وإذا كان قد اتى بحسنة فقد أتى بواسطتهما معا. وبناء على ذلك فالعقاب والثواب يجب كذلك أنْ يقعا على الجسد والروح معاً، إذ لو كان المعاد للجسد بمفرده، أو للروح بمفردها، لما تحققت العدالة.

أسئلة حول المعاد الجسماني
وضع العلماء بعض الاسئلة بشأن المعاد الجسماني نورد بعضها إستكمالاً للبحث:

1- تؤكد تجارب علماء العلوم الطّبيعية أن جسم الانسان يتبدل خلال عمره عدّة مرّات، فهو أشبه بحوض للسباحة حيث يصب فيه الماء من جهة ويتسرب منه تدريجياً من جهة اُخرى. وبديهي أنَّ ماء الحوض يكون قد تبدل بعد مدّة من الزّمن.

وهذا نفسه يحدث بالنسبة لجسم الانسان ويتمّ مرّة في نحو سبع سنوات. وبناء على ذلك فإنَّ أجسامنا تتبدل عدّة مرّات خلال أعمارنا.

هنا يتبادر هذا السؤال الى الذهن: أي هذه الأجساد هو الذي يعود يوم القيامة؟

في الاجابة على هذا السؤال نقول: آخرها، كما قرأنا في الآيات السابقة التي جاء فيها إنَّ الله يحيي الانسان من عظامه وتراب جسده الذي دفن تحت التراب. يستفاد من هذا أنَّ جسده الذي مات به هو الذي يحييه الله يوم القيامة. كما إنَّ تعبير: ﴿وأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ(الحج:7).

يعني إنَّه يبعث الجسد الذي مات ودفن في القبور.

ولكن هذا الجسد الاخير يحمل جميع الآثار والخصائص التي كانت للانسان في أجساده الاخرى طوال حياته. وبتعبير آخر، إنَّ الاجساد السابقة التي تتلف تدريجياً تنقل الى الجسد التالي جميع آثارها وخصائصها، وعليه فإنَّ الجسد الأخير يكون قد ورث جميع صفات الأجساد السابقة، وبذلك يكون خليقاً بتطبيق قانون العدالة في الثواب والعقاب عليه.

2- يقول بعضهم: إنَّنا إذا ما أصبحنا تراباً وتحولت ذرات أجسادنا الى تراب، وأصبحت هذه غذاء لانواع النباتات والاشجار ودخلت في الاثمار وأكلها أناس آخرون، ومن ثم أصبحت اجزاء من أجسادهم، فكيف تعود هذه الى الحياة يوم القيامة؟ وهذا هو ما يعبرون عنه في الفلاسفة وعلم الكلام بـ "شبهة الآكل والمأكول".

وعلى الرغم من أنَّ الاجابة عن هذا السؤال تتطلب الكثير من البحوث، فإنَّنا سنحاول أنْ نبسط ذلك بالقدر اللازم، فنقول:

"ليس هناك شك في أنَّ ذرات جسد أحد الاشخاص التي غدت جزءاً من جسد شخص آخر تعود الى جسد صاحبها الاول، وهذا واضح من الآيات المذكورة سابقاً".

ولكن المشكلة التي تبرز هنا هي أنَّ جسد الشخص الثاني يصبح ناقصاً. ولكن الحقيقة هي إنَّه لايصبح ناقصاً، بل يصبح أصغر، لأنَّ تلك الذرات كانت قد انتشرت في جميع اجزاء الجسد، فعندما استرجعت منه صغر ونحف بنسبة ما أخذ منه.

وعليه فلا الجسد الاول يزول ولا الجسد الآخر، وكل ما في الامر هو أنَّ الجسد الثاني يصبح صغيراً، وليس في هذا مشكلة، لاننا نعلم أنَّ الأجساد يوم القيامة تتكامل ويزول عنها كل نقص، بمثلما يكبر الطفل وينمو، أو كما ينمو لحم جديد بمكان الجرح، بغير أنْ تتبدل شخصية الطفل أو الجريح. فالأجساد الصغيرة والناقصة تحشر الى عالم الكمال يوم القيامة كاملة غير منقوصة.

وهكذا لا تبقى مشكلة بهذا الشان. فتأمل!

*سلسلة دروس في العقائد الاسلامية،آية الله مكارم الشيرازي،مؤسسة البعثة،ط2،ص337-344

25-07-2009 عدد القراءات 12504



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا