24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: مباحث النبوة العامة

ضرورة الوحي وكتاب العصر ورأي القرآن



المسلمون ووحي القرآن
تحدث القرآن الكريم عن الوحي ومنزل الوحي اكثر من غيره من الكتب السماوية المقدسة كالتوراة والانجيل، وحتى نجد فيه آيات تتحدث عن كيفية الوحي نفسه.

ويعتقد عامة المسلمين1 في وحي القرآن: أن القرآن بلفظه كلام الله تعالى أنزله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة أحد الملائكة المقربين.

هذا الملك الوسيط يسمى بـ"جبرائيل" و"الروح الأمين" جاء بكلام الله تعالى إلى الرسول في فترات مختلفة بلغت ثلاثا وعشرين سنة. وكان على الرسول أن يتلو الآيات على الناس ويوقفهم على معانيها ويدعوهم إلى ما فيها من المعارف الاعتقادية والآداب الاجتماعية والقوانين المدنية والوظائف الفردية.

وقام الرسول بأداء ما كان عليه نصاً بدون أن يتصرف في مواد الدعوة الالهية أو يضيف عليها أو ينقص منها أو يقدم أو يؤخر شيئاً من موضعه.
 
كتاب العصر والوحي والنبوة
أما الباحثون وكتاب العصر الذين لهم بحوث حديثة في الأديان والمذاهب، فيعتقدون في وحي القرآن والنبوة أنه: كان نبي الاسلام نابغة عارفاً بالأوضاع الاجتماعية، وسعى في خلاص البشرية من مهوى الوحشية والانحطاط الخلقي ورفعها إلى أوج المدنية والحرية، فدعى الناس إلى اعتناق آرائه الطاهرة التي تجلت بشكل دين جامع كامل.

يقولون: كان النبي يحمل روحاً نزيهة وهمة عالية، عاش في بيئة يسودها الظلام وتتحكم فيها القوة والأراجيف والهرج الاجتماعي وتتسم بحب الذات والسيطرة غير المشروعة على الأموال وتتجلى فيها كل مظاهر الوحشية المقيتة.

كان النبي في ألم نفسي دائم من هذه البيئة الفاسدة، فكان كلما بلغت الآلام في نفسه الكريمة مبلغها يأوي إلى غار في احدى جبال تهامة، فيبقى فيه اياماً ليخلو إلى نفسه، وكان يتوجه بكل حواسه إلى السماء والارض والجبال والبحار والأودية والآجام وما وضعته الطبيعة تحت تصرف البشرية من سائر النعم، وكان يأسف على الانسان المنهمك في الغفلة والجهل وقد أبدل حياته السعيدة الهانئة بحياة نكدة تضاهي حياة الحيوانات الوحشية.

كان النبي إلى حوالي اربعين سنة من عمره يدرك تلك المفاسد الاجتماعية ويتألم من جرائها بالآلام النفسية، ولما بلغ الأربعين من عمره وفق إلى كشف طريق للاصلاح يمكن بواسطته ابدال تلك الحياة الفاسدة بحياة سعيدة فيها كل معاني الخير، وذلك الطريق هو "الاسلام" الذي كان يتضمن أرقى الدساتير التي كانت تناسب مزاج ذلك العصر.

كان النبي يفرض ان افكاره الطاهرة هي كلام الهي ووحي سماوي يلقيها الله تعالى في روعه ويتكلم بها معه. كما كان يفرض روحه الخيرة التي تترشح منها هذه الأفكار لتستقر في قلبه هي "الروح الأمين" و"جبرئيل" والملك الذي ينزل الوحي بواسطته.

وسمى النبي بشكل عام القوى التي تسوق إلى الخير وتدل على السعادة بـ"الملائكة"، كما سمى القوى التي تسوق إلى الشر بـ"الشياطين" و"الجن". وقد سمى ايضا واجبه الذي املاه عليه وجدانه بـ"النبوة" و"الرسالة".

الرأي الذي ذكرناه باختصار هو للباحثين المعتقدين بالله تعالى وينظرون إلى الدين الاسلامي بنظرة فيها شيء من الانصاف والتقييم. أما الملحدون الذين لا يعتقدون بالله تعالى فانهم يعتبرون النبوة والوحي والتكاليف الالهية والثواب والعقاب والجنة والنار سياسات دينية بحتة، وهم يذهبون إلى أن هذه كلها أكاذيب قيلت لمصالح خاصة ضرورية في حينها.

يقولون: ان الأنبياء كانوا مصلحين جاؤوا ببرامج اصلاحية في اطار ديني. ونظراً الى أن الناس كانوا في العصور السالفة منهمكين في الجهل والظلمة والخرافات وضع لهم الأنبياء النظم الدينية في ظل سلسلة من العقائد الخرافية تتمثل في مسائل المبدأ والمعاد.

ماذا يقول القرآن في الموضوع
تفسير الوحي والنبوة بالشكل الذي بيناه انما هو لأولئك الباحثين الذين اشتغلوا بالعلوم المادية الطبيعية، فهم يرون أن مايوجد في الكون لابد أن يفسر بالتفسير المادي الطبيعي، وتنتهي جميع الحوادث والأحداث عندهم إلى الأسباب الطبيعية البحتة. ومن هنا فسروا التعاليم السماوية بتفاسير اجتماعية تتفق واتجاههم الطبيعي، ونظروا إلى تلك التعاليم كأحداث ظهرت لتفاعلات اجتماعية خاصة. فهي اذاً تشبه الأحداث التي ظهرت على أيدي بعض النوابغ أمثال الملك كورش وداريوش والاسكندر المقدوني، فكما لاتفسير لأعمال لونسبوها إلى الله تعالى والأوامر السماوية الا ما مضى فكذا لا تفسير لأعمال الأنبياء الا ما ذكروه.

نحن لانريد هناالبحث عما يتعلق بما وراء الطبيعة، كمالا نريد أن نقول لهؤلاء الباحثين: ان لكل علم أن يبحث فيما يدخل في اطاره من مسائله الخاصة، ولايحق للعلوم المادية التي تختص بشؤون المادة وخواص آثارها أن تبحث عما يتعلق بما وراء الطبيعة نفياً أو اثباتاً.

لانريد هذا، ولكننا نقول: ان التفسير المذكور للوحي والنبوة يجب أن يعرض على الآيات القرآنية التي هي سند نبوة النبي الكريم، لنرى هل يلتقيان معاً أم لايلتقيان؟.

القرآن الكريم صريح في عكس التفسير السابق للوحي والنبوة، ولايلتقي معه في شيء من آياته. ولابأس أن نستعرض هنا مقاطع ذلك التفسير الموهوم مع ماجاء في القرآن، فنقول:

1- كلام الله تعالى: يقول التفسير السابق: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمي أفكاره الطاهرة التي كانت تنقدح في ذهنه بـ"كلام الله".

ومعنى هذا التفسير أن تلك الأفكار كبقية أفكار النبي كانت نتيجة لما تدور في خلده، ولكنها لما كانت طاهرة ومقدسة نسبت إلى الله تعالى، فهي منسوبة إلى النبي بالنسبة الطبيعية ومنسوبة إلى الله بالنسبة التشريعية.

ولكن القرآن الكريم يصرح في آيات التحدي بنفي كونه من كلام النبي أو أي انسان آخر، فيقول: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(يونس:38).

ويقول: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(هود:13).
ويقول: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(الاسراء:88).
ويقول: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(البقرة:23).
ويقول: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا(النساء:82).

من الواضح البديهي أن هذه التصريحات لا تناسب كون القرآن من كلام الرسول وقد نسب إلى الله تشريفا بل تثبت قطعا أنه من كلام الله تعالى لا غير. وبالاضافة إلى هذا يسرد القرآن في مئات من آياته ماظهر من المعاجز وخوارق العادة على الأنبياء عليهم السلام أثبتوا بواسطتها نبوتهم واستدلوا بها على رسالتهم. فلو كانت النبوة ذلك النداء الوجداني والوحي تلك الأفكار الطاهرة كما يقوله التفسير المذكور لما احتاج القرآن إلى اقامة الحجة وتأكيدها على نبوة الأنبياء بسرد قصص المعاجز والكرامات.

وقد أول بعض الكتاب هذه المعاجز الصريحة بشكل مضحك، الا أن كل واحد من القراء عندما يراجع ما قالوه في تأويلاتهم يرى أن مدلول الآيات القرآنية لا يتفق مع ما ذهبوا اليه من الآراء الخاطئة. لا نريد في هذا البحث اثبات امكان تحقق المعجزة وخوارق العادة، أو التأكيد على صحة القصص القرآنية. بل نحاول القول بأن القرآن أثبت صريحا للأنبياء السابقين كصالح وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام معاجز خاصة، ولا يمكن حمل هذه القصص الا على أنها خوارق للعادة. ولا نحتاج كما قلنا إلى المعاجز في اثبات النداء الوجداني والفكر الطاهر.

2- جبرائيل والروح الأمين: يسمى التفسير السابق روح الرسول الطاهرة التي كان دأبها طلب الخير والاصلاح الاجتماعي بـ"الروح الأمين"، ويسمى ما تلقيه الروح الزكية في روعه المبارك بـ"الوحي". ولكن القرآن الكريم لايؤيد ما ذهب اليه هؤلاء، لأنه يصرح بأن وسيط الوحي يسمى بـ"جبرائيل"، وعلى التفسير المذكور لا موجب لهذه التسمية بتاتا. يقول تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ(البقرة:97).

نزلت هذه الآية في الذين سألوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عمن يأتيه بالوحي، فأجابهم أنه جبرائيل الملك قالوا: ذاك عدونا من الملائكة ولو كان ميكائيل لاتبعناك2.

يرد الله تعالى في هذه الآية على اليهود، ويؤكد بأن جبرائيل انما جاء بالوحي باذن منه عز شأنه، فيثبت بأن القرآن من كلام الله تعالى وليس من كلام جبرائيل. وواضح بأن اليهود كانوا أعداءا لملك سماوي كان يأتي بالوحي من السماء، وكان ذلك الملك غير موسىبن عمران ومحمد بن عبد الله صلى الله عليهما، كما لم يكن روحيهما الطاهرتين.

والقرآن نفسه الذي صرح في الآية المذكورة أن وسيط الوحي هو جبرائيل، صرح في آية أخرى انه الروح الأمين فقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ...(الشعراء:193-194).

ويقول تعالى في موضع آخر بصدد التعريف بوسيط الوحي: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ(التكوير:19-23).

وهذه الآيات تدل دلالة واضحة على أن جبرائيل من الملائكة المقربين عند الله تعالى، وهو ذو قوة عظيمة ومنزلة رفيعة وهو المطاع الأمين.
ويصف الملائكة المقربين في موضع آخر بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا(غافر:7).

تدل الآية على أن الملائكة موجودات لهم اراداتهم ومداركهم واستقلالهم، لأن الأوصاف المذكورة فيها كالايمان بالله والتسبيح له والاستغفار للمؤمنين لا تتوفر الا فيمن يتم له الاستقلال الكامل والمدارك التامة والارادة الخاصة.

ويقول تعالى في الملائكة المقربين أيضا: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا) إلى أن يقول: ﴿..وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا(النساء: 173).

ان المسيح والملائكة المقربين لا يعصون الله طرفة عين ولكن مع ذلك هددهم تعالى بالعذاب الأليم لو تلبسوا بالمعصية والتهديد من عذاب يوم القيامة المتفرع على ترك نوع من التكليف لا يصح الا بالاستقلال والارادة.

ويتضح من الآيات المذكورة أن الروح الأمين الذي يسمى جبرائيل أيضا وهو الذي يأتي بالوحي الالهي له استقلاله وارادته ومداركه، بل يستفاد من خلال آيات سورة التكوير "مطاع ثم أمين" أنه يأمر وينهى في الملأ الأعلى وتطيعه الملائكة المقربون، بل نرى في بعض الأحيان أن الوحي ربما يأتي على يد ملائكة يأتمرون بأوامره، كما تشير إلى ذلك الآيات الواردة في سورة عبس ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ* فَمَن شَاء ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ(عبس:11-16).


3- الملائكة والشياطين: يؤكد التفسير السابق أن "الملائكة" اسم للقوى الطبيعية الداعية إلى الخير والسعادة، "والشياطين" اسم للقوى الطبيعية الداعية إلى الشر والشقاء. ولكن المستفاد من القرآن الكريم خلافه، فانه يعتبر الملائكة والشياطين مخلوقات لاتدرك بالحواس الظاهرية الا أن لها وجودا خارجيا وهي ذات ادراك وارادة مستقلة.

أما الملائكة فقد نرى التصريح في الآيات الماضية بأنها موجودات مستقلة مؤمنة تصدر منها أعمال تحتاج إلى آلارادة والادراك، وفي القرآن كثير من أمثال هذه الآيات لايسع البحث سردها كلها.

وأما الشياطين فقصة ابليس وعدم سجوده لآدم عليه السلام والمحاورات التي جرت بينه وبين الله تعالى مذكورة في عدة مواضع من القرآن، فقد قال بعد أن أخرج من صفوف الملائكة ﴿... لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، فقال تعالى له ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾(ص:82-83-85).

وغير خفي أن الجزاء والعقاب لايصح الا للمريد الذي يدرك الحسن والقبح، ومعنى هذا أن الشياطين لها كامل الادراك والارادة. وفي آية أخرى نرى أن الله تعالى وصف ابليس بالظن الذي هو من مصاديق الادراك فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(سبأ:20).

ويصرح في آية أخرى بأن ابليس يدفع اللوم عن نفسه، وهذا لايكون الا ممن يدرك، وله الارادة التامة، فيقول تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم(ابراهيم:22).

ان هذه الآيات الكريمة وآيات أخرى بمضمونها تثبت للشيطان صفات لاتتم الا مع الادراك والاستقلال في الارادة وهي لاتتفق مع القوى الطبيعية التي لاتتوفر فيها هذه الصفات البتة.

الجن: وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم حول الجن أكثر مما ورد حول الملائكة والشياطين، ففي آية يصف الله تعالى فيها أولئك الذين لم يستمعوا إلى دعوة آبائهم وأمهاتهم ونسبوا الدين إلى الأساطير يقول: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ(الأحقاف:18).

ويقول تعالى في موضع آخر: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ* قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ(الأحقاف:29-32).

تدل هذه القصة على أن الجن كالأنس لهم وجود مستقل وارادة وادراك وتكليف، ونجد أيضا في الآيات التي تصف أحوال القيامة مايدل على مانستفيده من هذه الآيات الكريمة.

4- صرخة الضمير: يستفاد من التفسير المذكور سابقاً أن النبوة والرسالة هي صرخة الضمير للاصلاح الاجتماعي العام الشامل، والسعي في رفع المساوىء الاجتماعية وابدالها بما يضمن للمجتمع السعادة والرفاه. ولكن المستفاد من القرآن الكريم خلاف هذا المعنى فانه يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(الشمس:7-8).

ومعنى هذا أن كل انسان يعرف أعماله الحسنة والسيئة بما أوتي من صفاء الضمير فيدرك به صرخة الوجدان الاصلاحية الا أن هناك من يهتم بهذه الصرخة فيصبح من السعداء ومن لايعتني بها فيعود من الأشقياء، كما قال تعالى:﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا(الشمس:9-10).

فلو كانت النبوة والرسالة أثر من تلك الصرخة لكانت عامة في الناس مودعة في كل الضمائر، وكان جميع الناس أنبياء ورسلاً، مع العلم انا نجد أن الله تعالى يختص بعض عباده بهما فيقول: ﴿وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾(الأنعام:124).. تدل الآية الكريمة على أن الكفار كانوا يشترطون لايمانهم عمومية الرسالة ليكون لهم حصة منها، فيرد عز شأنه عليهم مثبتاً أن الرسالة خاصة بفئة مختارة.

5- حول التفسير الثاني: لقد كررنا القول اننا لانحاول في هذه البحوث المختصرة اثبات أن الدين الاسلامي حق ودعوى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صدق، بل نريد أن نذكر أن تفسير أولئك الباحثين الوحي والنبوة والرسالة بمافسروه به خاطىء لايطابق ما جاء في القرآن العظيم، فنقول بصدد التفسير الثاني:

يحاول التفسير الثاني أن يفسر الأصول الاعتقادية التي أتى بها الرسول بأنها مجموعة من العقائد الخرافية التي ألقيت على الناس بشكل دين سماوي، ذلك لأن الناس كانوا في جهل وأمية ولم تتوفر فيهم الثقافة والعلم فلم يمكن اصلاحهم الا من هذا الطريق. كانت هذه التعاليم الخرافية من صالح الناس، وكان من الضروري أن يلقي عليهم بهذا اللون العقائدي الذي يحفه الخوف من الله ورجاء الجزاء في العالم الآخر ووجود الجنة والنار والحساب والكتاب، ولولا هذا اللون المزيج بالخرافة لما أمكن اصلاحهم بما ينجيهم من واقعهم الأليم.

نقول: اننا لانعلم الشيء الكثير عن حياة الأنبياء الماضين عليهم السلام، الا أن حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مدروسة بصورة واضحة جلية، ويتبين من خلالها للمراجع الدقيق أنه عليه الصلاة والسلام كان شديد الايمان بدعوته وكان يطمئن إلى صحتها كامل الاطمئنان. فلو كانت العقائد الاسلامية خرافية كما يزعمون لم يكن هناك حاجة إلى مثل هذه الأدلة الكثيرة التي يقيمها القرآن الكريم عليها، كأدلة اثبات الصانع وتوحيده تعالى وبقية الصفات الالهية وسائر العقائد العائدة إلى موضوع النبوة والمعاد وغيرهما.

6- ماذا يقول القرآن في الوحي والنبوة: ملخص ما نستفيده من الآيات الكريمة أنها تعتبر القرآن كتاباً سماوياً ألقي إلى الرسول من طريق الوحي، والوحي هو كلام سماوي (غير مادي) ليس للحواس الظاهرية والعقل أن تصل اليه، بل ربما يوجد في بعض من يختاره الله تعالى ما يدرك بواسطة قوى ربانية الأوامر الالهية والدستور الغيبي (غير المحسوس بالعقل والحواس الأخرى)، وهذه الحالة هي من حالات النبوة وبها يتلقى النبي الشريعة الالهية.

ولزيادة توضيح هذا الموضوع يجب أن ندرس النقاط التالية
أ- الهداية العامة وهداية الانسان: إن لكل موجود في هذا الكون من الأحياء والجمادات وغيرهما هدفا يتوجه إلى تحقيقه منذ أول خلقته، وقد أودع فيه ما يناسب تحقيق هدفه من الآلات والمعدات، ولابد أن يجتهد حتى يصل إلى ذلك الهدف ويناله، قال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(طه:50). وقال ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(الاعلى:2-3).

وقد ذكرنا أيضاً أن هذا القانون الكلي (قانون الهداية العامة) يشمل الانسان كما يشمل غيره، فله في حياته هدفه الخاص الذي يسعى إلى تحقيقه ضمن الاطار العام، وقد أودع فيه ما يمكنه من الوصول اليه والحصول عليه، ونجاحه في مسيرته الطويلة في اطار هذا القانون هو الوصول إلى الكمال والسعادة، كما أن اخفاقه في هذه المسيرة هو الانزلاق في مهوى الشقاء الأبدي. وخلقته والأسرار المودعة فيه هي التي تدله على طريق الوصول إلى ذلك الهدف السامي، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(الدهر:2-3). وقال عز من قائل: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(عبس:19-20).

ب- ميزة الانسان في قطع مسالك الحياة: تمتاز الحيوانات على غيرها من سائر الموجودات أن أعمالها علمية تصدر عن فهم وادراك، والانسان مع أنه يشارك الحيوانات في هذه الناحية يمتاز عنها بما أوتي من العقل، فان الأعمال التي ينجزها تنبع من العقل ويميز الخير من الشر والنافع من الضار ويعملها بعد أن يتأكد من رجحان كفة المنافع فيها، ويتبع فيها ما يدركه عقله ويرى أن فيه مصلحة له، فما يراه العقل نافعاً ليس فيه ما يضر يحكم بلزوم القيام به، وما يراه ضارا ليس فيه ما ينفع يحكم بوجوب الاجتناب عنه3.

ج- كيف يكون الانسان اجتماعيا؟

لاشك ان الانسان كان ولا يزال يعيش بصورة جماعية ويشكل مع الآخرين مجتمعاً مرتبطاً بعضه ببعض ويقضي حوائجه بالتعاون مع اخيه الانسان، ولكن هل هذا التعاون والترابط الاجتماعي هو مقتضى طبيعته الأولية وسجيته الساذجة التي تدفعه إلى ان لايعيش وحده بل يتعاون مع بني نوعه؟..

ولكن هل هذا التعاون والترابط الاجتماعي هو مقتضى طبيعته الأولية وسجيته الساذجة التي تدفعه إلى ان لا يعيش وحده بل يتعاون مع بني نوعه؟..

لقد نرى ان للانسان حاجات حسب طبيعته البشرية، وله عواطف ومدارك خاصة تدفعه إلى أن ينجز ما يحتاج اليه بالاجهزة التي جهز بها، وفي هذه الحاجة لا يشعر بما يحتاج اليه الآخرون أيضاً.

يستخدم الانسان كل شيء للوصول إلى مآربه وما يحتاج اليه، فيستعين بكل بسيط ومركب لقضاء ما لابد منه يستفيد من النباتات والأشجار الصغيرة والكبيرة، ويسيطر على الحيوانات وما تدره من الخيرات.. كل ذلك ليرفع بها ما يشعر به من النواقص الحياتية ويسد بها ما يتجدد من الخلل في عيشه.

الانسان الذي هذا دأبه ويستخدم كل ما يجده لمصالحه هل يستفيد من نتائج وجوده. هذا الانسان الذي يحترم أخاه الانسان في الظاهر هل يخلص التعاون معه ويصرف نظره عن مصالحه الشخصية للمصالح الانسانية العامة؟..

لا، ليس هكذا... بل الانسان يحس بما تطلبه الحياة منه من الحاجات المعاشية الكثيرة، ويعلم انه وحده لا يتمكن من انجازها، بل يعلم أنه بحاجة إلى من يساعده في قضاء حوائجه من أبناء نوعه..

ولكن من جهة أخرى يلاحظ أن الأماني التي تدور في خلده تراود أذهان الآخرين أيضا، فيسعون في تحقيق مصالحهم كما يسعى هو في تحقيق مصالحه.

ههنا وعندما يحس بهذه الحقيقة يرضخ للتعاون الاجتماعي فيتنازل عن بعض منافع جهده لرفع ما يحتاج اليه بنو نوعه كما أنه يستفيد من جهة أخرى من جهد غيره لمصالحه الخاصة. وفي الحقيقة يدخل في سوق الأخذ والعطاء الاجتماعي القائم في كل الاعصار والأدوار ليأخذ منه ما يحتاج اليه في مسيرته الحياتية..

ان ما ينتج من الجهد الاجتماعي والعمل المشترك كأنه يختلط بعضه ببعض، فيأخذ كل واحد من افراد المجتمع حسب وزنه الاجتماعي، أي بمقدار قيمة العمل الذي يقوم به له حصة من تلك النتيجة يصرفها فيما يحتاج اليه من الحاجيات المعاشية.

يتضح مما سبق أن الانسان بمقتضى طبيعته في طلب مصالحه الشخصية، يستخدم الآخرين لاستثمارهم فيما يعود اليه بالنفع، ولا يرضخ للتعاون الاجتماعي الا اذا اضطر اليه اضطرارا.

ان هذه حقيقة تتجلى واضحة في دراسة حياة الأطفال فان الطفل يريد الحصول على ما يشتهيه جزافاً وبدون قبول أي توجيه، ويؤكد طلبه بالبكاء والالحاح لو لم يوفق إلى الحصول عليه. وكلما تقدم في سني حياته يقترب إلى الحياة الاجتماعية ويتعرف على ما يفرضه عليه الخضم الاجتماعي، فيبتعد تدريجا ًعن القول جزافا والطلب غير الوجيه، وهكذا تتبدل به الأحوال حتى ينسى إلى حدما مطاليبه الجزافية.

وشاهد آخر: اننا نرى أن انساناً ما لو أوتي قدرة فوق قدرة المجتمع المحيط به لم يلتزم بما يتطلبه منه من التعاون الاجتماعي، بل يحاول بكل امكاناته استخدام الناس ليستثمر جهدهم بدون أي تعويض.

يشير تعالى إلى التعاون الاجتماعي المذكور بقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا(الزخرف:32).

الآية الكريمة تشير إلى حقيقة التعاون الاجتماعي، وأن كل واحد من أفراد البشر يفوق على غيره في جانب من الجهد المشترك، فكل فرد من المجتمع له قابلية خاصة يستثمر الآخرين بواسطتها، فهم وحدة اجتماعية متشابكة كالسدى واللحمة بالنسبة إلى الثوب. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(ابراهيم:34). ويقول أيضا: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(الأحزاب:72).

الآيتان تشيران إلى الغريزة الطبيعية المودعة في الانسان الذي يستخدم بواسطتها أخاه الانسان ويظلمه ويبتز منه ثمرات جهده وأتعابه.

د- الاختلافات وضرورة القانون: اضطر الانسان ان يتقبل النظام الاجتماعي للاهداف التي لا يمكنه الوصول اليها بدونه، ولذا ربما يتنازل عن بعض ما له من الحرية لضمان حريات الآخرين. ولكن لا يكفي مجرد وجود التعاون الاجتماعي مع ما نراه من الاختلافات الطبقية وعدم التوازن في الاستغلال والاستثمار وشدة الفروق الكبيرة في القوى الروحية والجسدية. وقد نرى أيضاً أن المنافع التي ينتظر أن تكون سبباً للاصلاح الفردي والاجتماعي، أصبحت سببا لظهور أنواع الاختلاف والمشاجرات.

من هنا يعلم الحاجة إلى سلسلة من المقررات المشتركة التي يتفق أفراد المجتمع على اقرارها والتسليم لها، فان من البديهي المسلم أن معاملة ما مهما كانت صغيرة وبسيطة لابد فيها من مقررات مشتركة بين البائع والمشتري حتى تتحقق المعاملة بالشكل المرضي على ضوء تلك المقررات.
فاذن لامحيص من قوانين خاصة يسري مفعولها على كل الأفراد، ليبقى المجتمع متماسكا لا يتسرب اليه التفكك وليحفظ بها المنافع والمصالح.

ولهذا نجد المشرع الأول الذي يريد هداية الانسان إلى الصراط المستقيم ومافيه الحق، وضع القوانين التي تضمن سعادة الدنيا والآخرة، ودعى الناس إلى اتباعها وتحقيقها في حياتهم اليومية. قال تعالى: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(عبس:19-20).

هـ - لايكفي العقل في هداية الانسان إلى القانون: مهما كانت هذه الهداية وكيفما تحققت فهي من الفيض الرباني لأنه تعالى هو الذي خلق الخلق وجعل له هدفاً في مسيرته الحياتية تضمن سعادته، وهو الذي أرشده إلى الهداية العامة التي من ضمنها هدايته.

وواضح انه لا يسري الخطأ والتناقض في أفعال الله عز وجل، فلو لم ينتج سبب الهدف الخاص به أو ينحرف عنه فليس ذلك من ذنب السبب، بل هو مستند إلى تأثير السبب أو الأسباب الأخرى التي منعت الوصول إلى ذلك الهدف أو الانحراف عنه، فان السبب الواحد لا يصدر منه الأمور المتضادة والمتناقضة ولا يخطأ ولم ينحرف لو لا مزاحمة الأسباب.

من هنا يتبين أن العقل وحده لا يمكنه هداية الانسان إلى القانون، لأنه هو الذي يدعو في بعض الاحيان إلى الاختلاف وهو الذي يوقظ غريزة الاستثمار وجلب النفع بصورة مطلقة وبحرية كاملة، وهو الذي يضطر الى أن يتقبل المجتمع المتوازن كل ذلك لما يحس به من المزاحم الذي يزاحمه.

ومن البديهي أن القوة الواحدة لا يصدر عنها أثرين متناقضين احداث الاختلافات ورفعها.

ان ما يحدث من سحق الحقوق وعدم الوفاء بالوعود وما أشبه هذا من الامور، انما يحدث من العقلاء الذين لهم الادراك الكامل ولولا العقل لما صح عندما يفعلونه ذنبا ولما صح العقاب عليه. فلو كان العقل يدل حقا على القوانين الرافعة للاختلاف ولم يكن يتخلف عن واجبه، لما كان يرضى بما يصدر عن الانسان مما ذكرناه، بل كان يمنع منه أشد المنع.

العامل الأصلي في التخلي عن الواجب مع وجود العقل، هو أن العقل يضطر إلى الحكم بقبول مجتمع يحافظ على التوازن ويرعى القوانين المتضمنة للعدالة الاجتماعية، ويوجد هناك مزاحم يحد من الحرية الكاملة في العمل، ولولا وجود المزاحم لما كان العقل يحكم برعاية التعاون والعدالة الاجتماعية.

المتخلفون عن القانون هم الذين يملكون قدرة فوق القدرة المجرية لذلك القانون، فيتخلفون عنه بلا وجل ولا خوف، أو الذين يلجأون إلى مخبأ يصعب الوصول اليهم لبعدهم عن القوة المجرية، أو كونهم في مكان حريز غفل عنهم المراقبون، أو يتخلفون عنه لأعذار تخيلوها في أذهانهم ليظهر أعمالهم بمظاهر قانونية، أو ينتهزون ضعف من يستثمرونه لمصالحهم.. وعلى كل حال لا يجدون من يزاحمهم أو يضايقهم، أو يزاحمهم ويضايقهم من هو أضعف منهم ولا يملك القوة الكافية لمقاومتهم وسحقهم. ففي هذا الموضوع ليس للعقل حكم خاص، وهو لا يجد شيئا من الحرية المطلقة، ويدع غريزة الاستخدام والاستثمار بحالها.

فاذن ليس في نطاق العقل وحده أن يرشد إلى قانون اجتماعي تام يضمن نفع المجتمع والفرد بشكل عادل، لأن العقل يدفع إلى رعاية مثل هذا القانون لو لم يجد مزاحما، فاذا وجد مزاحما يمنعه عن حريته المطلقة، يمتنع هو بدوره عن هذا الدفع بل ربما يحكم بخلافه.

قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى(العلق:6-7).

من أنواع الاستغناء، الاستغناء عن التعاون الاجتماعي ورعاية القانون في حفظ حقوق الآخرين.

ولاتكون الهداية الا بالوحي: إن الانسان كبقية الموجودات له هدف ذاتي خاص يضمن سعادته، ولما كان حسب تكوينه محتاجا إلى الحياة الاجتماعية فسعادته وشقاؤه في سعادة المجتمع وشقائه، وهو جزء واحد من الهياكل الاجتماعية ولابد أن يجد سعادته وحسن عاقبته في سعادة المجتمع.

وإنَّ الطريق الوحيد للحصول على ضالته المنشودة هو القانون المشترك الذي فيه السعادة الاجتماعية التي بضمنها سعادته الفردية.

وإذا علمنا ضرورة هداية الانسان كسائر الأشياء إلى ذلك الهدف الذي يشتمل على سعادته، وارشاده إلى المقدمات الموصلة اليه. ومعنى هذا انه يجب أن يدل إلى القانون المشترك الذي يلزم مراعاته.

من كل هذه المقدمات نستنتج أنه لابد للانسان من ادراك يدله على هدفه غير الادراك العقلي. والطريق الوحيد الذي نعرفه غير طريق العقل هو ما نجده في أشخاص يسمونهم بـ"الأنبياء" ومبعوثي الاله، وهو الذي يسميه الانبياء بـ"الوحي السماوي"، ويقيمون على اثبات مدعاهم الادلة والحجج.

قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾(البقرة:213).
ويقول: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ(النساء:163) إلى أن يقول ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ(النساء:165).

الآية الأولى تصرح بأن لا يمكن حل الاختلافات الا من طريق الوحي والنبوة، والآية الثانية تعتبر الوحي والنبوة الدليل الوحيد لاتمام الحجة على العباد. ولازم هاتين الآيتين أن العقل لا يكفي لأن يكون دليلا للهداية واتمام الحجة. بمعنى أن الأنبياء لو لم يبعثوا ولم يبلغوا الأحكام الالهية، لم يكن مجرد أن الناس عقلاء يدركون قبح الظلم والفساد موجبا للعقاب في العالم الآخر بدون بعث الأنبياء وبيان الأحكام الالهية.

ز- اشكال وجواب:
الاشكال: انكم جردتم العقل عن قابلية وضع القوانين والارشاد إلى السعادة النوعية بحجة أنه لا يمكنه منع الناس عن المخالفات التي تصدر منهم، وسلمتم القياد إلى الوحي والنبوة لوضع الدستور الصالح الذي يتكفل اسعاد البشرية. ولكن نرى أن قوانين الوحي أيضا لاتتمكن من السيطرة التامة على الانسان وضبطه، بل نرى أنه يبتعد عن الأديان والشرائع اكثر مما يبتعد عن القوانين الوضعية؟!.

الجواب: اراءة الطريق والهداية إلى السعادة شيء ومتابعة الناس لتلك الهداية واتباعهم ذلك الطريق أو عدم متابعتهم واتباعهم شيء آخر. فان الذي يقتضيه قانون الهداية العامة هو ارشاد الناس وهدايتهم إلى وسيلة توصلهم إلى دستور يضمن سعادتهم، وليس من واجبها الالزام العملي بالاتباع.

والذي استدللنا به على عدم كفاية العقل من التخلفات القانونية التي تنجم عن الحرية التامة في التصرف، لم يكن هذا الاستدلال لأن العقل لم يحد بعض هذه الحرية في قضايا خاصة بل لانه ليس له حكم بات في هذه الحرية المطلقة، ولم يدع إلى التعاون الاجتماعي التام واتباع القانون، لأن ما قام به من بعض التحديد والدعوة إلى اتباع القانون انما كان نتيجة الضغط والضرورة المتأتية من المزاحم الذي يمنع عن حرية التصرف وهو علمه بأن مساوىء الحرية المطلقة في التصرف اكثر من محاسنها. وبديهي أن العقل لو لم يقع تحت هذا الضغط ولم يكن هناك مزاحم ومانع عن الحرية في التصرف، لم يحد عن الحرية المطلقة ولم يدع إلى اتباع القانون الذي هو بدوره تحديد للحرية.

فاذا لأننا لا نرى العقل دائما يدعو إلى اتباع القانون نقول بأنه وحده لا يكفي للهداية، بل نقول بضرورة اتباع الأنبياء والرسل، لأن الوحي دائم الدعوة إلى السير على ضوء القانون الالهي الذي يراقب الانسان في كل حالاته، فيثيب المحسن على احسانه ويعاقب المسيء على اساءته بدون تمييز بعض على بعض.

قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ(يوسف:40).
وقال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(الزلزال:7-8).
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(الحج:17).
وقال: ﴿أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون(البقرة:77).
وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا(الأحزاب:52).

ومن هنا يتبين أن الدين السماوي الذي يؤخذ من طريق الوحي هو أقدر من القوانين الوضعية في تحديد المتخلفين عن الاتباع لأن آخر ما يتشبث به القانون الوضعي أنه يجعل مراقبين على اعمال الناس الظاهرة ويضع للمجرم منهم مواد جزائية يعاقبون بها.

أما الدين فله: أولاً مراقبون على الأعمال الظاهرة كما في القانون الوضعي، وثانياً فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تجعل كل واحد من الناس مكلفا بمراقبة أعمال البقية، وثالثاً من العقائد الدينية أن الأعمال كلها تحفظ وتضبط ليوم يجمع الناس في مجمع عام ويحاسبون عليها الحساب الدقيق ورابعا وهو أهمها وأعظمها الاعتقاد بأن الله تعالى محيط بالكون وما فيه وهو يعلم ويرى كل الأعمال الصادرة من الانسان.

وبالاضافة إلى المواد الجزائية التي يجازى بها المجرمون في الدنيا فان من جملة العقائد الدينية أن في الآخرة أيضا موادا جزائية وضعت للمتخلفين عن الأوامر الالهية ولا يستثنى منها أحد أبداً.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُم(النساء:59).
وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر(التوبة:71).
وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ(الانفطار:12).
وقال: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ(سبأ:21).

اشكال آخر: نستنتج مما مضى أن العقل لايحكم دائما بضرورة رعاية القانون واجتناب التخلف عنه، وهذا ينافي ما ورد عن أئمة اهل البيت عليهم السلام في احاديث ان لله تعالى على العباد حجتين ظاهرية وباطنية هما النبي والعقل، لأن العقل ليس له حكم قاطع في موارد تخلف الانسان عن بعض واجباته فكيف يكون حجة عليه؟.

الجواب: العقل العملي يدعو دائما إلى ما ينفع والاجتناب عما يضر، ولكن الانسان المستثمر عندما يرضخ للتعاون الاجتماعي وتبادل الجهد المشترك انما يفعل ذلك اضطرارا، ومنشا الاضطرار هو القدرة التي يملكها ويستثمر بها بحرية تامة جهود الآخرين او القوة التي تقع في يد من يضع القوانين. وغيرها ذلك من الأسباب التي فصلناها قبل هذا. في هذه الحالة لو لم تكن قوانين خاصة تحد من هذه القوة والقدرة، لا يحكم العقل نفسه بلزوم اتباع القوانين، كما لا ينهى عن تخلف الانسان عن القوانين ونقضه لها.

ولكن لو رجعنا إلى نظرية الوحي وكان منشأ الاضطرار المذكور هو الحكم الالهي ومراقبة الأعمال والعقيدة بالثواب والعقاب والجزاء وأنها كلها بيد لله تعالى المنزه عن الغفلة والجهل والعجز. في هذا الوقت لم يكن مكان للعقل حتى يتخلى عن الحكم لعدم احساسه بالاضطرار، فلابد أن يتبع العقل الوحي في أحكامه.

قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ(الرعد:33).
وقال: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ(الطارق:4).
وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(المدثر: 38).

ح- لا يتسرب الخطأ إلى الوحي: لقد سبق أن من سنن الكون تعليم برامج الحياة الاجتماعية من طريق الوحي، وتبين أيضا أن الخلقة لا تخطأ في أعمالها فالمواد الدينية السماوية التي علم الانسان بها من طريق الوحي لا يتسرب اليها الخطأ على طول الخط. قال تعالى: ﴿عالم عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا(الجن:26-27-28).

من هنا نعرف أن الانبياء رسل الله يجب أن يكونوا معصومين أي لايخطأون في تلقي الوحي من العالم العلوي وفي ابقاء ما تعلموه وفي تبليغ ما تعلموه. لأنهم عليهم السلام الواسطة في الهداية العامة التي يسير الخلق اليها بطبيعة خلقتهم، فلو أخطأوا في التلقي أو الابقاء أو التبليغ أو خانوا لوسائس شيطانية أو نفسية أو أذنبوا ذنبا ما، فيكون نتيجة كل هذا الخطأ في سنة الكون الدالة على الهداية العامة، وهذا لايكون ابدا. قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ(النحل:9).

ط - حقيقة الوحي مخفية علينا: إنَّ حياة الانسان مقدمة للوصول إلى سعادته النوعية، ووظيفة الارشاد اليها على عاتق الخلقة ولا يمكن الوصول اليها من طريق العقل، فلابد من طريق غير الفكر يتمكن الانسان من معرفة واجبه في الحياة بدلالته، وهذه الدلالة هي دلالة الوحي.

ان ما يقتضيه الدليل هو هذا القدر من وجود التنبه الخاص في نوع الانسان، ولانقول أن هذا الالتفات والتنبيه يجب أن يكون في جميع الناس، لأنهم يختلفون كثيرا في صفاء الضمائر وخبثها، والتنبه المذكور لايكون الا فيمن بلغ الغاية في الصفاء والاستقامة، وهو نادر يتحقق في الأوحدي من الناس. ولذا نرى القرآن الكريم يذكر جماعة على أنهم رسل الله وانبياؤه ولا يذكر أعدادهم كاملة، كما لم يصرح الا باسم أربعة وعشرين منهم (آدم، نوح، هود، صالح، ابراهيم، لوط، اسماعيل، اليسع، ذو الكفل، الياس، يونس، اسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، موسى هرون، داود، سليمان، أيوب، زكريا، يحيى، اسماعيل صادق الوعد عيسى، محمد. هؤلاء الأنبياء المذكورون في القرآن باسمائهم، وهناك بعض الأنبياء أشير اليهم فيه كالأسباط)4.

أما نحن حيث لم ندرك هذه المنزلة لم نعرف حقيقتها وماهيتها، لم نعرف الا بعض النزر القليل الذي منه القرآن الكريم وبعض الأوصاف التي علمناها بواسطة النبوة، ومع هذا لا يمكن أن نقول انها هي التي علمناها نحن، بل يمكن ان يكون هناك أوصاف وخواص وطرق أخرى لم تشرح لنا.

في كيفية وحي القرآن
مختصر ما نفهمه من القرآن الكريم في كيفية وحيه هو: كان وحي هذا الكتاب السماوي بشكل التكليم، كلم الله تعالى مع الرسول الكريم وتلقى الرسول ذلك الكلام بكل وجوده (لا باذنه فقط).

قال تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بأذنه مايشاء انه علي حكيم* وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وانك لتهدي إلى صراط مستقيم(

25-07-2009 عدد القراءات 11508



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد