24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: خاتمية النبوة

لماذا حرمت الأُمّة من الاطّلاع على الغيب؟



إنّ الشريعة الإسلامية، وإن كانت أكمل الشرائع، والخَلَفُ من الأُمّة، قادر على حفظ تراثه الديني، أو أنّ العترة الطاهرة تقوم بمهمة التبليغ، ولأجل ذلك أُوصد باب النبوة التشريعية والتبليغية، إلاّ إنّ إيصادها على الإطلاق يستلزم انقطاع الفتوحات الباطنية عن طريق النبي المبعوث.

وذلك، لأنّ انقطاع النبوة بمعنى انقطاع أخبار السماء عن أهل الأرض، وانقطاع الاطّلاع على الغُيُوب، وهذا خسران للأُمّة، مع أنّه كان مفتوحاً في وجه الأُمم السالفة، فهل معنى ذلك أنّ الأُمة الإسلامية أقلُّ جدارة منها، واستحقاقاً لها؟

وحاصل السؤال أنّ إيصاد باب النبوة، لأجل كمال الشريعة واستغناء الأُمّة عن نبي مبلغ، وإن كان أمراً لازماً، غير أنّ سدّ بابِ النبوة يستلزم سدّ باب الفيوض المعنوية، والمكاشفات الغيبية، والمشاهدات الروحية الّتي تصل إلى الأُمّة عن طريق نبيّها; فرفعُ النبوة وختمها، يستلزم ذلك الحرمان.

الجواب
إنّ سدّ باب النبوة لا يستتبع إلاّ سدّ باب الوحي في مجال تشريع الحكم، أو في مجال تبليغ الشريعة السابقة.

وأمّا سائر الفتوحات الباطنية فهي مفتوحة في وجه الأُمّة إلى يوم القيامة، من غير فرق بين الاتّصال بعالم الغيب عن طريق البرهنة والاستدلال والتدبر في آياته الآفاقية، الّذي يشير إليه تعالى بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ(فصلت:53)1.

وأمّا الاتّصال به بلا توسيط برهان أودليل، بل بمشاهدة عين القلب وبصر الروح، وشهود الحقائق العلوية، وانكشاف ماوراء الحسّ والطبيعة من العوالم الروحية، ومعرفة ما يجري عليه قلمه تعالى في قضائه وقدره، والاتصال بجنوده سبحانه وملائكته، واستماع كلامهم وأصواتهم، إلى غير ذلك من الأُمور، إلاّ أنّه مقام خطير يحصل لعدّة من المتحررين عن سلوك طريق الطبيعة، الحابسين أنفسهم في ذات الله، العاملين بكتابه وسنّة نبيّه، حسب ما لهم من المقدرة والطاقة، لتحمل الأُمور الغيبية، ومشاهدة جلاله وجماله، وكبريائه وعظمته، وما لأوليائه من مقامات ودرجات وما لأعدائه من نار ولهيب ودركات.

وليس ما ذكرنا من إمكان الاتّصال، كلمة خطابية، أو عرفانية غير معتمِدة على الكتاب والسنّة، بل الكتاب الحكيم يقضي بذلك عند التأمُّل والإمعان فيه:

1- قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانا(الأنفال:29)، أي يجعل في قلوبكم نوراً تُفرّقونَ به بين الحق والباطل، وتُميّزون به بين الصحيح والزائف بالبرهنة والاستدلال، أو بالشهود والمكاشفة.

2- وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(الحديد:28).

والمراد من النور، هو ما يمشي المؤمن في ضوء هدايته في دينه ودنياه، وهذا النور الّذي يغمره نتيجة إيمانه وتقاه، يوضحه قوله سبحانه: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا  فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ(الأنعام:122).

3- وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(العنكبوت:69).

4- وقال سبحانه: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ(التكاثر:5 ـ 8).

والمراد رؤيتها قبل يوم القيامة، رؤية البصيرة، وهي رؤية القلب الّتي هي من آثار اليقين، على ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(الأنعام:75). وهذه الرؤية القلبية، غير محققة قبل يوم القيامة لمن ألهاه التكاثر، بل مُمْتنعة في حقّه.

كما أنّ المراد من قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ. هو مشاهدتها يوم القيامة، بقرينة قوله سبحانه بعد ذلك: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِِ.

فالمراد بالرؤية الأُولى رؤيتها قبل يوم القيامة، وبالثانية رؤيتها يوم القيامة2.

5- وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ(محمد:17). فلو أنّ الإنسان جَعَلَ نفسه في مسير الهداية، وطلبها من الله سبحانه، لزاده تعالى هدىً وآتاه تقواه.

6- وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(الكهف:13). وهذه الآية تُبَيِّن حال أصحاب الكهف الذين اعتزلوا قومهم، وواجهوا المشاق في حفظ إيمانهم ودينهم، فزاد الله من هداه في حقّهم، وَرَبط على قلوبهم، كما في الآية التالية:

7- وقال سبحانه: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا(الكهف: 14).

إلى غير ذلك من الآيات الّتي تعرب عن عدم إيصاد هذا الباب.

ثم إنّ في السنّة النبوية الشريفة، والخطب العَلَوية، تصريحات وإشارات إلى انفتاح هذا الباب.

فمن ذلك ما روته الصحاح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال:

"لَقَدْ كان فيمن قَبْلَكُم من بني إسرائيل رجال يُكَلَّمونَ من غير أَنْ يكونوا أنبياء"3. وهذا هو المُحَدَّث في مصطلح أهل الحديث. وقد تضافرت الروايات على أنّ مريم وفاطمة وعلياً عليهم السَّلام كانوا مُحَدَّثين..

ويقول الإمام علي عليه السَّلام في كلام له، يحكي فيه عن صاحب التقوى: "قد أَحيا عَقْلَهُ، وأَمات نَفْسَهُ، حتى دَقَّ جَليلُهُ، وَلطُفَ غَليظُهُ، وَبَرَقَ لَهُ لاَمِعٌ كثيرُ البَرْقِ، فَأَبانَ لَهُ الطَّريقَ، وَسَلَكَ به السَّبِيلَ، وَتَدافَعَتْهُ الأَبْواب إلى باب السلامةِ، ودارِ الإقامةِ، وَثَبَتَتْ رِجْلاهُ بِطُمَأْنينَة في بَدَنِهِ في قرار الأمن والراحة، بما استعملَ قَلْبَه، وأَرضى رَبَّه"4.

ويقول عليه السَّلام ، في كلمة أُخرى تعرب عن رأي الإسلام في هذا المجال، قالها عند تلاوته قوله سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ(النور:36 ـ 37) قال: "إنّ الله سبحانه جعل الذِّكر جلاءً للقلوب، تَسْمع به بعد الوَقْرَة، وتبْصِر به بعد العَشْوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح لله عزّت آلاؤه  في البُرهة بعد البُرهة، وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يَقظَة في الأبصار والأسماع والأَفئدة، يُذَكِّرونَ بأَيّام الله، وَيخُوِّفونَ مَقامَةُ، بِمَنْزلَةِ الأَدلّةِ في الفَلَواتِ... إلى أن قال: وإِنّ للذِّكْرِ لأَهلاً أَخذُوه من الدُّنيا بَدَلاً فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تجارةٌ ولا بيعٌ عنه يقطعون به أيام الحياة، ويهتِفون بالزواجر عن محارم الله، في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط، ويأمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة، وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك فكأَنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون.."5.

وقد تربى في أحضان علي عليه السَّلام ، صفوة من رجال الخير، يُسْتَدَرّ بهم الغمام ويضنّ بهم الزمان، كزيد وصعصعة ابني صوحان، وأُوَيْس القَرَني، والأَصبَغ بن نُباتة، ورُشيد الهجري، وميثم التّمار، وكُميل بن زياد، وأشباههم، وكان هؤلاء مُثلاً للفضيلة وخزانة للعلم والأسرار، منحهم أمير المؤمنين عليه السَّلام من سابغ علمه، واستأمَنَهم على غامض أسراره، ممّا لا يقوى على احتماله غير أمثالهم، حتى زكت نفوسهم، وكادوا أن يكونوا بعد التصفية ملائكة مجردة عن النقائص، لا يعرفون الرذيلة ولا تعرفهم.


*الإلهيات.آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه السلام،ج3،ص509-513



1-ونظيره الذاريات: الايات 20 و21.
2-لاحظ الميزان، ج 20، ص 496 ـ 497
3- صحيح البخاري، ج 2، ص 149 .

4- نهج البلاغة، الخطبة 215 .

5- نهج البلاغة، الخطبة 217 .

24-07-2009 عدد القراءات 4935



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا