19 تشرين الأول2017 الموافق لـ 28 محرّم 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: العصمة العامة

العصمة عن الخطأ في تطبيق الشريعة



إنّ صيانة النبي عن الخطأ والإشتباه في مجال تطبيق الشريعة والأمور العادية الفردية المرتبطة بحياته الشخصية، مّما طرح في علم الكلام، وطال البحث فيه بين المتكلمين. والخطأ في تطبيق الشريعة، مثل أنْ يسهو في صلاته، أو يغلط في إجراء الحدود. والخطأ في الأمور العادية مثل خطئه في مقدار دَيْنه للناس، كما لو اقترض ديناراً وظنّ أنّه ديناران أو نصفّ دينار.

والحقُّ في هذه المسألة واضح غايتّه، ذلك أنّ الدليل العقلي الدالّ على لزوم عصمة النبي في مجال تلقّي الوحي وتحمّله وأدائه إلى الناس، دالٌّ بعينه على عصمته عن الخطأ في تطبيق الشريعة وأُموره الفردية، حرفاً بحرف. ولكن زيادة في البيان، نقول:

إنّ الغاية المتوخاة من بعث الأنبياء هي هداية الناس إلى السعادة. ولا تحصل هذه الغاية الاّ بكسب اعتمادهم وثقتهم المطلقة بصحة ما يقوله الأنبياء ويحكونه عن الله تعالى. ولكن ما قولك فيما لو شاهد الناس نبيَّهم يسهو في تطبيق الشريعة الّتي أمرهم بها أو يغلط في أُموره الفردية والاجتماعية؟. هل من رَيْب في أنّ الشّكّ سيجد طريقاً رحبة للتسرب إلى أذهان الناس في ما يدخل في مجالً الوحي والرسالة؟ بل لن يبقى شيء مّما جاء به هذا النبي إلاّ وتَطْرُقُهُ علامات الإستفهام، ولسان حال الناس يقول: "هل ما يحكيه عن الله تعالى من الوظائف، هي وظائف إلهية حقّاً؟ أم أنّها مزيج من الأخطاء والإشتباهات وبأي دليل هو لا يخطيء في مجال الوحي، إن كان يخطيء ويسهو في المجالَينْ الآخرَيْن ". وهذا الحديث النفسي والشعور الداخلي، إذا تعمّق في أذهان الناس، سوف يَسْلُب اعتمادهم على النبي، وتنتفي بالتالي النتيجة المطلوبة من بعثه.

نعم إنّ التفكيك بين صيانة النبي في مجال الوحي، وصيانته في سائر المجالات، وإن كان أمراً ممكناً عقلاً، لكنه كذلك بالنسبة إلى عقول الناضجين في الأبحاث الكلامية، وأمّا عامة الناس ورعاعُهُم الذين يُشكِّلون أغلبية المجتمع، فإنّهم غير قادرين على التفكيك بين تَيْنِك المرحلتين، بل يجعلون السهو في إحداهما دليلاً على إمكان تسرُّب السهو إلى المرحلة الأُخرى.

فلا بدّ لسدّ هذا الباب الّذي ينافي الغاية المطلوبة من إرسال الرسل من أن يكون النبي مصوناً عن الخطأ في عامة المراحل، سواء في حقل الوحي أم تطبيق الشريعة أم في الأُمور الفردية والاجتماعية. وهذا الّذي ذكرناه مقتضى الدليل العقلي القائم في المقام. والقرآن الكريم يدعم ذلك ببيان خاص، نورده فيما يلي.

القرآن وعصمة النبي عن الخطأ
تستفاد عصمة الأنبياء عن الخطأ في مجال تطبيق الشريعة والأمور الفردية من عدة من الآيات نكتفي في القام بالبحث في آيتين منها. ولأجل توضيح دلالتهما، نذكر كلا منها، مع ما يرتبط بها من الآيات.

الآية الأولى: قال سبحانه ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً(النساء:105).

وقال سبحانه أيضاً: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء وََنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً(النساء:113).

الإستدلال بهاتين الآيتين وإن كان لا يتوقف على معرفة أسباب نزولهما، إلاّ أنّ الإحاطة بأسباب النزول توجب ظهورَهُما في مفادهما.

إنّ مجموع ما ورد حول هاتين الآيتين وغيرهما، من أسباب النزول، متفق على أنّها نزلت في شكوى رُفعت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان كلٌّ من المتخاصمين يسعى ليبرء نفسه ويلقي التهمة على الآخر. لكن كان إلى جانب أحدهما رجل طليق اللسان حاول أن يخدع النبي الأكرم بإثارة عواطفه على المتهم البري، ليقضي على خلاف الحق، فعند ذلك نزلت الآيات ورَفَعَتِ النِّقاب عن وجه الحقيقة، وعُرِفَ المُحِقُّ من المُبْطِل1.

والدقة في فقرات الآية الثانية، يوقفنا على مدى صيانة النبي الأكرم وعصمته عن السهو والخطأ، فإنّها مؤلفة من فقرات أربع كلٌّ منها يشير إلى أمر خاص.

1- (وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهَ لَهَمَّت طاِئفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء).

2- (وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ).

3- (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ).

4- (وكان فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً).

وإليك فيما يلي بيان ما تهدف إليه هذه الآيات وكيفية استنتاج العصمة منها.

الفقرة الأُولى تدلّ على أنّ نفس النبي بمجرّدها لا تصونه من الضلال، أي من القضاء على خلاف الحق، وإنّما الصائن له هو الله سبحانه، فلَوْلا فضلُ الله ورحمته لهمّت طائفة أن يرضوه بالدفاع عن الخائن، غير أنّ فضله العظيم على النبي هو الّذي صدّه عن فعل ذلك، وأبطل أمرهم الّذي كان سيؤدّي إلى إضلاله.

وبما أنّ رعاية الله سبحانه وفضله الجسيم على النبي ليسا مقصورين على حال دون حال، أو وقت دون آخر، بل هو مشمول لهما ومحاطٌ بهما في جميع لحظات حياته، فلن يصيبَه من إضلالهم شيء، وإنّما يضرّون بذلك أنْفُسَهم، كما قال عزّ وجلّ: (وما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء).

والفقرة الثانية تشير إلى مصادر حكمه ومدارك قضائه، وأنّه لا يصدر في هذا المجال إلاّ التعليم الإلهي.

ولما كان هذا النوع من العلم الكلّي أحد ركني القضاء، وهو لوحده لا يفي بالقضاء بالحق، وإنّما يتمّ القضاء بالحق بتمييز الصغريات، وهو تشخيص المُحقّ من المُبطل، والخائن من الأمين، والزاني من العفيف، أتى بالفقرة الثالثة، فقال: (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ). ومقتضى العطف، مغايرة المعطوف (وعَلَّمَكَ ..) للمعطوف عليه (وأَنْزَلَ ..) فإذا كان المعطوفُ عليه ناظراً إلى تمكّنه من الركن الأول - وهو العلم بالاحكام الكليّة الواردة في الكتاب والسنّة - يكون المعطوفُ ناظراً إلى الركن الثاني للقضاء الصحيح وهو العلم بالموضوعات والجزئيات.

فالعلم بالحكم الشرعي أولاً، وتشخيص الصغريات وتمييز الموضوعات ثانياً، جناحان للقاضي يحلّق بهما في سماء القضاء بالحق، من دون أن يجنح إلى جانب الباطل أو يسقط في هوّة الضلال. والفقرة الأولى تشير إلى الجانب الأول، والثانية إلى الثاني.

ومجمل ما تقدم أنّ الآية الأُولى تدلّ على أنّ الهدف من إنزال الكتاب، القضاء بين الناس بما أراه الله سبحانه، ولا يمكن أن يكون ما أراه سبحانه أمراً خاطئاً بل هو صواب على الإطلاق، هذا من جانب.

ومن جانب آخر إنّ القضاء بالحق الّذي هو الغاية المتوخاة من إنزال الكتاب تتوقف على العلم بالكبريات والصغريات، وهو ما أشارت إلى تحققه في النبي، الفَقرتان الثانية والثالثة من الآية الثانية.

قال العلامة الطباطبائي: "المراد من قوله سبحانه: (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ)، ليس علمه بالكتاب والحكمة، فإنّ مورد الآية قضاء النبي في الحوادث الواقعة، والدعاوى المرفوعة إليه، برأيه الخاص، وليس ذلك من الكتاب والحكمة بشيء، وإن كان متوقفاً عليهما، بل المراد رأيه ونظره الخاص"2.

فَيْنِتجُ كلُّ ذلك أنّ النبي لأجل عميم فضله سبحانه مصون في مقام القضاء عن الخطأ والسهو.

ولما كان هنا موضع توهّم وهو أنّ رعاية الله لنبيّه تختصّ بمورد دون مورد، دفع ذلك التوهّم بالفقرة الرابعة وقال: (وكان فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً) حتى لا يتوهم اختصاص فضله عليه بواقعة دون أخرى، بل مقتضى عظمة الفضل سعة شموله لكل الوقائع والحوادث، سواء أكانت من باب المرافعات أم من الأمور العادية الشخصية.

ولا كلام أعلى وأغزر عاطفة من قوله سبحانه في حق حبيبه: (وكان فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً).

الآية الثانية: قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا(البقرة:143).

إنّ الشهادة الواردة في الآية، من الحقائق القُرآنية الّتي تكرر ورودها في الذكر الحكيم.

قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا(النساء:41).

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ(النحل:84).

وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ...(الزمر:69).

وهذه الشهادة يتحملها الشهداء في الدنيا ويُؤدُّونها في الآخرة، ويدلّ على ذلك:

قوله سبحانه: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيد(المائدة:117).

وقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً(النساء:159).

فمجموع هذه الآيات يدلّ على أنّ في كلّ أُمَّة شهداء على أعممالها، وأنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على رأسهم، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إنّ الشهادة هنا ليست على صور الأعمال والأفعال، فإنّها غير كافية في القضاء الأُخروي، بل المشهود عليه هو حقائق أعمال الأُمة: الإيمان والكفر والنفاق، والرياء والإخلاص... ومن المعلوم أنّ هذه المشهودات لا يمكن تشخيصها والشهادة عليها عن طريق الحواس الخمس، لأنّها لا يمكنها أن تستكشف حقائق الأعمال، وما يستبطنه الإنسان. فيجب أن يكون الأنبياء مجهزين بحسّ خاص يقدرون معه على الشهادة على ما لا يُدْرَك بالبصر ولا بسائر الحواس، وهذا هو الّذي نسميه بحبل العصمة، وكلُّ ذلك بأمر من الله سبحانه وإِذْنِه، والمُجَهَّز بهذا الحسّ لا يخطئ ولا يسهو.

وإن شئت قلت: إنّ الشهادة هنا، لو كانت خاطئة، للزم عقاب المطيع أو إثابة المجرم، وهو قبيح عقلاً، لا سيما الأول، فيجب أن تكون شهادة الشاهد مصونة عن الخطأ والإشتباه حتى تكون منزهة عمّا يترتب عليهما من القبيح.

وهذه الآيات، وإن كانت لا تثبت إلاّ مصونيّته فيما يرتبط بالشهادة، ولكن التفصيل غير موجود في كلمات القوم.

تبيّن إلى هنا أنّ الأنبياء بحكم العقل والكتاب مصونون عن الخطأ، والزلل في تطبيق الشريعة أوّلاً، وجميع أَمورهم الفردية والإجتماعية ثانياً.

أدلة المجوزين للخطأ على الأنبياء
جوّز جماعة من المتكلمين الخطأ والإشتباه على الإنبياء، واستندوا في ذلك إلى آيات، غفلوا عن أهدافها. ونحن نذكرها على وجه نميط الستر عنها.

1-  قال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(الأنعام:68).

فقد استدلّ بها المخطئة بأنّ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالنتيجة أنّ النبي ربما يطرأ عليه النسيان، وهو لا يجتمع مع المصونية من الخطأ.

إلاّ أنّهم غفلوا عن أنّ وزان الآية وزان كثير من الآيات الاُخر الّتي يخاطب فيها النبي ولكن يكون المقصود من الخطاب أبناء الأُمة.

ومن هذا القبيل، قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(الزمر:65). فإنّ هذه الآية ونظائرها تركّز على الجانب التربوي من الشريعة، والغاية منها تعريف الناس بوظيفتهم وتكليفهم تجاه الباري سبحانه، ببيان أنّ نبي الأُمة إذا كان محكوماً بهذه التكاليف ومخاطَباً بها، فغيره أولى بأن يكون محكوماً بها. وهذه الآيات تجري مجرى قول القائل: "إيّاك أَعني واسْمَعي يا جارة".

فالمراد من الآية المستدلّ بها هو حثّ المؤمنين على اجتناب الحضور في المجالس الّتي يخاض فيها في آيات الله سبحانه. فالنهي عن الخوض تكليفٌ عام يشترك فيه النبي وغيره، وكون الخطاب للنبي لا ينافي كون المقصود هو الأُمة. ويدلّ على ذلك قوله سبحانه في سورة النساء: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً(النساء:140).

فإنّ هذه الآية مدنية، والآية المستدلّ بها مكية، وإذا قورنت إحداهما بالأخرى يستنتج منه أنّ الحكم النازل سابقاً متوجه إلى المؤمنين، وأنّ الخطاب فيه وإن كان للنبي، إلاّ أنّ المقصود إنشاءُ حُكْم كلّيٍّ شامل لجميع المكلَّفين من غير فرق بين النبي وغيره. ومع ما ذكرناه، لا يكون في الآية دلالة على تحقق النسيان من النبي، لأنّها إنّما تدلّ لو كان الخطاب مختصاً بالنبي لا يتعداه.

2- قال سبحانه: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً(الكهف:23-24).

المراد من النسيان الإستثناء، وهو قول "الاّ أن يشاء الله". والآية استدلالاً وجواباً كسابقتها.

3- قال سبحانه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى*إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى(الأعلى:6-7).

ومعنى الآية إنّا سنجعلك قارئاً بإلهامِكَ القِراءة، فلا تنس ما تَقْرؤه.

استدلّت المخطئة بالإستثناء الوارد بعدها على إمكان النسيان، غير أنّهم غفلوا عن نكتة الإستثناء، وهي عين النكتة في الإستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ(هود:108).

إنّ قوله سبحانه: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)، يَدُلُّ على أنّ الخلود في الجنة لا يقطع ولا يُجَزّ، بل هو عطاءٌ موصول من الربّ، ما دامت الجنة باقية، ومع ذلك استثنى سبحانه الخلود بقوله: (إِلاَّ ما شاء). وليس ذلك لأنّ الخلود يُقطع، بل للإشارة إلى أنّ قدرة الله سبحانه بعد إدخالهم الجنة باقية بعدُ، فالله سبحانه مع كونهم مخلَّدين في الجنة قادر على إخراجهم منها.

وعلى ما ذكرنا يعلم وجه الإستثناء في الآية الّتي وقعت مورد الإستدلال، فإنّه يفيد بقاء القدرة الإلهية على إطلاقها، وأنّ عطية الله (جَعْل النبي قارئاً لا ينسى) لا تسلب القدرة عن الله سبحانه على إنسائه، بل هو عليه قادر متى شاء، وإن كان لا يشاء ذلك.

وبدراسة هذه الآيات الّتي قدمناها، تقف على تحليل كثير من الآيات الّتي نُسب فيها النسيان إلى غير النبي الأعظم من الأنبياء، مثل قوله سبحانه:

أ ـ ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً(طه:115).

ب ـ ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا...(الكهف:61) الوارد في موسى وفتاه.

ج ـ ﴿...لاَ تُؤَاخِذْني بِمَا نَسِيتُ...(الكهف:73) وهو قول موسى للخضر.

وغير ذلك من الآيات3.

الرأي السائد بين المتكلمين حول سهو النبي
الظاهر من المتكلمين الأشاعرة والمعتزلة، تجويزهم السهو على الأنبياء إجمالاً، إمّا في مقام إبلاغ الدين، كالباقلاني، وإمّا في غيره كما عليه غيره. قال الإيجي في المواقف.

"أمّا الكبائر عمداً، فمنعه الجمهور، والأكثر على امتناعه سمعاً. وقالت المعتزلة (بناء على أُصولهم) يمتنع ذلك عقلاً. وأمّا سهواً فجوزه الأكثرون.

وأمّا الصغائر عمداً، فجوّزه الجمهور إلاّ الجُبّائي. وأمّا سهواً فهو جائز إتّفاقاً، إلاّ الصغائر الخسية، كسرقة حبة أو لقمة"4.

وجوّز القاضي عبد الجبار صدور الصغائر منهم عمداً، قال في شرح الأُصول الخمسة: "وأمّا الصغائر الّتي لا حَظَّ لها إلاّ في تقليل الثواب دون التنفير، فإنّها مجّوزة على الأنبياء ولا مانع يمنع منها"5.

فإذا كانت الكبائر من الذنوب جائزة عليهم سهواً عند الأكثر، أو كان صدور الصغائر منها جائزاً عليهم سهواً بالإتفاق، بل عمداً عند القاضي عبد الجبار كما تقدم في كلامه، فمن الأولى أن يجوزوا عليهم السهو في غير الذنوب، أعني في مجال تطبيق الشريعة أو أعمالهم الفردية والاجتماعية، كيف لا وقد روى الجمهور في الصحاح والمسانيد وقوع السهو من النبي، كما يجيء بيانه ونقاشه.

وأمّا الإمامية، فالمحققون منهم متفقون على نفي السهو عن الأنبياء مطلقاً حتى في تطبيق الشريعة كالصلاة، وإليك فيما يلي نقل نصوصهم في هذا الشأن.

قال الشيخ المفيد6. في رسالته الّتي يرد فيها على مَنْ ذَهَبَ إلى تجويز السهو على النبي والأئمة في العبادة ما هذا لفظه:

"الحديث الّذي روته الناصبة والمقلّدة من الشيعة أنّ النبي سهى في صلاته فسلّم ركعتين ناسياً، فلما نُبِّه على سهوه أضاف إليهما ركعتين ثم سجد سجدتي السهو، من أخبار الآحاد الّتي لا تثمر علماً ولا توجب عملاً"7.

وقال الشيخ الطوسي8 بعدما روى حديث أنً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما سجد سجدتي السهو قطّ، قال بأنّ الّذي يفتي به هو ما تضمنه هذا الخبر، لا الأخبار الّتي قَدَّم ذكرّها وفيها أنّ النبي سهى فسجد9.

وقال المحقق10 في المختصر النافع: "والحقُّ رفع منصب الإمامة عن السهو في العبادة"11 ورفع منصب الإمامة عن السهو يقتضي رفع منصب النبوة عنه.

وقال المحقق الطوسي12 في التجريد: "ويجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق فيحصل الغرض.. و(يجب) كمال العقل، والذكاء والفطنة، وقوّة الرأي، وعدم السهو"13.

وقال العلامة14 في التذكرة ما هذا لفظه: "وَخَبَرُ ذي اليدَيْن عندنا باطل، لأنّ النبي المعصوم لا يجوز عليه السهو"15.

وقال أيضاً في الرسالة السَّعْدِيَّة: "لو جاز عليه السهو والخطأ، لجاز ذلك في جميع أقواله وأفعاله، فلم يبق وثوق بإخباراته عن الله تعالى، ولا بالشرائع والأديان، لجواز أن يزيد فيها وينقص، فتنتفي فائدة البعثة، ومِنَ المعلوم بالضرورة أنّ وصف النبي بالعصمة أكمل وأحسن من وصفه بضدها، فيجب المصير إليه، لما فيه من دفع الضرر المظنون بل المعلوم"16.

وقال الشهيد الأول17 في الذكرى، بعد ذكره خبر ذي اليدين: "وهو متروكٌ بين الإمامية لقيام الدليل العقلي على عصمة النبي عن السهو"18.

وقال الفاضل المقداد19: "لا يجوز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم السهو مطلقاً، أي في الشرع وغيره. أمّا في الشرع، فلجواز أنّ لا يؤدّي جميع ما أُمر به فلا يحصل المقصود من البعثة، وأمّا في غيره، فإنّه يُنَفِّر"20.

وقال الشيخ بهاء الدين العاملي21 عندما سأله سائل عن قول ابن بابويه إنّ النبي قد سهى: "بل ابن بابويه قد سهى، فإنّه أولى بالسهو من النبي"22 .

وقد ألّف غير واحد من الأصحاب كتباً ورسائل في نفي السهو عن النبي منها: رسالة الشيخ المفيد23، ورسالة إسحاق بن الحسن الأقْرائي24، ورسالة الحر العاملي25 المُسمّاة بـ"التنبيه بالمعلوم من البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان". وقد فصل العلامة المجلسي (م 1111) في البحار، الكلام فى المسألة، واطنب في بيان شُذوذ تلك الأخبار الّتي استند إليها القائلون بالسهو26 وناقشها بأدلّة متعددة السيد عبد الله شُبّر (ت 1188- م 1242 هـ) في كتابيه: حقّ اليقين27ومصابيح الأنوار28.

نعم هناك من الإمامية من جوّز السهو على النبي، وإليك نصوصهم:

1- قال محمد بن الحسن بن الوليد29: "أوّل درجة في الغلو، نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلو جاز أن تُرَدَّ الأخبار الواردة في هذا المعنى، لجاز أن تردّ جميع الأخبار، وفي ردّها إبطال الدين والشريعة، وأنّا أحتسب الأجر في تأليف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي والرَّدَّ على منكريه إن شاء الله تعالى"30.

2ـ  قال الصدوق31: "إنّ الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي، ويقولون: لو جاز أن يسهو في الصلاة، لجاز أن يسهو في التبليغ، لأنّ الصلاة عليه، فريضة، كما أنّ التبليغ عليه فريضة".

ثم ردّ عليه بأنّ سهو النبي ليس كسهونا، لأنّ سهوه من الله عزوجل، وإنّما أسهاه ليعلم أنّه بشر مخلوق، فلا يتّخذ ربّاً معبوداً دونه. وليعلم الناسُ بسهوِه حُكْمَ السهو متى سهوا. وسَهْوُنا من الشيطان، وليس للشيطان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السَّلام سلطان، ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ(النحل:100)32.

3ـ  وقال الطبرسي33 في تفسير قوله سبحانه: (وإِمّا ينْسيَنَّكَ الشَّيْطانُ...) نقل عن الجبّائي أنّه قال: في هذه الآية دلالة على بطلان قول الإمامية في أنّ النسيان لا يجوز على الأنبياء".

ثم أجاب عليه بقوله: "وهذا القول غير صحيح، لأنّ الإمامية لا يجوزون السهو عليهم فيما يؤدّونه عن الله، فأمّا ما سواه، فقد جوّزوا عليهم أن ينسوه أو يسهوا عنه، ما لم يؤدّ ذلك إلى إخلال بالعقل"34.

إلى هنا وقفت على أنّ المشهور بين علماء الإمامية هو القول الأول دون الثاني الّذي هجر بعد الطبرسي، ولم ينبت به أحد، إلاّ بعض المشايخ المعاصرين35، فعمد إلى جمع الروايات الدالّة على طروء السهو والنسيان على النبي والأئمة. ولعلّه جامع غير معتقد به.

والقضاء بين القولين يتوقف على نقل بعض ما أثر من الروايات الدالّة على سهو النبي ومناقشتها:

1- روى الشيخان البخاري ومسلم وأبو داود واللفظ للأخير عن عمران بن حصين رضي الله عنه: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في مسير له، فناموا عن صلاة الفجر، فاستيقظوا بحَرِّ الشمس، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: تنحو عن هذا المكان ثم أمر بلالاً فأذّن ثم توضأوا وصلّوا ركعتي الفجر36. ثم أمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلّى بهم صلاة الصبح"37.

وروى الشيخ الصدوق نَحْوَهُ38.

2- روى الشيخان وغيرهما عن ابي هريرة قال: "صلّى لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر، فسلّم في ركعتين. فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كلُّ ذلك لم يكن.

فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله!.

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؟.

فقالوا: نعم، يا رسول الله.

فأتّم رسول الله ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم"39.

وروى نحوه الكليني بسند معتبر40.

وبعد تقديم هذين النموذجين من الروايات نقول: إنّ الحق هو نفي السهو عن النبي، وعدم الإعتداد بهذه الروايات لوجوه:

الوجه الأول: إنّ هذه الروايات معارضة لظاهر القرآن الدالّ على أنّ النبي مصونٌ عن السهو، على ما عرفت.

الوجه الثاني: إنّ هذه الروايات معارضة لأحاديث كثيرة تدلّ على صيانة النبي عن السهو. وقد جمعها المحدث الحرّ العاملي في كتابه41.

الوجه الثالث: إنّ ما روته الإمامية من أخبار السهو، أكثر أسانيده ضعيفة، وأمّا النقي منها فهو خبر واحد لا يصحّ الإعتماد عليه في باب الأصول42.

الوجه الرابع: إنّها معارِضة للأدلّة العقلية الّتي تقدم ذكرها.

وأمّا ما رواه أصحاب الصحاح، فمع غضّ النظر عن أسناده، فإنّه مضطرب جداً في متونه، وذلك:

1- فقد روى البخاري: صلّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر ركعتين فقيل صلّيت ركعتين. فصلّى ركعتين... الخ.

2- وفي رواية أخرى له: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر ركعتين، فسلّم. فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله، أنقصت؟...الخ.

3- وروى مسلم عن أبي هُريرة، يقول: صلّى لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة العصر، فسلّم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟. فقال: كل ذلك لم يكن...الخ.

4- وفي رواية أُخرى له: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى ركعتين من صلاة الظهر ثم سلّم، فأتاه رجل من بني سُلَيْم، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت...الخ.

5- وروى البخاري وأبو داود ومسلم عن عمران بن حصين أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى العصر وسلّم في ثلاث ركعات ودخل منزله فقام له رجل يقال له الخرباق وكان في يده طول...الخ.

6- أخرج أبو داود، قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد صلاتي العشاء الظهر أو العصر قال فصلّى بنا ركعتين ثم سلّم، فقام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، إحداهما على الأُخرى، يعرف في وجهه الغضب، ثم خرج سرعان الناس وهم يقولون: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة. وفي الناس أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه. وقام رجل كان رسول الله يسمّيه ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر الصلاة. قال: بل نسيت يا رسول الله! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على القوم فقال: أصدق ذو اليدين. فأومأوا: أي نعم. فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مقامه، فصلّى الركعتين الباقيتين ثم سلّم..الخ.

7- وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: "صلّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فزاد أو نقص (شكّ بعض الرواة) والصحيح أنّه زاد، فلما سلّم قيل له يا رسول الله، أَحَدَثَ في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: فإنّك صلّيت خمساً. فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلّم".

وفي أُخرى لمسلم قال: "صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمساً، فقلنا يا رسول الله، أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صلّيت خمساً، فقال: إنّما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون..الخ.

وروى الترمذي نحوها مع قوله: "صلّى الظهر خمساً". وأخرجه أبو داود والترمذي.

فيلاحظ فيما ذكرناه ما يلي:

أولاً: اضطراب الروايات في تعيين الصلاة الّتي سهى فيها رسول الله، فهي بين معيّنة للظهر (الرواية الأولى والرابعة) أو معينة للعصر (الثالثة والخامسة)، أو مُرَدّدة بينهما (الثانية والسادسة).

وثانياً: إنّ الرواية الخامسة تدلّ على نسيانه ركعة واحدة، بخلاف السابعة فتدلّ على زيادته ركعة، وبخلاف بقية الروايات فتدلّ على نسيانه ركعتين.

وثالثاً: قوله: "لم أَنْس ولَمْ تَقْصُر الصلاة"، في الرواية الخامسة. أو قوله في الثالثة: "كل ذلك لم يكن"، غير لائق بالرسول، لأنّه لو كان يجوز على نفسه السهو لما نفاه عن نفسه بنحو القطع، بل لقال: أظنّ أنّه لم يكن كذلك.

ورابعاً: إنّ إنكاره قول ذي اليدين مستلزم لتجويز سهوين عليه، مكان تجويز سهو واحد، وهو أيضاً عجيب في مورد واحد.

وخامساً: الظاهر أنّ سهو الرسول في الصلاة، واقعةٌ واحدةٌ، فاختلاف السهو بين الزيادة والنقيصة، واختلاف الإعتراض بين قولهم: "أَقَصَرْتَ الصلاة أم نسيت؟"، وقولهم "أَزِيدَ في الصلاة؟"، كما في رواية الترمذي من القسم السابع من الروايات، تناقض واضح.

وسادساً: إضطراب الروايات في بيان زمن التذكير، فإنّ في بعضها أنّه كان بعد الصلاة بلا فصل، وفي أُخرى بعد قيامه من الصلاة واستناده إلى خشبة في المسجد، وفي ثالثة بعد دخوله حجرته. فما هذا التناقض مع كون الواقعة واحدة كما يظهر من مجموع ما تهدف إليه الروايات.

وسابعاً: في ذيل الرواية الخامسة، أنّه بعدما ذكر ذو اليدين صنيع رسول الله من السهو: فخرج غضبان يجرّ رِداءه حتى انتهى إلى الناس فقال: أصدق هذا، قالوا: نعم. فصلّى ركعة ثم سجد سجدتين.

ففي هذه الرواية ذكر الغضب بعد تنبيه ذي اليدين، بينما في الرواية الّتي أخرجها أبو داود أنّ الغضب كان متقدِّماً على تنبيهه.

وثامناً: ما منشأ غضب رسول الله" هل هو تنبيه ذي اليدين"! لا وجه له. مع أنّ الغضب لهذا الشأن لا يناسب قوله سبحانه في حق نبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم(القلم:4).

وَمُجْمل المقال إنّ هذه الروايات43مع ما فيها ممّا ذكرناه ولم نذكره، لا يصحّ أن تقع سناداً للعقيدة.


*الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني.مؤسسة الامام الصادق عليه السلام ،ج3،ص191-208


1- راجع في الوقوف على مجموع ما نقل من أسباب النزول، تفسير الطبري، ج 5، ص 169.
2- الميزان، ج 5، ص 81.
3- قد أجمل الأُستاذ دام ظلّه الكلام هنا في هذه الآيات، فنحن نستدرك البحث فيها بما يرفع الستار عن وجهها.
4- المواقف، ص 359.
5- شرح الأُصول الخمسة، ص 575.
6- هو الشيخ محمد بن محمد بن النعمان البغدادي، (ت 338 ـ م 413 هـ).)

7- التنبيه بالمعلوم من البرهان، تأليف الشيخ الحرّ العاملي، ص 7.
8- محمد بن الحسن الطوسي، (ت 385 ـ م 460 هـ).
9-  التهذيب، ج 2 ص 351.
10- أبو القاسم جعفر بن الحسن الحلي، (ت 602 ـ م 676 هـ).
11- المختصر النافع، ص 45.
12- نصير الدين محمد بن محمد الحسن الطوسي، (ت 597 ـ م 672 هـ).
13- شرح التجريد، ص 195.
14- الحسن بن يوسف الحلي، (ت 648 ـ م 726 هـ).
15- تذكره الفقهاء، ج 1، ص 130 ، في مسألة وجوب ترك الكلام بحرفين فصاعداً ممّا ليس بقرآن ولا دعاء.
16- الرسالة السَّعِديَّة، ص 76، طبعة النجف.
17- محمد بن مكي العاملي، (ت 734 - م 786 هـ).
18- لذكرى، ص 134.
19- أبو عبد الله المقداد بن عبد الله الأسدي السيوري الحلي، م 826 هـ.
20- إرشاد الطالبين، ص 305.
21- محمد بن الحسين بهاء الدين العاملي، ت 953 - م 1030 هـ.
22- التنبيه على المعلوم من البرهان، ص 13.
23- محمد بن الحسن الحرّ العاملي، المحدث المعروف، م 1104 هـ.

24- أدرجها العلاّمة المجلسي في البحار، لاحظ ج 17، ص 122 - 129.
25- رجال النجاشي، رقم الترجمة 178.
26- البحار، ج 17، الباب 16، ص 97 - 129.
27- حق اليقين، ج 1، ص 124 - 129.
28- مصابيح الأنوار، ج 2، ص 133.
29- محمد بن الحسن بن الوليد القمي، من مشايخ الصدوق، متوفى عام 343 هـ.
30- من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 360.
31- محمد بن علي بن الحسين بن بابوبه، ت 306 - م 381 هـ.
32- من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 360.
33- الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، ت 470 - م 538 هـ.
34- مجمع البيان، ج 7، ص 317.
35- وهو العلاّمة الشيخ محمد تقي التستري مؤلّف قاموس الرجال. وقد أدرج الرسالة في الجزء الحادي عشر من كتابه.
36- المراد نافلة فريضة الصبح.
37- التاج الجامع للأُصول في أحاديث الرسول، ج 1، ص 120.
38- من لا يحضره الفقيه، ج 1 ص 360، رقم الحديث المتسلسل 1031 وفي السند "الرباطي". فإن كان المراد منه علي بن رباط البجلي الكوفي، لقرينة رواية الحسن بن محبوب عنه فهو ثقة والرواية معتبرة.
39- التاج، ج 1، ص 196، ولاحظ جامع الأصول، ج 6، ص 350، الرقم المتسلسل 3762.
40- الكافي، ج 3، ص 355، باب من تكلم في صلاته، الحديث الأول.
41- لاحظ التنبيه بالمعلوم من البرهان، ص 26 ـ 44.
42- وقد قام الشيخ الحرّ العاملي - قدّس سرّه - بتحقيق لمسانيد تلك الروايات وبيان ضعفها. لاحظ ص 64 ـ 66 من المصدر السابق نفسه.
43- لاحظ مجموع ما نقلناه من مقاطع الروايات، جامع الأصول، ج 6، ص 346 ـ 357.

23-07-2009 عدد القراءات 7371



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا