19 أيلول 2017 الموافق لـ 28 ذو الحجة 1438
En FR

العقيدة الإسلامية :: إثبات إمامة علي (ع)

لماذا اعرض الصحابة عن مدلول حديث الغدير



ربما يطرح البعض اسئلة حول حديث الغدير

السؤال الأول
: لماذا أعرض الصحابة عن مدلول حديث الغدير؟
إنّ هاهنا اعتراضاً على تنصيب عليّ في مقام الولاية والخلافة، بأنّه لو كان الأمر كذلك، فلماذا يأخذه الصحابة مقياساً بعد النبي. وليس من الصحيح إجماع الصحابة، وجمهور الأمّة على ردّ ما بلّغه النبي في ذلك المحتشد العظيم.

والجواب: إنّ ذلك أقوى مستمسك لمن يريد التخلص من الإعتناق بالنصّ المتواتر الجلي في المقام، ولكنه لو رجع إلى تاريخ الصحابة، يرى لهذه الأمور نظائر كثيرة في حياتهم السياسية، وليكن ترك العمل بحديث الغدير من هذا القبيل. وفيما يلي نذكر نماذج من هذا الإجتهاد المرفوض قبال النصّ.

1- رزية يوم الخميس

كلّ من ألمّ بالحديث والتاريخ، يعرف حديث "رزية يوم الخميس"، الذي رواه الشيخان وغيرهما، أخرج البخاري عن ابن عباس، قال: لما حُضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي: "هلمّ أكتب لكم كتاب لا تضلّوا بعده أبداً"، فقال عمر: "إنّ النبي قدغلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله". فاختلف أهل البيت، فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا، يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم يقول ما قال عمر. لما أكثروا اللغو والإختلاف عند النبي، قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: قوموا.

قال عبد الله بن مسعود: فكان ابن عباس يقول: "إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم"1.

2- سرية أسامة

قد اهتمّ النبي ببعث سرية أُسامة بن زيد اهتماماً عظيماً، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها، وحثّهم عليها، ثم عبّأهم بنفسه الزكية، إرهافاً لعزائمهم، واستنهاضاً لهممهم، فلم يُبْق أحداً من وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر، وعُمَر، وأبي عبيدة، وسعد، وأمثالهم، إلاّ وقد عبّأه، وكان ذلك لأربع ليال بقين من صفر، سنة إحدى عشرة للهجرة، فلما أصبح يوم التاسع والعشرين، ووجدهم مُثّاقلين، خرج إليهم فحضّهم على السير، وعقد اللواء لأسامة بيده الشريفة، إرهافاً لعزيمتهم ثم قال: "أغز باسم الله، وفي سبيل الله". فخرج بلوائه معقوداً، فدفعه إلى بريدة، وعسكر بالجرف.

ثم تثاقلوا هناك، فلم يبرحوا، مع ما وعوه ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب إسراعهم كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أُغز صباحاً على أهل أُبنة". وقوله: "وأسرع السير لتستبق الأخبار"2.

وقد أغضب النبيَّ تثاقُلُهم، حتّى قال: "جَهِّزوا جيش أُسامة، لَعَنَ الله من تخلّف عنه"، فقال قوم: "يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة"، وقال قوم: "قد اشتدّ مرض النبي، فلا تسع قلوبنا مفارقته، وحاله هذه، فنصبر حتّى نبصر أي شيء يكون من أمره"3.

ثم إنّ مَنْ ذَكَرَ تخلُّفَ القومِ عن أسامة، حاول تعليل تخلّف الصحابة، فقال بأنّ الغرض منه إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب، وتسكين نائرة الفتنة المؤثرة عند تقلّب القلوب4.

فإذا صحّ هذا العذر، فليصحّ في حديث الغدير، فإنّ القوم "أكثرهم لا جميعهم" ثقل عليهم إمامة علي بن أبي طالب الذي قتل من أبناء القوم إخوانهم يوم بدر وحنين وغيرهما، ما قتل، فرجّحوا مخالفة الحديث حفظاً للوحدة، أو لغير ذلك من هذه المبررات "عند القوم" للإجتهاد تجاه النصّ.

كما أنّهم في نفس القضية، طعنوا في إمارة أسامة، طعناً عظيماً، وأقلّ ما قالوه، إنّ النبيّ قد أمّر شاباً غير مجرّب على شيوخ القوم وأكابرهم!!.

3- صُلح الحُديبيّة واعتراض القوم

إنّ النبي الأكرم صالح قريشاً في الحديبيّة لمصالح عالية، كشف المستقبل عنها بوضوح. ولما تمّ كتاب الصلح، اعترض عليه لفيف من الصحابة، حتى تصوّروا أنّه من باب إعطاء الدنيّة في طريق الدين.

روى مسلم في باب صلح الحديبيّة أنّ عمر قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أولسنا على الحق، وهم على الباطل؟ قال: "بلى". قال: "ففيما نعطي الدّنية في ديننا، ونرجع وَلمّا يحكم الله بيننا وبينهم"؟. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا ابن الخطاب، إنّي رسولُ الله ، ولن يضيّعني أبداً"5.

فانطلق عُمَر، ولم يصبر متغيظاً، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، ألسنا على حقّ وهم على باطل، قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار. قال: بلى. قال: فعلى مَ نعطي الدنيّة في ديننا، ونرجع ولّما يحكم الله بيننا وبينهم. فقال: يا ابن الخطاب، إنّه رسول الله، ولن يُضَيِّعه الله أبداً.

فلما فرغ رسول الله من الكتاب قال لأصحابه،: قوموا فانحروا، ثم احلقوا. قال الراوي: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، دخل خباءه، ثم خرج فلم يكلم أحداً منهم بشيء، حتى نحر بدنة بيده، ودعا حالقه، فحلق رأسه. فلما رأى أصحابه ذلك قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعض6.

ولسنا بصدد استقصاء مخالفات القوم لنصوص النبي وتعليماته، فإنّ المخالفة لا تقتصر على ما ذكرنا بل تربوا على نيف وسبعين مورداً، استقصاها بعض الأعلام7.

وعلى ضوء ذلك، لا يكون ترك العمل بحديث الغدير، من أكثرية الصحابة دليلاً على عدم تواتره، أو عدم تمامية دلالته.

والمشكلة كلّها في هذا الباب، هي التعرّف على حكم الصحابة من حيث العدالة، فإنّ القوم ألبسوا مجموع الصحابة لباس العصمة، وحلّوهم أجمعين بحلية التقوى والعفاف، على وجه لا يكادون يخالفون الكتاب والسنّة قيد شعرة، فالصحابة بمجموعهم معصومون لا يخطئون. فمن كانت هذه عقيدته، فيشكل عليه القول بأن القوم خالفوا تنصيص النبي وتنصيبه لعلي عليه السَّلام.

ولكنها عقيدة تضاد كتاب الله وسنته، والتاريخ. فمن درس حياة الصحابة في ضوء الكتاب والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، يقف على أنّ فيهم صالحاً وطالحاً، كسائر أفراد المجتمعات البشرية، وليس السلف خيراً من الخلف، بل السلف والخلف على وتيرة واحدة، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ(فاطر:32).


* الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني.مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ج4،ص99-103


1- أخرجه البخاري، في غير مورد، لاحظ ج 1، باب كتابة العلم، الحديث 3; و ج 4، ص 70; و ج 6، ص 10; من النسخة المطبوعة سنة1314. والإمام أحمد في مسنده ج 1، ص 355، وفيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس. ثم نظرت إلى دموعه على خدّيه تحدر كأنّها نظام اللؤلؤ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إئتوني باللوح والدواة، أو الكتف، أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً. فقالوا: "رسول الله يَهْجُر"!!.
2- طبقات ابن سعد ج2، ص189-192.
3- الملل والنحل، للشهرستاني، ج 1، ص 23.
4- المصدر سابق نفسه.
5- صحيح مسلم، باب صلح الحديبية، ج5، ص 175، والطبقات الكبرى لابن سعد، ج 2، ص 114 حيث استغفر للمحلقين ورأى بعضهم غير محلق.
6- صحيح البخاري، ج 2، كتاب الشروط، ص 81.
7- لاحظ كتاب النصّ والإجتهاد، للسيد الإمام شرف الدين، وهو كتاب ممتع مليء بالأحداث الّتي قُدّم فيها الإجتهاد الخاطيء "لا الصحيح فإنّه تبع النص" على النصّ النبوي الجليّ.

02-01-2010 عدد القراءات 5083



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا