19 أيلول 2017 الموافق لـ 28 ذو الحجة 1438
En FR

العقيدة الإسلامية :: الدين

ما هي الخطوات المعتبرة لمعرفة الدين؟



إِنَّ الخطوة الأولى لفهم الدّين هي الوقوف على المعرفة المعتبرة فيه. فالدّين الواقعي لا يعتبر كل معرفة حقاً قابلا للاستناد، بل يشترط فيها الشروط التالية:

أ- المعرفة القطعية التي لا تنفكّ عن الجزم والإِذعان ورفض المعرفة الظنّية والوهميّة والشكّية، قال سبحانه:﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـؤولاً(الاسراء:36). ترى أنَّ الآية ترفض كل معرفة خرجت عن إطار العِلمْ القطعي، ولأجل ذلك يَذمّ في كثير من الآيات اقتفاءَ سنن الآباء و الأجداد، اقتفاء بلا دليل واضح، وبلا عِلْم بصحته وإتقانه، يقول سبحانه: ﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَ إِنَّا عَلَى آثَـارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَ كَذَ لِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِّن نَّذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ(الزخرف:22-23).

والقرآن ينقل أخبار الكثير من المضلّلين حيث يعضّون أناملهم من الندم يوم القيامة بقوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولاَ * وَ قَالُواْ رَبَّنَا إِنَّـا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَ كُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (الاحزاب:66-68).

ب- تعتبر المعرفة، إذا كانت نابعة من أدوات المعرفة الحسّية والقلبية أو العقلية، يقول سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الاَْبْصَـارَ وَ الاَْفْـئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(النحل:78).

فالسَّمع والأبصار رمز الأدوات الحسّية، والأفئدة كناية عن العقل والإِدراكات الصحيحة الفكرية، والإِدراكات الخارجة عن إطار تلك الأدوات غير قابلة للاستناد.

وإنما اعتمد من بين أدوات المعرفة على هذين (الحِسْ والعقل) لأنهما أكثر صواباً وأعظم نتيجة وأما غيرهما من الأدوات التي يعتمد عليها مرضى القلوب فهي غير قابلة للاستناد، ولهذين الأمرين من أدوات المعرفة شعِب وفروع قد بيّنت في علم "نظرية المعرفة".

نعم هناك سؤال يطرح نفسه وهو أَنَّه إذا كان اقتفاء الآباء والأجداد وتقليدهم أمراً مذموماً فلماذا جوّزه الإِسلام في باب معرفة الأحكام الفرعية العملية؟ إذ يصح لكل مسلم أنْ يأخذ مذهبَه في الفروع والأحكام من إمام الفقه وعالمه، أو ليس ذلك تقليد لهم كتقليد الكفار لآبائهم؟.

والإِجابة على هذا السؤال واضحة، إذ إن أخذ الأحكام عن المجتهد البارع المتخصّص في فنّه، ليس من قبيل التقليد المذموم وهو الرجوع إلى الغير، وتقليده بلا دليل، لأنَّ رجوع الجاهل إلى العالِم واقتفائه أثَره رجوع إليه مع الدليل، وعليه سيرة العقلاء في جميع المجالات، فالجاهل بالصنعة يرجع إلى عالمها، وجاهل الطب يرجع إلى خبيره، وهكذا دواليك، وهذا كله في الأمور الفرعية.

وأما المسائل الأصولية، فهي مسائل جذورية، والأمر فيها يدور بين الإِثبات المحض، كما هو الحال عند الإِلهيين، والنفي المحض كما هو عند المادّيين، فلا يصحّ التقليد فيها، إذا ليس هناك قدر مشترك حتى يؤخذ به ويرجع في الزائد عليه إلى المتخصص، فإن كلاَّ من الإِلهي والمادّي يدّعي كونه متخصصاً في هذا العلم.

فلا جل ما ذكرنا، يجب على الإِنسان الغور في المسائل الأصولية من دون جعل فكر سنداً وحجّة.

المعارف العليا في الإِسلام
إِنَّ الإِسلام يحثّ على التعرف على أمور ثلاثة من بين الموضوعات المختلفة ويعتبرها ذات أهميّة لمن يطلب الواقع.

1ـ معرفة الكون والطبيعة
هذه المعرفة مما يؤكد القرآن بحماس على تحصيلها يقول سبحانه: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَ الاَْرْضِ(يونس:101).
ويقول أيضاً: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَات لاُِّوْلِي الاَْلْبَابِ(آل عمران:190).

فلا محيص للإِنسان المتديّن عن دراسة الطبيعة والغور في أعماقها حسب معطياته وقابلياته.

معرفة الإِنسان نفسه
وهي من ضروريات المعارف التي أكَّد عليها كما أكَّد على سابقتها، قال سبحانه:﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَ فِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيء شَهِيدٌ(فصلت:53).

وتضافرت الروايات على أهميّة معرفة النَّفس وأنَّ الإِنسان من خلال التعرف عليها وعلى الطبيعة التي يعيش فيها، يعرف ربّه.

معرفة التاريخ
إِنَّ القرآن يؤكد على معرفة التاريخ بما أنه مثار العبر والعظات، يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُِّوْلِي الاَْلْبَابِ(يوسف:111).

ويقول سبحانه: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(الأعراف:176).

هذه هي الموضوعات التي يحبّذ الإِسلام على التعرّف عليها كل من يريد أنْ يلمس الحقائق ويصل إلى الواقع، فالمعرض عن هذه المعارف، محجوب عن معرفته سبحانه وسننه في الكون.

* الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني.مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ج 1 . ص20-23

18-07-2009 عدد القراءات 5922



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا