20 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 01 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الجهاد والشهادة :: في رحاب الولي

حقيقة النصر وتجلياته



النصر في المفهوم الإلهي، وكما تعلمنا من الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه، هو نفس تحقيق رضا الله تعالى ونيل رضوانه، ولا يتحقق هذا الرضا ولا ينال الرضوان إلا من خلال لزوم أمر الله ودوام طاعته، كما يريد الله ويحب أن يطاع. فالنصر بناءً على هذا الفهم الإلهي لا يتحقق بغير ذلك وإن ظن الكثيرون ظواهر أعمالهم فوزاً ونصراً ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا8. فالسعي والعمل والجهاد والصراع الذي ينجر إلى الفوز والنصر فقط وفقط هو السعي المرضي والمقبول من الله تعالى حيث يكون العمل لله والجهاد في سبيله والصراع دفاعاً عن الحق لا يحيد عنه أبداً.

وبهذا المقياس للنصر لا تعود القيمة لحجم العمل وعظم ساحة القتال بل للهدف والنية والإخلاص وسلامة المنطلق وطهارة النفس، وإصابة كل ذلك لمواطن الرضا الإلهي. ومع هذه الفلسفة للنصر والتي تشكل جوهر القضية هنا فإن كل عمل يصدر عن الإنسان صغيراً كان أم كبيراً، حقيراً أم خطيراً تكون نتيجته نصراً وفوزاً وربحاً لا خسارة معه مادام ذلك كله لله موفقاً لرضاه، حتى لو أدى ذلك العمل بحسب الظاهر للخسارة أو الهزيمة أو الفشل ومجانبة الأهداف المرجوة. وبالمقابل فإن كل عمل أو فعل مهما كان كبيراً وجليلاً بحسب الظاهر وإن صنف أيضاً بخانة الفوز والنصر وتحقيق الأهداف الكبرى لا يعد كذلك إن لم يكن منطلقه وجه الله ولم يحز على كسب الرضا الإلهي، بل لابد من تصنيف ذلك في خانة الهزائم والإخفاقات ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.

بهذه الروحية كان الإمام الخميني واجه كل القضايا والأمور الصغيرة والكبيرة، لتصير القضية لحجم من يعمل من أجله وهو الله تعالى، لا بحجم نفس القضية، وعليه بنظر الإمام قد ينعدم الفارق، لجهة النية والشعور بين عملٍ بحجم إعالة فقير أو إغاثة ملهوف أو حتى تقديم جواب على مسألةً شرعية وبين القيام بثورة أو إقامة دولة إسلامية، فالنية واحدة القيام لله ولله وحده لا شريك له، ومن هذا الفهم والمنطلق يمكن تفسير جواب الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه لذلك الصحافي الذي سأله عن شعوره وهو يطأ بقدميه أرض مطار إيران عائداً بالفتح والظفر وملايين الناس قد هبوا لاستقباله، فكان الجواب لا شيء، لا شيء..! هذه اللاشيء هي ما قصدناه وعنيناه، أي لا شيء غير عادي، إنه مجرد القيام بالتكليف الشرعي طلباً للرضا الإلهي، وهذا القيام بالتكليف على المستوى الشعوري كالقيام بأي تكليف آخر صغيراً أم حقيراً بحسب الظاهر، والفارق لا شيء.

هذه هي حقيقة النصر ومعناه وروحه وجوهره بنظر الإسلام المحمدي الأصيل الذي تعلمناه من خط الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه. وأما تجليات النصر وإشراقاته فهي كثيرة، نعرض لأهمها:

النصر في ظل الحق:

النصر والحق حليفان، فأَينما حلَّ الحق كان النصر، وأَينما حصل النصر كان في ظل الحق منطلقاً منه، بل يمكن القول إن النصر في الحقيقة ليس إلا تجلي للحق ومظهر له، وذلك أن الحق هو اسم من أسماء الله وبعض من حقائق القدرة الأزلية الأبدية، والله تعالى هو المنتصر والقاهر والمهيمن والمقتدر، فالحق منتصر على الدوام لأنه من إرادة الله وعدله فهو حقيقة ثابتة لا تبدل لها، ومقابل الحق يأتي الباطل الذي هو سراب ووهم وخيال ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ9، ولذلك قيل: إن للباطل جولة وللحق جولات، وقيل أيضاً: للباطل ساعة والحق إلى قيام الساعة. وعليه فإن نتيجة الصراع بين الحق والباطل هو انتصار الحق على الدوام حتى لو قتل أهل الحق وصرعوا من قبل الباطل وأهله في بعض أدوار الزمان.

وبهذا الصدد يخاطب الإمام الخميني الشعب الإيراني المنتصر إبان الثورة الإسلامية الظافرة في إيران عام 1979 بقوله: "الحق منتصر، وما دمنا في طريق الحق فنحن منتصرون، والباطل مهزوم وكل من يسير في طريق الباطل فسوف يكون مهزوماً... لقد كان الحق معكم حينما هتفتم: نحن نريد الإسلام ولا نريد الكفر والشرك ولا الغزاة ولا قول الزور، وأولئك كانوا مع الباطل حينما وقفوا بمواجهتكم وأرادوا المحافظة على ذلك النظام، كذلك القوى الداخلية والقوى الخارجية والعملاء الداخليون سواء كانوا من أهل القلم والبيان أم كانوا من أهل العمل والحيل والرايات الحربية،... ومع ذلك فإن شعبنا بقدرة (الله أكبر)، تغلب على هذه الحيل والرايات الحربية الكبيرة وانتصر، والحق منتصر دائماً"10.

الثبات على الحق:

من القضايا الهامة والتي تعد شرطاً في تحقيق النصر وديمومته هي الثبات على الحق والتمسك به وعدم الحياد عنه، لأن الحياد عن الحق والانحراف عنه هو خروج عن جادة النصر إلى وادي الهزيمة بل تكون الهزيمة هنا أشد لأنها جاءت بعد انتصار، وبعد قيام الحجة بمعرفة الحق والتمسك به ومن ثم تركه والحياد عنه. والثبات على الحق يحتاج للكثير الكثير من العزم والإرادة والإخلاص والوعي والحكمة والتصميم. فطريق الحق هو الطريق المستقيم والجاد الذي لا اعوجاج فيه، وهو طريق ذات الشوكة والصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى بالسير فيه والتمسك به. والتمسك هنا يحتاج إلى التثبت الشديد مع تجميع كل القوى العقلية والنفسية والجسدية تركيزاً على هذا المسار دون غيره مع بذل التضحيات عندما يتطلب الأمر ذلك، وبهذا يكون الثبات إلى جانب الحق ثباتاً على النصر وسراً من أسراره. يقول الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه: "الشرط الأساسي هو الثبات إلى جانب الحق، يجب أن يجتمع الذين آمنوا بالإسلام وآمنوا بالحق على حقهم، ولا يدعوا أهل الباطل يجتمعوا على باطلهم"11. وفي كلام الإمام هنا أيضاً إشارة واضحة إلى شرط آخر من شروط الثبات على الحق هو اجتماع المؤمنين بحقهم على كلمتهم وحقهم في دفاعهم عنه، وعدم ترك هذه الميزة لأهل الباطل دونهم، ففرقة أهل الحق عن حقهم وتخليهم عنه يعدُّ هجراً لهذا الحق وبالتالي أخذاً بأسباب الهزيمة وعلو الباطل.

أهل الحق لا يخافون من التهديدات:

وهذه الخاصية من لوازم التمسك بالحق، فأهل الحق هم أهل الله وأهل الإيمان وأهل الإيمان وأهل الآخرة وأهل الجنة وأهل الزهد بالدنيا ودرجاتها ومباهجها، لذلك يفترض بهم وهم يحملون هذه الصفات أن لا يخافوا من أهل الباطل ومكرهم وحيلهم وتهديداتهم وأحابيلهم مهما بلغت من المكر والدهاء والخبث والقوة.

وقدوة أهل الحق ونموذجهم الأرقى في التمسك بالحق وعدم التخلي عنه بواسطة الإرعاب والتهديد بالقتل هم أبطال كربلاء الذين ثبتوا واستقاموا على الحق ولم يرعبهم كل التهديد والتهويل والحصار إلى أن قضوا عن آخرهم شهداء في طريق الدفاع عن الحق ومناجزة الباطل. ويكفي البشر وأهل الحق درساً في عدم السقوط في فخ الخوف من الإرعاب وترك الحق، كلمة قالها علي بن الحسين عليه السلام عندما أعلمه والده الحسين عليه السلام أنه يقتل يوم غد مع باقي أهل بيته والأصحاب، فأجاب علي بن الحسين عليه السلام: "ألسنا مع الحق"؟ قال الحسين عليه السلام: "نعم"، فقال علي بن الحسين عليه السلام: "إذن لا نخاف، أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا".

ونحن عندما نلاحظ شخصية إمام الخميني العظيم نجد أنها كانت الشخصية الصلبة كالجبل الراسخ في طريق الحق لا يزلزلها العواصف، وهل هناك شجاعة أعلى من أن يصف الإمام الخميني نفسه بأنه لم يخف يوماً في حياته، وأن جلاديه عندما اعتقلوه وأرادوا به شراً كانوا هم الخائفين وكان هو يخفف من روعهم. إن الاستقامة والثبات على الحق في شخصية إمامنا الخميني رضوان الله عليه من الأمور التي يجب أن تتحول إلى درس هادي لكل أتباع الحق وطالبي الحرية في العالم. وها هي كلمات الإمام الصلبة توصينا بأن لا نخاف مطلقاً من الإرعاب ما دمنا مع الحق، يقول رضوان الله عليه: "يجب أن لا نخاف من الحرب والإرعاب أبداً. لماذا نخاف؟ نحن مكلفون ونعمل بتكليفنا ونحن محقون. عندما نكون محقين فلماذا نخاف؟ إنها تلك الكلمة التي قالها علي بن الحسين لوالده ـ بعدما قال له سوف تقتلون: قال ألسنا مع الحق؟ قال نعم نحن على الحق، قال إذن لماذا نخاف؟ لم يعد عندنا خوف"12.

النصر في ظل الصبر:

الصبر على الصعاب في طريق الحق لهو تجلٍ آخر من تجليات النصر، فلا نصر بلا صبر وتحمل وصمود وعناد، فالنصر لا يأتي بسهولة، وهو ليس هبة للخانعين والضعفاء والمترددين بل هو من نصيب الرجال المؤمنين الذين يصبرون على ما يصيبهم في ذات الله، فالصبر من النصر كالرأس من الجسد، فلا جسد لا رأس معه، ولا نصر لا صبر معه ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ13.

يقول الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه: "إذا أراد الإنسان أن يصل إلى الحق، وإذا أراد أن يطبّق الإسلام الحق في بلدٍ ما، فيجب أن يصبر، هكذا كان يصبر أولياء الله سلام الله عليهم في كل المراحل والمصائب والمشاكل. لقد واجه رسول الله كثيراً من المشاكل خلال زمان وجوده الشريف في مكة والمدينة ومن جميع الجهات، فقد كانت المحاصرة الاقتصادية وكانت الهجمات العسكرية التي لم نر نحن مثلها"14.

ويقول أيضاً: "إنكم على علم بأن تاريخ الإسلام مشحون بهذه المجاهدات والتضحيات والقتل على أيدي الفجار، حتى إن أئمتنا عليهم السلام قد ابتلوا بهذه الأمور، ولكن يجب الصبر والتلبس بالمناعة والاستقامة فإن الله مع الصابرين، وقد تغلبنا على هذه القوة الشيطانية الخارقة (الشاه) التي كانت كل القوى تقف وراءها، وليس هذا إلا لأن شعبنا كان متحداً صبوراً وكان يصبر على المشاكل ويحلها بالصبر وبالاتكال على الله تبارك وتعالى"15.

النصر والمدد الإلهي:

إن من أجمل تجليات النصر هو مظاهر وإرهاصات المدد الإلهي والنصرة المبذولة للعباد الصادقين، فالمجاهدون الصابرون المحتسبون عندما تتحقق منهم الاستقامة في نصرة الله يتنزل عليهم النصر الإلهي الذي يترجم هداية لهم وفكراً بأعدائهم وعوناً لجندهم يتنزل من السماء ملائكة ورعباً وحجارة من سجيل، فيكون مشهد النصرة الإلهية هذه أجمل من مشهد النصر عينه لأنه بشارة من السماء على أن هذا النصر هو نصر حقيقي إلهي يستأهل أن يفرح المؤمنون به، ويكون مصداق الآية الشريفة ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ16.

وبهذا الصدد يقول الإمام رضوان الله عليه: "إنَّ مع هذه الأمة حماية غيبية، فأنتم بالحماية الغيبية إنما تسيرون قدماً، وإلا فأنتم بأنفسكم لا تملكون الإمكانيات لذلك،... إن الذي كان بيد أمتنا إنما هو الله أكبر هو الإيمان، فالإيمان ونداء الله أكبر هو الذي دفعكم إلى الإمام"17.

ويقول أيضاً: "أولئك الذين لا يهتمون بالمعنويات ألا ينتبهون من سباتهم؟ ألا يؤمنون بهذا الغيب؟ هلاّ يستيقظون! من الذي أسقط هليكوبترات السيد كارتر التي أرادت غزو إيران؟ أنحن الذين أسقطناها؟ الرمال التي أسقطتها. لقد كانت الرمال مأمورة من الله، وكانت الريح مأمورة من الله، ليجربوا ثانية"18.

* النصر في فكر الإمام الخميني. نشر: جمعية المعارف الاسلامية الثقافية. إعداد: مركز نون للتأليف والترجمة. الطبعة الأولى ايار 2002م - 1423 هـ . ص: 11- 18.


1- الكلمات القصار، ص111.
2- الكلمات القصار، ص111.
3- الكلمات القصار، الإمام الخميني قدس سره، ص111ـ 112.
4- الكلمات القصار، الإمام الخميني قدس سره، ص111ـ 112.
5- الاستقامة والثبات في شخصية الإمام الخميني، ص347.
6- الاستقامة والثبات، ص348.
7- الاستقامة والثبات، ص348.
8- الكهف / الآية 103ـ104.
9- الرعد / الآية 17.
10- الاستقامة والثبات في شخصية الإمام، ص197.
11- الاستقامة والثبات في شخصية الإمام، ص197.
12- الاستقامة والثبات، ص198.
13- الشرح / الآيات 5ـ8.
14- الاستقامة والثبات، ص121.
15- الاستقامة والثبات، ص121.
16- محمد / الآية 7.
17- الاستقامة والثبات، ص115ـ116.
18- الاستقامة والثبات، ص115ـ116.

06-01-2011 عدد القراءات 6418



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا