15 آب 2018 الموافق لـ 03 ذو الحجة 1439
En FR

القرآن الكريم :: صدى الآيات

كيف أكون في المجتمع؟



 

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً.


أ- في كنف الآية:

إن للإنسان كرامة عند اللَّه تعالى، لم ينلها غيره من الخلق حتى الملائكة، وقد خصّه بنعم ومقدرات عظيمة يصعب احصاؤها ومعرفتها، حتى يستعين بها في مسيرة حياته، ويتقوى على طاعته يصفها مولانا الصادق عليه السلام قائلاً: "فإنك إذا تأملت العالم بفكرك وميّزته بعقلك، وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح.. والإنسان كالمملّك ذلك البيت والمخوّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه"1 ذلك كله وضع بتصرف الإنسان وخدمته لاستعماله في سبيل الخير والبناء لا في طريق الشرّ والشقاء، ومما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا التكريم الإلهي لابن آدم: "ما شي‏ء أكرم على اللَّه من ابن آدم، قيل يا رسول اللَّه! الملائكة؟ قال: الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر"2، وفي الحديث: "لما أسري برسول اللَّه وحضرت الصلاة فأذن وأقام جبرئيل، فقال: يا محمد تقدم، فقال رسول اللَّه: تقدم يا جبرائيل، فقال له: إنا لا نتقدم الآدميين منذ أمرنا بالسجود لآدم"3.


ب- الحقوق الإنسانية:

إذا عرفنا ما تقدم حقّ علينا أن نسأل أنفسنا كيف نتعامل مع من كرّمه اللَّه بهذا التكريم ونحن نعيش في مجتمع واحد، نتعارف ونتآلف، ما هي الحقوق الواجبة علينا ليكون الجواب: أن الحقوق الإنسانية التي ينبغي علينا مراعاتها في جانبين: الأول: مادي، والثاني: معنوي، طالما كانت روح المسؤولية تعيش بيننا حيث يشعر كل واحد منا إنه جزء من هذا المجتمع يتكامل مع الآخرين لا تتحكم فيه روح الانزواء والتفرد، بل نلتزم المبادى‏ء الاجتماعية التي دعانا إليها الإسلام العزيز.

بحيث لا يستعلي أحد على الآخرين ولا يستضعفهم يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "الناس سواء كأسنان االمشط"4.

ومن وصاياه عليه السلام: "واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم.. فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق"5.


1- الحقوق المادية:

إن التشريعات بيّنت الاهتمام الإلهي بالحفاظ على توفير الضرورات والحاجات المادية للإنسان وهي هادفة في أن تسود الأرض عدالة اجتماعية، ولا يهان الإنسان لقاء لقمة عيشه أو سقف يظلّله مع عائلته أو دراهم تعينه على شراء دواء وما شاكل ذلك، ومن هنا يعتبر الممتنع عن دفع الزكوات والأخماس وسائر الحقوق المالية الشرعية المتوجبة عليه متعدياً ومنتهكاً للحقوق الإنسانية ومساهماً في حرمان الآخرين وابقائهم على الأوضاع السيئة التي تحيط بهم بدلاً من قيامه بإعانة الضعيف منهم ومساعدته لما فيه صلاح دينه ودنياه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الخلق كلهم عيال اللَّه، فأحبهم إلى اللَّه عزّ وجلّ أنفعهم لعياله"6، وعن الصادق عليه السلام: "قال اللَّه عزّ وجلّ: الخلق عيالي فأحبهم إليّ ألطفهم بهم واسعاهم في حوائجهم"7 لذلك كان للمساعي والخدمات في سبيل المجتمع البشري أهمية بالغة في الدين الحنيف. هذا ما يرتبط بالواجبات العامة وهي بدورها كما تفرض تأمين الاحتياجات تلزمنا كذلك بالمحافظة وعدم التعرض للمقدرات الموجودة لدى الناس على اختلاف أشكالها وأنواعها وقد أقام الإسلام على ذلك الحدود عند التعدي لتستقيم الحياة في الخط الذي أراده اللَّه سبحانه لها.


2- الحقوق المعنوية:

إن الدعوة إلى رعاية الحقوق المعنوية لا تقل عن المادية بل هي آكد وأوجب سواء في مجالها العام الذي يمكن التمثيل له بتوهين أهل بلد معيّن، من خلال إهانتهم ولصق التهم بهم أو في مجالها الخاص كالتعرض لغيبة المؤمن أو بهتانه وشتمه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا(الأحزاب:58) وعن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم: "من آذى مؤمناً فقد آذاني"8 وهنا لا يكون الحق المطلوب رعايته عدم التعرض للآخر بما يكره وإنما هو إضافة في أن لا يتعرض إليه كذلك في محضرك حيث يجب عليك أن تصونه وتدفع عنه كل ما يسقط حرمته أو يخدشه في نفسه وحريمه وولده وسائر من يتعلق به لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام: "السامع للغيبة كالمغتاب"9.

وقد رتب اللَّه سبحانه على انتهاك الحقوق المعنوية حدوداً بيّنها القرآن الكريم من أجل صيانة الإنسان والحفاظ على كرامته من هذا الجانب كما رتب على انتهاك الحقوق المادية كذلك كحد السرقة وغيره.


تقسيم اللحظات:

ونحن إذا قرأنا سيرة المعصومين عليه السلام بعين البصيرة وجدنا العناية الفائقة والملاحظة الدقيقة لصغائر الأمور التي قد نقضي أعمارنا في الغفلة عنها وعدم الالتفات لها حتى أنهم صلوات اللَّه عليهم كانوا يقسّمون لحظاتهم في النظر إلى أصحابهم كما عن جدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنه كان يقسّم لحظاته بين أصحابه فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية10.


عدل الخطاب:

أو يعتنون بالالتزام في أن لا يعلو خطاب الخصم على خصمه ويرتبون على ذلك الآثار كالعزل من القضاء كما عن أمير المؤمنين عليه السلام فإنه ولّى أبا الأسود الدؤلي القضاء ثم عزله، فقال له: لم عزلتني وما خنت ولا جنيت؟ فقال: إني رأيت كلامك يعلو كلام خصمك11 فكيف بنا إذا قادتنا رغباتنا ونزعاتنا إلى تحطيم الآخرين وتشويه سمعتهم واقناع أنفسنا بأنه يوجد لذلك مبررات شرعية مع حقيقة أن الشرع المبين بعيد عن ذلك غاية البعد، فإذا كان الاستعلاء بالكلام في محضر الآخر انتهاكاً خطيراً استحق صاحبه العزل من سدّة القضاء فكيف إظهار عيوبه والكيد له في غيبته؟! أعاذنا اللَّه تعالى من ذلك وعصمنا من الوقوع في الشرك الشيطاني.


ملعون يصلّي:

إن الحقوق الإنسانية بقسميها المذكورين يعتبر المسّ بها موجباً للفسق والعصيان حتى أن اللَّه تعالى يطرد منتهكها من بيته ويلعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أوصى اللَّه إليّ أن يا أخا المرسلين، يا أخا المنذرين أنذر قومك لا يدخلوا بيتاً من بيوتي ولأحد من عبادي عند أحدهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام قائماً يصلّي بين يديّ حتى يردّ تلك المظلمة"12.


*صدى الآيات،سلسلة الدروس الثقافية، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط1، أيلول 2002م، ص70-76.


1- البحار، ج‏3، ص‏61.
2- ميزان الحكمة، ج‏1، ص‏222.
3- البحار، ج‏18، ص‏404.
4- تحف العقول، ص‏271.
5- نهج البلاغة، 993.
6- البحار، ج‏86، ص‏118.
7- الكافي، ج‏2، ص‏199.
8- البحار، ج‏67، ص‏72.
9- غرر الحكم، 1171.
10- الكافي، ج‏2، ص‏671.
11- المستدرك ج‏3، ص‏197.
12- ميزان الحكمة، حديث 8311.

25-01-2011 عدد القراءات 9486



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا