23 أيلول 2018 الموافق لـ 13 محرّم 1440 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: دور الأم في الأسرة والمجتمع

دورها كأمّ



ما هي الأمّ؟
"الأمّ" كلمة استثنائيّة تختزن الكثير في نفس الإنسان، تجيّش العاطفة وتثير الرقة والدفء والحنان... فما واقعيّة ما تختزنه هذه الكلمة في نفس الإنسان؟ عندما نراجع الشرع المقدّس نجد الكثير من النصوص الشرعيّة تشير إلى الأمّهات وتفعّل هذه العاطفة تجاه الأمّ وتوجّه الإنسان نحوها، هذه العاطفة التي تربط الولد بوالدته بشكل يساعدها على تأدية مهمّتها من جهة، ولتكون نوعاً من أنواع عرفان الجميل لها من جهة أخرى، ومن هذه الروايات:

1- الجنّة تحت أقدامها
ففي الحديث المشهور عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "الجنّة تحت أقدام الأمّهات"1. فتعبير "تحت الأقدام" يشير إلى الخدمة والتواضع، فخدمة الأمّ والتواضع لها هو باب مفتوح إلى جنّة الخلد.

2- التوصية ببرها
ففي الرواية عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن حق الوالدة قال: "هيهات هيهات لو أنّه عدد رمل عالج وقطر المطر أيّام الدنيا قام بين يديها ما عمل ذلك يوم حملته في بطنها..."2.

هذه الرواية وغيرها من الروايات التي تؤكّد على حقّ الأمّ بهذا الشكل العظيم، تشير في الوقت نفسه إلى أنّ خدمتها ليست منّة من الولد عليها، بل هذه الخدمة هي استحقاق. فلماذا هذا المقام؟ وكيف استحقّت الأمّ ذلك كلّه؟

ما سبب مقام الأمّ؟
تشير الآية الكريمة إلى هذا المقام الذي وضع الله عزّ وجلّ الأمّ فيه وسبب استحقاقها لهذا المقام، يقول تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا3.
يولد الطفل ضعيفاً يحتاج لمن يعطف عليه ويعطيه بدون مقابل، فهو يريد أن يأكل وأن يلبس ويحتاج الى من يقيه البرد والحرّ ويأخذ بيده ليعلّمه مصالحه ويرشده إلى كيفيّة تحصيلها... كلّ هذا دون أن يستطيع الطفل أن يعطي أيّ مقابل سوى ابتسامة صغيرة تدغدغ وجدان الأمّ، وأمل يملأ قلبها بمستقبل ابنها الزاهر.

ويشرح الإمام زين العابدين عليه السلام ذلك في رسالة الحقوق حيث يقول: "حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدا، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحي وتظلّك، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحرّ والبرد، لتكون لها... ". فما قدّمته الأمّ لولدها لا يمكن أن يقدّمه أيّ شخص آخر، فكان بيته حشاها وطعامه دمها... وهذا ما لا يمكن أن يقدّمه أيّ شخص آخر. يقول الإمام زين العابدين عليه السلام: "... فإنّك لا تطيق شكرها إلّا بعون الله وتوفيقه". فمهما قدّم الولد ستبقى الوالدة هي الأكثر عطاءً."..

كيف تتحمّل هذه المسؤوليّة؟
إنّ تحمّل الأمّ للمسؤوليّة يمرّ بمراحل عديدة كما أشارت إليها كلمات الإمام زين العابدين عليه السلام السابقة، مرحلة مرحلة:

1- الحمل
يقول الله تعالى:﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ4.
إنّ تحمّل الأمّ للولد في فترة الحمل رغم كلّ الضعف الذي يعتريها: ﴿... وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ...ُ، وهي فرحة مستبشرة، هو نوع من الجهاد ولو قضت الأمّ بسبب ذلك كانت شهيدة وحشرت في مقام الشهداء! كما يستفاد من بعض الروايات، فعن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام - في حديث قدسيّ طويل في قصّة آدم وحوّاء - قال: "... يا حوّاء أيّما امرأة ماتت في ولادتها حشرتها مع الشهداء، يا حوّاء أيّما امرأة أخذها الطلق إلّا كتبت لها أجر شهيد، فإن سلمت وولدت غفرت لها ذنوبها، ولو كانت مثل زبد البحر ورمل البر وورق الشجر، وإن ماتت صارت شهيدة، وحضرتها الملائكة عند قبض روحها وبشّروها بالجنّة..."5. فهذه أوّل مسؤوليّة تتحملها الأمّ.

2- الإرضاع
يقول تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ...6. إنّ الإرضاع هو حقّ من حقوق الولد التي لا ينبغي التفريط بها، ولها أثرها على التكوين الذهنيّ والبدنيّ للإنسان، وقد أشارت الآية الكريمة إلى مدّة الرضاعة وهي حولين كاملين، والحول هو السنة القمريّة. وفي رواية تبيّن ثواب الرضاعة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا حملت المرأة كانت بمنزلة الصائم القائم المجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، فإذا وضعت كان لها من الأجر ما لا يدري أحد ما هو؛ لعظمه، فإذا أرضعت كان لها بكلّ مصّة كعدل عتق محرّر من ولد إسماعيل، فإذا فرغت من رضاعه ضرب ملك كريم على جنبها وقال: استأنفي العمل فقد غفر لك"7.

3- التوجيه والإرشاد
إنّ الأمّ هي الأكثر التصاقاً بالولد والأكثر تفرّغاً لشؤونه، وهي بالتالي الأكثر تأثيراً والأقدر على توجيهه وإرشاده. كلّ هذه الأمور تشير إليها الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما شكا إليه رجل سوء خلق أمّه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّها لم تكن سيّئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر وحين أرضعتك حولين وحين سهرت لك ليلها وأظمأت نهارها.."8. من هنا كانـت الأمّ هي المربي الحقيقي وأول مدرسة يدخلها الولد، فكيف تكون التربية؟

أهداف التربية
التربية هي لفتح أبواب المستقبل أمام هذا الطفل، ويكون ذلك بالدرجة الأولى من خلال توجيهه إلى إصلاح مصيره النهائي في الآخرة، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ...9. وهذا يكون من خلال أمرين:
أوّلا - العلم: ففي الرواية عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ المعلّم إذا قال للصبيّ "بسم الله" كتب الله له وللصبيّ ولوالديه براءة من النار"10.
ثانياً- التقوى: هذه التقوى التي ذكرها القرآن الكريم كسبب للعبادة ومبرّر لها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ11.
وقد أولى الإسلام التقوى أهميّة خاصّة لأنّها الحاجز النفسيّ الذي يساعد الإنسان على مواجهة امتحانات الدنيا وبلاءاتها، والرادع والدرع الذي يسقط على أعتابه كلّ زينة لإبليس واستدراج لدنيا وتسويل للنفس الأمّارة بالسوء.

طرق التربية
هناك طرق في التربية تختلف بحسب قابليّات الولد وعمره، وتختلف من موضوع لآخر، ويمكن الإشارة هنا إلى ثلاث طرق أساس:
1- التوجيه غير المباشر
وربما تكون أوّل طريقة تُتّبع مع الطفل لأنّه غير قادر على تلقّي رسائل الإرشاد والالتزام بها، وبالتالي فعلى الأمّ أن تدفعه نحو الصلاح، وتبعده عن الفساد من خلال وضع بدائل صالحة تشغله حتى لا يُستدرج لغير الصالح، وتشجعه على التزام الصالح، وتصنع حاجزاً نفسيّاً بينه وبين الفساد، وتصنع له قدوة يقتدي بها في هذا الإطار، ومن الضروريّ أن تعرف أنّها قدوة ولدها الأولى فعليها أن ترشده قبل كلّ شيء من خلال أعمالها، وهذا الأسلوب هو الأسلوب الأساس الذي يجب أن تتبعه الأم، وهو مطلوب على الدوام ومفيد في جميع الأعمار، وإن كان هو الطريق الوحيد خلال السنين الأولى من عمر الإنسان، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "دع ابنك يلعب سبع سنين، ويؤدّب سبع سنين، وألزمه نفسك سبع سنين"12. فتركه في حالة اللعب في السنين السبع الأولى لا يعني إهماله مطلقاً بل هو يتناسب مع التوجيه غير المباشر، ولو من خلال اللعب.

2- التوجيه المباشر
وهو في الحقيقة دخول في مرحلة التمييز العلميّ، حيث يتعلّم الإنسان بحسب عمره وقابليّته التمييز بين الخير والشرّ وبين الصلاح والفساد، وهذا الأمر  في مرحلة معيّنة لا بدّ منه أيضاً، حتّى لا يعتاد على أسلوب اتباع التوجيه العمليّ فقط دون معايير علميّة. لأنّه من دون هذه المعايير قد يسقط بسرعة أمام أي امتحان أو أجواء جديدة تطرأ عليه.

3- ثمّ التوجيه إلى الأسباب والنتائج
حيث ينبغي تعريف الطفل آثار الأعمال وأسباب حسنها أو قبحها، ويجب ربطه بالآخرة وملاحظة آثار الأعمال وظهورها فيها بأوثق شكل ممكن. هذه الأساليب على الأمّ أن تتقنها حتّى تؤدّيها بشكلها الصحيح لتخرج إلى المجتمع ولداً صالحاً، وللتوجه دائماً إلى الله تعالى: ﴿... قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء13.

صفات لا بدّ منها
لكي تنجح الأمّ في رسالة التربية التي تريد أن تؤدّيها، هناك صفات أساسية يجب أن تلازمها تتلخّص بالأمور التالية:

1- إظهار الحبّ والعطف
إنّ الحبّ والعطف على الولد هو من طبيعة الأمّ، وليس تكلّفاً أو أمراً مصطنعاً، فتعلّق الأمّ بالولد أمر واضح بالوجدان ولا نقاش فيه، ويظهر جليّاً في قصّة أمّ موسى عليه السلام، حيث يقول تعالى مخبراً عنها ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ َلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ14. هذه المحبّة الموجودة في قلب كلّ أمّ يجب أن تفعّلها وتظهرها للولد. فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "أكثروا من قبلة أولادكم فإنّ لكم بكلّ قبلة درجة في الجنّة مابين كلّ درجة خمسمائة عام"15.
2- الحلم والصبر
على الأمّ أن تكون ذات حلم وصبر واسع، حتّى تستطيع أن تؤدّي دورها الإيجابيّ بشكل صحيح في تربية الولد، فإنّ قلّة الصبر ستتسبّب بالكثير من التعقيدات على المستوى النفسيّ والتربويّ، ويجب أن تعرف خصوصيّة الطفل وأنّ ما يصدر منه ممّا قد يزعجها  كالبكاء مثلاً هو أمر طبيعيّ جداً يعبّر عن الصّحة، وربما عدمه يعبّر عن المرض. من هنا فعليها أن توطّن نفسها على استيعاب هذه الأمور حتّى لا ترتدّ على أعصابها بشكل سلّبي، وقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تضربوا أطفالكم على بكائهم فإنّ بكاءهم أربعة أشهر شهادة أن لا إله إلّا الله، وأربعة أشهر الصلاة على النبيّ وآله، وأربعة أشهر الدعاء لوالديه"16.

3- المواساة
يجب أن تكون الأمّ على مسافة واحدة من الأولاد، فلا تميّز بينهم بالشكل الذي يمكن أن ينعكس سلباً بينهم، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان له أنثى فلم يُبدِها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الجنّة"17. وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى رجل له ابنان فقبّل أحدهما وترك الآخر فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "فهلّا واسيت بينهما"18.

* مكانة المرأة ودورها,نشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية,ط2, 2010م-1431هـ, ص9-19


 

1- مجمع البيان، ج8، ص11.
2- مستدرك الوسائل، ج15، ص182.
3- الإسراء: 24.
4- لقمان: 14.
5- مستدرك الوسائل، ج15، ص214.
6- سورة البقرة: 233.
7- وسائل الشيعة، ج15، ص175.
8- شرح رسالة الحقوق، ص 548.
9- التحريم: 6.
10- مستدرك الوسائل، ج15، ص166.
11- البقرة: 21.
12- الكافي، ج6، ص46.
13- آل عمران: 38.
14- القصص: 7 - 13.
15- بحار الأنوار، ج101، ص92.
16- بحار الأنوار، ج57، ص381.
17- مستدرك الوسائل، ج15، ص118.
18- من لا يحضره الفقيه، ج3، ص483.

09-03-2010 عدد القراءات 9186



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


تعليقات القراء 1 تعليق / تعليقات

أم السادة | السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

15-06-2013 | 13-49د

بارك الله بكم على هذا المقال المفيد



جديدنا