20 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 01 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: فلسفة الأخلاق

النية



من عناصر الخير والفضيلة النية بعد الإلزام والمسؤولية والجزاء بالثواب والعقاب...

معنى النية
النية عند الكثير من الفقهاء هي الداعي، وعند علماء الكلام ارادة الفعل مقارنة له، وفي سائر الأحوال وعلى جميع الأقوال فان النية بمعناها الشامل تنبع من القلب وأعماقه خالصة من كل ضغط واكراه بعيدة عن التورية والتقية بحيث يكون مجموع العمل المنبثق عنها مراداً لعامله راضياً به وعازماً عليه منذ البداية.

والإنسان الطيب تتكشف نفسه، وتتجسم نيته في أقواله وأفعاله بلا تكلُّف وتصنع، وبهذا ينسجم الإنسان مع قلبه وعقله، ويكون قريباً من الله والناس ومحل ثقتهم وتقديرهم. وفي الحديث: "ان العبد اذا أظهر العمل بجوارحه، فاستوت سريرته وعلانيته، قال الله: هذا عبدي حقاً". أما من يختفي وراء الظواهر فهو شيطان، مهمته التضليل والاحتيال، والغدر والاغتيال.

العلل الأربع
بعد أن أكد أرسطو أن لكل حادث علة حاول أن يجعل للعلل ضابطاً خاصاً، ويحصرها بعدد معين، وانتهى به البحث والتفكير إلى أنها تنحصر بأربع: فاعلية وغائية مادية وصورية. مثلاً إذا أردت أن تعلل بناء البيت تذكر أولاً الباني، وهو العلة الفاعلة. وثانياً تذكر الغاية التي من أجلها بني البيت، وهي السكنى واسمها العلة الغائية.

وثالثاً تذكر المادة التي صنع منها البيت: الحجر والطين، وهي العلة المادية. ورابعاً تذكر حقيقة البيت المكونة من جميع أوصافه كطوله وعرضه وارتفاعه لونه ومنافذه ومرافقه، وهذه هي العلة الصورية، وذكر صاحب الأسفار لهذه العلة أكثر من معنى، وأخصر وأوضح ما قرأت في تحديد الهيولى والصورة ما قاله فيلسوف يوناني قديم بأن اللفظة هيولى، والمعنى صورة.

وما رأيت أثراً للعلل الأربع في كلام الفلاسفة الجدد فيما لديّ من مصادر أما علماء الطبيعة في العصر الراهن فيعتمدون على (القانون العلمي) في تفسير الظواهر والأحداث، ويعنون بهذا القانون مجرد الوصف لطبيعة الأشياء، وهذه عبارتهم بالحرف الواحد: "من يقول: إذا حدث كذا فإن كذا يحدث دائماً.. معناه أن المشاهدة قد دلت على ذلك.. فلا فرق بين ما يقع صدفة وما يقع وفق قانون إلا أن الاطراد في القانون لا يتخلف على حين أنه في الصدفة قد يظهر وقد يختفي". (أنظر كتاب نحو فلسفة علمية لزكي نجيب محمود). وفي كتاب الفلسفة بنظرة علمية لرسل: "ما استنتج من هذا الاطراد مبدأ العلة والمعلول فقد خلع شخصيته على الأشياء".

ومهما يكن فما قصدنا من هذه الإشارة أن نقارن بين القديم والحديث في فكرة العلة والمعلول ونبدي ما لدينا من ملاحظات، وانما القصد مجرد التمهيد والتوضيح لما نحن بصدده في هذا الفصل الذي نبحث فيه عن العامل ونيته، وعن طبيعة العمل وتأثير النية به، وعن غاية العامل من عمله.

والعامل علة فاعلة، وغايته من العمل علة غائية، وعمله علة مادية، ومرة ثانية نكرر: لا شأن لنا في هذا الفصل بتساقط العلل الأربع أو رسوخها.

العمل بلا نية
لا أثر للعمل بلا نية من حيث العقوبة والمثوبة، لأن الحساب والجزاء يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالمعرفة والحرية، وحيث تنعدم الحرية والاختيار تنتفي المسئولية.. هذا ما تقتضيه الأصول والقواعد، وبه جاء الشرع مثل (انما الأعمال بالنيات، ولا عمل بلا نية.. لن يُدخل أحداً عمله الجنة) أي إلا مع النية الخالصة لوجه الله تماماً كالإيمان الذي عليه تتوقف صلاحية العمل. أجل العقوبة المالية لا تُناط بالمعرفة والاختيار، بل ولا بالعقل والبلوغ.. فمن أتلف مال غيره فعليه البدل والتعويض بمثله أو قيمته حتى ولو كان التلف عن جهل أو غير قصد أو من قاصر سناً أو ادراكاً. وأيضاً النية والإرادة ليست بشرط في تطهير الساتر والبدن من النجاسة المادية كالبول والدم مع أن طهارتهما شرط في صحة الصلاة، وفي ج 1 من ابن عابدين وغيره من فقه الأحناف أن النية ليست شرطا في صحة الوضوء وغسل الجنابة.

النية بلا عمل
إذا نظرنا إلى النية في ذاتها بغض الطرف عن علاقتها بالفعل والفاعل كان وجودها كعدمها تماماً كالتصورات والأمنيات التي لا يلحقها أي فعل ونشاط، أما قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ 1 وما في هذا المعنى من الآيات فالمراد منه ما يُترجم ويتجسم في شيء ملموس، أما السجين الدفين في الأعماق من حيث هو، فلا سؤال عنه ولا حساب عليه.

وإذا نظرنا إلى النية من حيث علاقتها بصاحبها، كان لها شأن ووزن، وإن ظلت سجينة في النفس، لأن نية الخير تنبئ عن طيب القلب وشرف النفس وكمال الذات، ونية السوء والشر تدل على خبث السريرة ومرض في القلب ونقص في الذات والصفات.

والأول أهل للإحسان والإكرام لأنه يستشعر الخير ويُرجى منه، على عكس الثاني الذي لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، وهو بذلك يستحق الذم والعقاب بحكم العقل
والعقلاء، ولكن الله سبحانه يعفو عنه تفضلاً منه وكرماً(1) (1) (أول من تكلم بالفلسفة اليونانية اسمه ثالس الملطي، ومن اقواله: القصد من وجود الإنسان أن لا يفعل الشر لا أن يُمنع من التفكير في الشر).، قال الإمام زين العابدين عليه السلام: "وأما العاصي أمرك فلم تعاجله بنقمتك.. ولقد كان يستحق في أول ما همّ بمعصيتك ما أخرت عنه من عذاب.. وهذا ترك لحقك ورضى بدون واجبك، فمن أكرم منك يا إلهي؟". وفي الحديث: "من همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وان همّ بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.. ومن همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه".

وفوق ذلك رفع الإسلام نية الخير بلا عمل إلى العمل القائم على نية الخير، فقد جاء في سفينة البحار: "من أحب قوماً حشر معهم، ومن أحب عمل قوم شاركهم فيه" وعن البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه الذين جاهدوا في بعض الغزوات: "ان بالمدينة قوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم.. حبسهم العذر". وعن الترمذي منسوباً إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الفقراء الذين يغبطون المتصدقين سوف ينالون نفس الثواب عند الله". والشرط الأساسي لهذه المشاركة صدق النية والعزم الوطيد بحيث لا يصرفها عن العمل إلا مانع قاهر تماماً كما حدث للمعذرين الذين ذكرهم سبحانه بقوله: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ2

وفي نهج البلاغة خطبة 188: "من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً أو وقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته لسفيه".
وأيضاً اشتهر عن صاحب الشريعة السمحة: " ان نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله". وكثرت الأقوال والتفاسير حول هذا الحديث حتى انتهت إلى عشرة!.. مع أنه من المحكمات لا من المتشابهات فيما نظن، لأن (خير) هنا ليست للتفضيل والمفاضلة، بل لمجرد الخير تماماً كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ3 وكلمة (من) للتبعيض مثل منهم من آمن ومنهم من كفر، والمعنى أن نية المؤمن من غير عمل لصارف ومانع، تحسب له وتسجل، وتكون بعضاً من أعماله الباقيات الصالحات، وكذلك الكافر حين ينوي عملاً من أعمال الكفر.. هذا إلى أن الكافر كله شر ذاتاً وعملاً ونية.

وقد يقول قائل: إن حديث "من همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه" يتنافى مع حديث "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار فقلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال انه كان حريصاً على قتل صاحبه". والجواب إن هذا الحديث موضوع في مقابل حديثين صحيحين: الأول "يا عمار تقتلك الفئة الباغية" والثاني "ان علياً عليه السلام أمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين"، والفئة الأولى أهل الجمل، والثانية أهل صفين والثالثة الخوارج.

وبعد، فقد تبين لنا مما عرضناه في هذه الفقرة والتي قبلها بلا فاصل: أن النية والإرادة شرط ضروري لصحة الأعمال كلها أو جلها حيث لا أثر لعمل غير شعوري ومراد، وبالخصوص من حيث العقوبة والمثوبة.. وأيضاً استبان بوضوح أن من نوى الشر واعتزم على فعله ثم تركه لسبب أو لآخر، فهو خليق بالذم والعقاب أصلاً وعقلاً، ولكن صاحب الأمر والشرع أطلقه وأعفاه تفضلاً وكرماً، وأما من نوى الخير بصدق وعزم وحيل بينه وبينه فهو من عباد الله المخلصين.

وكل ما قيل أو يمكن أن يقال حول هذا الموضوع فهو مجرد محاولة لتفريع الجزئيات واستخراجها من هذا المبدأ العام الذي أعلنه صاحب الشرع والشريعة بقوله: "لا يصلح قول إلا بعمل، ولا يصلح قول وعمل إلا بنية، ولا يصلح قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة" لأن ما خالف كتاب الله وسنة نبيه فهو بدعة وضلالة. وأخيراً صلوات الله وسلامه على الصادق الناطق بلسان جده سيد الكونين صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: "علينا أن نلقي اليكم الأصول وعليكم أن تفرّعوا".

بين النية والعمل
بعد الإشارة إلى العمل بلا نية والنية بلا عمل، نشير إلى العمل مع النية (أي العزم والتنفيذ). وكل عاقل لا يعقد العزم والنية على أي عمل ويقدم عليه الا بعد أن
يتصوره ويعرفه على حقيقته، وأيضاً يعرف الغاية المترتبة على وجوده عاجلاً أو آجلاً، ويرغب فيها ويميل اليها من أعماقه.. وقد يكون العمل الذي ينويه ويميل اليه خيراً بطبيعته أو شراً كذلك، وقد لا يكون من ذا ولا ذاك كالأعمال المباحة بالمعنى الأخص، وأيضاً قد تتوافق النية والعمل في الوجهة إلى الخير أو الشر، وقد يختلفان في ذلك. واليك التفصيل:

1- أن تكون النية الخير، والعمل القائم عليها خيراً كذلك بالذات والطبيعة، كمن بنى مدرسة أو ميتماً لوجه الله والإنسانية، وهذا العمل أخلاقي وكمالي صرف حيث انسجم الباطن مع الظاهر على صعيد الخير، ومن هذا الصعيد ينطلق العمل ويرتفع إلى مكان القدس والجلال: ﴿َالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ4 .. ﴿إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً5 وطالما ركّز الإسلام في تعاليمه وحث على الانسجام والتطابق بين الإيمان وصالح الأعمال في العديد من آي الذكر الحكيم، فكلما ذكر الذين آمنوا قرن ذكرهم بهذا العطف: (وعملوا الصالحات). ومن المعلوم بالبديهة أن الإيمان الكامل لا ينفصل عن نية الخير وارادته تماماً كما لا ينفصل عن العمل، ومن هنا اكتشف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام التلازم والتلاحم بين الإيمان الكامل وصلاحية العمل بحيث يستدل بوجود أحدهما على وجود الآخر، قال في الخطبة 154 من نهج البلاغة: "بالإيمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الإيمان". وعلى هذا التلازم يحق لنا أن نتشكك ونرتاب في كل مظهر للإيمان إلا إذا ترجم إلى عمل الصالحات، ومارسها من ادعى الإيمان الكامل، بصبر وشجاعة، وبطولة وتضحية.

2- أن يتوافق العمل والنية في الشر كمن يقتل أو يفتري الكذب شفاءً لغيظه وتسكيناً لجسده وحقده.. ولا شفيع لهذا الجرم عند الله والناس إلا التوبة وعدم الأوبة، ويروى عن بعض المجتمعات القديمة التبرؤ من المجرم وطرده من حظيرتها، وهدر دمه لكل شخص (مجلة عالم الفكر الكويتية العدد الثالث من المجلد الخامس).

3- أن يكون العمل خيراً والنية شراً كمن يعمل عملاً صالحاً رياءً ولحاجة في نفسه. لا بد أولاً من النظر: هل صلاحية العمل تتوقف على نية الخير والطاعة لله كما هو الشأن في العبادة، أو أن العمل صالح في نفسه مع كل نية وأيضاً بدون نية كإغاثة الملهوف، فان كان العمل من النوع الأول ينهار من الأساس مع نية الشر أو عدم النية، قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ6 وحيث لا إخلاص فلا عبادة ولا أخلاق.

وان كان العمل من النوع الثاني يبقى على طبيعة الخير، والنية لا تغير منه شيئاً وتحوله إلى شر مثلها، ولكن لا شيء منه للعامل لأن الشرط الأساس في الجزاء الإلهي هو الأخلاص، قال نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها او امرأة ينكحها فهجرتُهُ إلى ما هاجر اليه".

أما قوله: "انما الأعمال بالنيات" فليس المراد به أن الأعمال بكاملها تتكيف تبعاً للنية، ان خيراً فخير، وان شراً فشر، بل المراد نفي الأجر والجزاء عن الأعمال الصالحة الا اذا قصدت لذاتها بلا شائبة. وأخيراً فان كل من يظهر غير ما يبطن فلا شخصية له كي يقدر ويحترم لأنه مجرد مظهر زائف، وسراب خادع لا ضمير له ولا قلب سليم، فأين يستقر الدين أو الخلق ويقيم؟.

أجل، قد يصير الخير شراً والواجب حراماً، ولكن لا بسبب النية والإرادة بل لطارىء يعرض من الخارج، وهو المعبر عنه في لسان الاصوليين بالعنوان الثاني كالصدق يصير نميمة ومفسدة وعندئذ يكون محضوراً تماماً كالصدم إذا أضر بالصائم، وهذا خارج عما نحن فيه.

4- أن يكون العمل شراً والنية خيراً كالطبيب يقتل بداعي الشفقة مصاباً بداء راسخ ومزمن، ويعاني من أشد الآلام ليله ونهاره، ولا علاج ومسكنات أو منومات.. وقد تضاربت الأقوال والآراء حول هذا القتل، ونحن لا نشك أنه من أكبر الجرائم، أما نية الشفقة فلا تبرر القتل وتحوله عن واقعه حتى ولو حدث بموافقة المقتول ومرضاته لأن الحياة حق لواهبها، جلت عظمته، وليس للعبد منها شيء إلا وجوب الحرص عليها، والوجوب حكم لا يسقط بالرضا، والله سبحانه لا يطاع من حيث يعصى، وهو القائل: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ 7. ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّون 8.

وقد نعود إلى هذه المسألة في فصل مستقل من هذا الكتاب، بالنظر لأهيمتها من الوجهة الشرعية، ولأن كثيراً من الأطباء يمارسون هذا القتل، ولا يرون فيه أي بأس من الناحية الإنسانية.

وكما أن الخير قد يتحول إلى شر انظر رقم 3 كذلك قد يتحول الشر إلى خير لا بسبب النية، بل لحدث يعرض من الخارج لا صلة له بالقدرة والإرادة، ومثاله أن يقابلك طاغية سفاك يعدو خلف رجل مظلوم يبغي اغتياله، فيسألك الظالم: هل رأيت هذا الرجل؟ فيتحتم عليك، وهذه هي الحال، أن تكذب وتقول لا ولا يسوغ الصدق بحال حيث تحول الكذب إلى عنوان آخر، وهو حقن الدم المحترم، تماماً كأكل لحم الميتة للمضطر، بل أقوى وأوضح من حيث الجواز والتحليل. وهذا خارج عما نحن بصدده.

5- أن يكون العمل عادياً لا يتصف بخير أو شر في ذاته، ولا بحلال أو حرام كزيارة فلان الفلاني.. وأي عمل يكون من هذا النوع يسوغ لنا أن نرده إلى القصد والنية والحكم عليه تبعاً لسنخها وهويتها، إن خيراً فخير، وان شراً فشر، أو لا ذا ولا ذاك. مثلاً إن زرت زيداً في بيته لإحساسك بالسأم والملل والحاجة إلى قتل الوقت، فزيارتك هذه لا توصف بخير أو بشر، وان كانت الزيارة بقصد التعاون على الخير والصلاح فهي خير، وان تك للسكر والعربدة فهي شر.

والشرط الأساسي في هذا النوع من العمل أن تكون قادراً على تركه وغنياً عنه، ولا ضرورة حياتية تحتمه عليك كالطعام والشراب.. وبهذا يتبين معنا ما في قول بعض السلف: ينبغي للإنسان أن تكون له نية التقرب إلى الله تعالى في كل شيء حتى أكله وشربه ونومه ودخوله الخلاء.. ومن قصد ذلك كان مطيعاً لله لأنه يقوى على العبادة (أنظر كتاب علم اليقين للفيض وغيره من كتب الأخلاق القديمة) ونسب مثل هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في سفينة البحار للقمي.

ونحن نستبعد هذه النسبة لأن ما من عاقل على وجه الأرض يتساءل: لماذا يمشي الإنسان على رجلين، ويبصر بعينين الخ؟ وهكذا الطعام والشراب، وكل ما تفرضه الطبيعة وواقع الحياة.

عبادة الله خوفاً أو طمعاً
أشرنا في رقم 3 من الفقرة السابقة بلا فاصل أنه لا عبادة بلا نية التقرب إلى الله بطاعة أمره، ولا خلاف في ذلك، ولكن جاء في الجزء الأول من مصباح الفقيه للشيخ الهمداني أن بعض الفقهاء يدعون بأن العبادة لا تصح إلا أن يُقصد بفعلها وأدائها مجرد الشكر لله، وأنه هو وحده أهل للطاعة والعبادة، أما من عبده خوفاً من عقابه أو طمعاً في ثوابه فعبادته سراب وهباء!.

وهذا اشتباه وذهول عن قوله تعالى: "أفمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه" 9.. ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا 10
إلى العديد من الآيات، يضاف اليها صلاة قضاء الحاجات وكشف المهمات. وقال الشيخ الهمداني سيد من كتب في فقه الإمام جعفر عليه السلام من يوم مصباح الفقيه إلى اليوم: "كيف يمكن تكليف البخيل الذي يحب المال حباً شديداً ويقال له: يجب عليكم أن تدفع خمس مالك حباً لله لا خوفاً من عقابه؟ وهل هذا إلا تكليف بغير المقدور؟".

وبعد، فيجب أن نفرق بين مفهوم الطاعة وحقيقتها من جهة، وبين ما يقصده المطيع من الجزاء المترتب على طاعته من جهة ثانية، فمفهوم طاعة الله هو أن نؤدي الواجب لأن الله أمر به، ومن يفعل ذلك فقد أطاع الله شرعاً وعقلاً وعرفاً، سواء أقصد من طاعته التخلص من العقاب أم الفوز بالثواب لأنهما معاً من أجزية الطاعة وثمارها. وبكلمة أن من أدى ما أوجب الله سبحانه خوفاً أو طمعاً، لم يخرج عن الإطار الإلهي ويتجاوز الخط المرسوم.


* المصدر: فلسفة الأخلاق في الإسلام، الشيخ محمد جواد مغنية، دار التيار الجديد،بيروت لبنان، ط5-1412هـ -1992م،ص121-132.


1- البقرة: 284
2- التوبة: 92
3- البقرة: 10
4- فاطر: 10
5- الكهف: 30
6- البينة: 5.
7- النساء: 29
8- الحجر: 56
9- الزمر: 9
10- الأعراف: 56

05-03-2010 عدد القراءات 10159



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا