20 أيلول 2017 الموافق لـ 29 ذو الحجة 1438
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: فلسفة الأخلاق

الجزاء



الجزاء وليد المسؤولية
الجزاء هو العنصر الثالث للخير والفضيلة بعد الإلزام والمسؤولية، وبينه وبين المسؤولية علاقة المعلول بالعلة تماماً كالعلاقة بين المسؤولية والإلزام، فهي معلولة  للإلزام وعلة للجزاء في آن واحد لأن وضع المرء موضع المسؤولية يفترض من وجهة اخلاقية وجود الجزاء ثواباً على طاعة الإلزام المسئول عنه، وعقاباً على مخالفته.

وهنا قاعدة أساسية راعتها واهتمت بها الشريعة الإسلامية والشرائع الوضعية معاً، وهي إذا قام المكلف العاقل بعمل ظاهره الخير، استحق عليه الثواب والثناء بمجرد حدوثه، ولا يسوغ بحال أن نستعجل بالسيئة قبل الحسنة حتى يثبت العكس، وأيضاً لا يجب البحث والسؤال: هل أتي به لوجه الله أو لمنفعة شخصية حملاً للشيء على ما وضع له إلا مع شاهد بالتحريف عن موضعه الأصيل. وكذلك يجب التوقف عن الحكم إذا لم يفعل المكلف ما عليه من الواجب، ولا نسرع إلى القول بأنه عصى وترك عن عمد، فلعل له عذراً من عجز أو نسيان، ولا جريمة مع التعذر والتعسر.

الجزاء وأخلاقية الفعل
وتسأل: ان أخلاقية الفعل ترفض فكرة الجزاء والثواب عليه مادياً كان الجزاء أم أدبياً، وتحتم الإتيان بالواجب بداع من تقديسه في ذاته وكفى تماماً كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا1. ومن أوجب الجزاء على الواجب فقد انحدر به عن مقامه، ونفى عنه صفة الأخلاقية من حيث يريد ثبوتها تماماً كما لو قال قائل: لا تشرق الشمس إلا حين تغيب عن الأعين؟

الجواب
يجب أن ندرك ونميز بين من يفعل الخير ويحسن لوجه الخير والإحسان، وبين من يحب المحسنين ويكافئهم بجزاء الحسنى، أيضاً لوجه الله والخير، والكلام هنا فيمن يكافىء على فعل الواجب، لا فيمن يفعله ويطالب بالأجر عليه.. ثم هل من العدل والأخلاق أن نتجاهل الطيب المخلص في أفعاله وأخلاقه ولا نشجعه على فعله المحمود بما يغريه بالاستمرار والمزيد عسى أن يقتدي به مقتد أو يهتدي به مهتد ويكثر الطيبون؟. وأخيراً فان من ينكر الجزاء باسم الأخلاق هو الذي يفصل الشيء عن نفسه وينفي الوجود عن الموجود لا من يقول بالجزاء.

ويضاف إلى ذلك أنه على الرأي القائل بنفي الجزاء ينبغي لله سبحانه أن لا يُدخل الجنّة من عبد الله لذات الله، لا طمعاً في جنته، لأن ادخاله الجنة، وهذي هي الحال، نقض للغرض المطلوب!. وعليه يكون غير الطامع أسوأ حالاً من الطامع.. ولا أدري من أي نوع هذا المنطق!.

أنواع الجزاء
للجزاء أنواع نذكر منها ما يلي

1- الجزاء الأخلاقي أو الوجداني، والمراد به شعور الفاعل بالغبطة والارتياح لفعل ما يعتقده خيراً وصلاحاً، وبالحسرة والكآبة لفعل ما يعتقده شراً وفساداً، وبديهي أن هذا الشعور يختص بالذين يتميزون بالنبل والإنسانية، ويحبون الخير وأهله لوجه الخير، وينتكرون للشر وفاعله لأنه شر، أما الذين لا يفرقون بين حلال وحرام، ولا وزن عندهم إلا لما يدخل في جيوبهم وبطونهم فيسخرون من الضمير ووحيه، ويسمون من يتحدث عنه أو باسمه، خرافياً ورجعياً.

وقال هؤلاء: ان الشعور بالتأنيب على الذنب قد يحدث، ولكنه لم ينبع من داخل المذنب واعماقه، بل تسرب اليه من محيطه وبيئته وثقافته وتربيته.

ونحن لا نشك في أن للمحيط والتربية أثرهما الملموس، ومع ذلك نؤمن بالحياة الشعورية المستقلة ووجود الذات الغيرية التي تُؤْثر غيرها على نفسها، والذات اللا أخلاقية الأنانية، وانهما طبيعة ومزاج تماماً كالخبث والنبل، والجبن والشجاعة، والبلادة والذكاء، والعجلة والأناة، والحلم والنزق، وقوة الإرادة وضعفها، والجمود والأريحية.. إلى ذلك من اشكال بني آدم وبنات حواء، قال سبحانه: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ2 وقال نبيه الأكرم:"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة.. تخيروا لنُطّفكم".
ونشرت مجلة عالم الفكر الكويتية في العدد 3 من المجلد 5 مقالاً قيماً وشيقاً، بعنوان الجريمة والمجرم، جاء فيه: "اندفع أطباء أوربا يبحثون عن نموذج الإنسان المجرم، وفحصوا كل جزء من اجزاء الجسم، وقوة السمع والشم والأبصار... وقدرة المجرم العقلية والنفسية والمزاجية... وطلعوا بعشرات الفرضيات، وكانت جميعها تقف على أرضية واحدة هي أن المجرم يتميز بصفات عن سواه".

وبعد صفحات من هذا المقطع قال الكاتب: ظن كثيرون أن للوراثة علاقة بالسلوك الإجرامي.. وقالوا: حين يكون أحد التوأمين مجرماً لا بد أن يكون التوأم الآخر كذلك، ولكن سرعان ما ظهر ضعف قيمة دراساتهم من الناحية العلمية.

وبعد، فقد انتهينا من هذه الأقوال وغيرها في الجريمة والمجرم ومن المشاهدات الحسية، إلى أن المجرمين على أنواع: منهم مجرم عدواني شرير بذاته وجبلته، ومنهم محترف قد اتخذ الجريمة مهنة وصنعة، وثالث لا ذا ولا ذاك، بل تأثر بالظروف والحاجة الملحة. والأول لا أمل في إصلاحه إلا بمعجزة، والثاني ربما ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، ودواء الثالث عمل يسد به حاجته، وينتهي كل شيء.

وعلى كل حال فان جزاء الضمير لا يصلح كمبدأ عام وقاعدة كلية ما دام هناك من يحيا بغير ضمير، يضاف إلى ذلك أن الضمير سلطان بلا عدة.

2- الجزاء القانوني والقانون (مجموعة من القواعد العامة الملزمة تنظم سلوك الأفراد في المجتمع) وهو يعاقب المسيء، ولا يثيب المحسن لأنه يستهدف الردع والتحذير من ارتكاب الجرائم.. هذا إلى أن القانون لا ينص على عقوبة الكذب والنفاق والغيبة وعقوق الوالدين وينص صراحة على أنه لا عقوبة بلا نص، وهذا تعبير ثان عن قولنا نحن الأصوليين: لا عقاب بلا بيان.. وبعض القوانين تحمي الزنا واللواط والمتضاجعين علناً في الحدائق العامة باسم حرية الإنسانية وتصرفاته، وفي نفس الوقت تحمي أقطاب التفرقة العنصرية وابطالها والأفراد الذين يستغلون الجماعة وينهبون أقوات الشعوب وثرواتها، تحمي هؤلاء وتعاقب من يسير بسيارته أكثر من السرعة المسموح بها، أو يضيء نورها المبهر الذي يغلب البصر وإن لم يُلحق ضرراً بأحد!.

ومن القواعد الأساسية في القانون أنه يُطبق على جميع الأفراد دون استثناء بمجرد نشره في الجريدة الرسمية، ولا يُعذر أحد بجهله، والمبرر لذلك أولا استقرار القانون واطراده من غير توقف على بحث العروض الطارئة على الأفراد الذين لم يتوفر لهم العلم بالقانون. ثانياً ان العلم بالقانون بعد نشره سهل يسير على كل طالب وراغب.

ويتفق هذا مع الفقه الإسلامي في الأحكام الوضعية بالخصوص كعدم صحة البيع والطلاق إذا لم تتوافر فيهما الشروط المقررة، فقد أفتى الفقهاء المسلمون بالفساد في هذه
الحال حتى ولو كان الجهل عن قصور لا عن تقصير.

3- الجزاء الاجتماعي، والمراد به هنا حب الناس وولاؤهم وتقديرهم واحترامهم لمن يعمل لخدمة الإنسانية جمعاء أو لخدمة بلده وأبناء وطنه، أما من أساء وخادع وراوغ فجزاؤه عندهم السخط والمقت والازدراء والاحتقار، وقد يتحول السخط إلى ثورة دامية. وكل رئيس وزعيم لا يثق بنفسه يظهر أمام الناس بمظهر زائف ومخالف لحقيقته وواقعه، وأهل الحاجات بدورهم يظهرون أمامه بمظهر زائف ومخالف، فيصفقون له ويهتفون كذباً ورياء. وليس هذا حباً واحتراماً كي يسمى جزاء وثواباً، بل ضلالا واحتيالا، قال فيلسوف صيني: كلما زاد عدد المصفقين والهاتفين زاد عدد الدجالين والمنافقين.

والإسلام لا يقبل للفاسق شهادة، ولا يأتمنه على أي عمل وشأن من شئون المسلمين، وأسقطه عن الاعتبار إذا أعلن الفسق وجهر به حيث أباح الإسلام غيبته والتشهير به، قال الإمام الصادق:" إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة". وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" إذا رأيتم أهل البدع من بعدي فاظهروا البراءة منهم".

وقال الإمام الصادق عليه السلام: "لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم، فتصيروا كواحد منهم" ومصدر هذا القول الآية 140 من النساء التي جاء فيها ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ومعنى هذا أن الساكت على أية جريمة شريك فيها، وفي نهج البلاغة: الوفاء لأهل الغدر غدر، والغدر بأهل الغدر وفاء. وفي كتب الحديث: العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به شركاء.

4- الجزاء الإلهي، وهو الأصل والأساس، وما عداه ظل زائل تماماً كوجبة من طعام إن كان ثواباً، أو كضربة أو كلمة مؤلمة إن يك عقاباً، أما ثواب الله غداً فباق ببقائه، وقد أخبر سبحانه عن عذابه بقوله: ﴿وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ3 وبالحكمة والعدالة الإلهية والفطرة الصافية النقية اكتشفنا الجزاء الإلهي، وبلسان هذه الفطرة نطق افلاطون حين قال: "لو لم يكن لنا معاد نرجو فيه الخيرات لكانت الدنيا فرصة الأشرار، وكان القرد أفضل من الإنسان".

وأكد سبحانه هذا المعنى الذي يختلج في كل قلب وإن ذهلت عنه بعض النفوس، وكرره في العديد من آياته، منها: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ4.. ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُُ5.. ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا 6. وليس من شك أن العقاب على المعصية حق وعدل، ولكن هل الثواب من الله سبحانه على الطاعة استحقاق أو فضل؟. ويأتي الجواب في فقرة خاصة.

الجنة قاع صفصف
ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن كل الآيات والروايات أو جلها التي ورد في يوم الحساب والجزاء تربط الأرض بالسماء والدنيا بالآخرة، ويومىء هذا الربط والالتحام إلى أن الآخرة أقرب إلى الشهادة منها إلى عالم الغيب، وأن من يتطلع إلى خيرها ونعيمها فعليه أن يعمل عملاً صالحاً ينتفع به الناس. واليك أمثلة من هذه الآيات والروايات:

قرأت في كتاب مرآه الآخرة لمحسن الفيض المطبوع مع كتابه علم اليقين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الجنة قاع صفصف فاكثروا من غراس الجنة" ومثله في سفينة البحار مادة غرس ليلة أسري بي قال لي إبراهيم عليه السلام: مر أمتك أن يكثروا من غرس الجنة، فان أرضها واسعة، وتربتها طيبة". وإذا عطفنا أحد الحديثين على الآخر وجمعناهما في كلام واحد يكون مفادهما ومؤداهما أن الغرس الطيب في أرض خبيثة أو الغرس الخبيث في أرض طيبة لا ينمو ولا يثمر، وأنه إذا أردنا أشجاراً ناضرة وثماراً يانعة فلا بد من الطيبة والجُودة في كل منهما، وأرض الجنة جيدة طيبة، وتتسع إلى ما لا نهاية له من الغرس والبذر، ولكن غرسها لا يكون ولن يكون إلا الحسنات وفعل الخيرات في الحياة الدنيا، فمن أرادها بهذا الشرط والثمن فله منها بمقدار ما يغرس ويبذر، وهي تطلبه على هذا الأساس قبل أن يطلبها، وكل ما قلناه وما جاء في هذا الباب أشار اليه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: "العمل الصالح حرث الآخرة".

والآية ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ7 فقد دلت بظاهرها على أن العمل في العاجلة ليس سبباً للجزاء في الآجلة حيث لم يقل سبحانه بما كانوا يعملون بل قال (ما كانوا يعملون) ومعنى هذ أن العمل هو بشخصه جزاء العامل، ولكنه يتحول غداً إلى صورة ثانية تماماً كالنواة تصير شجرة، والحبة نبتة، والنطفة إنساناً. مثلاً إذا احتكر الناس الأموال واكتنزوها ولم ينفقوها في سبيل الله تتحول إلى جمرات ونيران ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ8.

ولا شيء أصرح في الدلالة على هذه الحقيقة من قوله تعالى: (هذا ما كنزتم ولم يقل بما كنزتم). وإذا أنفق الناس أموالهم في سبيل الله تحولت إلى حدائق وقصور ونمارق وحور.. وتجلت هذه الحقيقة بأوضح صورها وأكملها لامرأة فرعون وهي في الحياة الدنيا حيث قدمت نفسها ثمناً لبيت في الجنة يقيها عذاب الحميم، وقالت مع النفس الأخير: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ 9. ودخل رجل بيت أبي ذر، فلم يجد فيه شيئاً، فقال: يا ابا ذر أين متاعكم؟. قال له: لنا بيت نوجه اليه متاعنا.

ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا 10. ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ11 ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى..﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ *إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ12. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "المرء مع من أحب، ولو أن أحدكم أحب حجراً لحشر معه". وفي حديث آخر: "لا بد من قرين حي يدفن مع الميت وهو عمله".

أبعد هذه الشواهد والدلائل على التلاحم والتكامل بين الدنيا والآخرة يقول قائل: الجزاء غداً غيب في غيب؟ ولنفترض أن هذا الجزاء غيب، فأين مكان الشر فيه والعيب؟ أفي النهوض بالإنسان إلى الجهاد والعمل لخير الإنسانية ومصلحتها، أو بالتشجيع والتكريم لكل ذي عقل سليم وقلب رحيم؟ وكيف عمي الجاحدون عن هذا الجانب الايجابي العملي وهم الدعاة إلى كل جديد ومفيد كما يزعمون؟ وأخيراً هل سكروا من غير شراب أو أصابهم سكر (الأفيون).

وفي ظني أن هؤلاء الجاحدين لجزاء الآخرة، لو أدركوه كما هو في القرآن ودين الإسلام لتراجعوا وسبقوا كل الناس إلى الدعوة والدعاية للإيمان به، ولو من وجهة إنسانية لأن هذا الإيمام من أقوى البواعث على تهذيب السلوك والإستقامة على طريق الحق والعدل، ومقاومة الفساد والضلال.
هذا فيما يعود إلى جزائه تعالى في يوم ينفع الصادقين صدقهم، أما جزاؤه في حياتنا هذه فما هو بأصل وقانون كما هي الحال في الآجلة، ولذا قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل" إلا ما يقصد به الوقاية والحماية لمصالح الأفراد والجماعة قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ13 .. ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ14. وفي كتب الفقه الإسلامي عرض مفصل للحدود وما يتبعها من التعزيز، وللقصاص والديات وأسباب التعويض والضمان، وطريق العلم بهذه الكتب ممهد لمن أراد.

وقد يكافئ الله سبحانه في الحياة الدنيا على الصدقة، بدفع الضراء والبلاء، وعلى الاخلاص بالتوفيق والهداية إلى سبيل النجاح، وعلى تكذيب الأنبياء بالعواصف والقواصف كما فعل من قبل بقوم نوح وعاد وثمود.. ولكن لا ضباط ومقياس لذلك في علمنا نحن، ولله في خلقه أسرار وشئون، وما علينا أن نبحث عنها ونتكلفها.

الثواب استحقاق أو تفضّل؟
من المسلمات الأولية أن أخْذ المسيء باساءته حق وعدل، وقد يرحم الله ويغفر لمن خلط صالحاً بطالح أو لمن ندم واستغفر أو لأية حكمة هو سبحانه أدرى بها وأعلم، ويستحيل في حقه أن يعاقب بلا جرم وسبب (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) ولكن من اتقى الله حق تقاته هل يستحق منه الثواب كعوض على الطاعة والتقوى، أو لا يستحق شيئاً لأن العلاقة بين الخالق والمخلوق ليست من باب المعاملة وتبديل شيء بشيء، فالمخلوق مدين للخالق في كل شيء، وعليه فإن أثابه المولى ففضل على فضل، وإن منعه فحق وعدل؟.

وقد ذهب إلى كلٍ فريقٌ من أهل المعقول، وأطالوا الكلام ولكن بلا طائل من حيث العمل لأن الكل على وفاق أن الله تقدست أسماؤه يجزي الذين أحسنوا بالحسنى كما قال في الآية 31 من النجم، وأيضاً قال: ﴿وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ 15. ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ 16.

ومعنى هذا أن ثواب الله لمن عمل له كائن لا محالة، وعلينا أن نوقن، بذلك ونؤمن، ولا يجب بحال أن نسأل ونبحث: هل هذا الثواب مجرد منحة منه تعالى أو استحقاق وعوض؟.

أجل الأفضل والأنسب أن نقول: هو من فضل الله وإحسانه أسوة بالنبي وآله صلى الله عليه وآله وسلم. قال إمام المتقين وسيد الساجدين في مناجاته: "ليس عندي ما يوجب لي مغفرتك، ولا في عملي ما أستحق به عفوك، وما لي بعد ان حكمت على نفسي إلا فضلك.. لا يجب أن تغفر لأحد باستحقاقه، ولا أن ترضى عنه باستجابته، فمن غفرت له فبطولك، ومن رضيت عنه فبفضلك، سنتك الافضال، وعادتك الإحسان، وسبيلك العفو".

عاش الإمام السجاد عليه السلام مع الله سبحانه في كل لحظة من حياته، وعرف الكثير من سننه وآياته، وسبله وعادته، ومن هنا جمعت مناجاته بين قوة الحجة والمنطق في قوله: "سنتك.. عادتك.. سبيلك" وبين التذلل والتوسل "بالإفضال والإحسان والعفو". وبهذين الجناحين سما الإمام إلى الأفق الأعلى، ورأى من آيات ربه ما رأى، وناجاه بما جاء في الصحيفة السجادية، ومنها هذه اللآلىء والشذرات.
ومؤداها أن ثواب الله سبحانه يصل إلى من اتقى معاصيه على كل حال، إما لأن هذا الثواب ثابت بذاته، وأما لأن الله هو الذي أثبته وكتبه على نفسه، وإذن علام الاختلاف وطول الشرح؟.

لكل مجرم ما يستحق
أعدَّ الله سبحانه لكل مذنب ما يستحقه من العقوبة ولا يزيده مثقال ذرة لأنه رؤوف بالعباد، وقد ينقص أو يغفر تفضلاً منه وكرماً، وهو وحده جلَّ وعلا يحدد في يوم الحساب نوع الذنب وأسبابه وجزاءه كماً وكيفاً. هذا ما يجب علينا أن نوقن به ونؤمن، وما عداه لا يجب البحث عنه ولا الأيمان به إلا مع النص القاطع.

وهنا سؤال يطرح نفسه، وهو أن الله سبحانه ذكر في كتابه العزيز صوراً من عذاب المجرمين تنهار الأعصاب بمجرد تصورها، فكيف بمن يذوق ويختبر؟ من ذلك حشر بعض المجرمين مكبلاً بالقيود، وعليه ثياب من مادة شديدة الالتهاب، وعلى وجهه غطاء من نار، أما طعامه فمن زقوم وشرابه من صديد الخ! ألا يتنافى هذا النوع من العذاب مع حلم الله ورحمته وجوده ورأفته؟ ألا يكفي لجزاء هذا الإنسان الضعيف بعض هذا الجحيم؟.

الجواب
ان في الناس مجرمين يستحقون هذا النوع من العذاب وأكثر منه.. ومن هؤلاء الذين يحاربون الحق أو يكتمونه وهم يعلمون.. وأعظم منهم جرماً تجار الحروب ومن يستغل الشعوب، ويعد لها أسلحة جهنمية تقتل الملايين في دقائق معدودات إذا هي حاولت أن تخرج من ذل الطاعة والعبودية إلى الحرية.. ثم هذه الوسائل الإعلامية والدعائية والفلسفات الالحادية والمادية التي تضلل العقول وتفسد القلوب ويستمر أثرها إلى يوم يبعثون.. أليست هذه الجريمة تفوق كل الجرائم مجتمعة؟ وإذن يجب أن تفوق عقوبتها كل العقوبات.
وكتب الدكتور فؤاد زكريا مقالاً في مجلة عالم الفكر العدد الرابع من المجلد الأول بعنوان العلم والحرية الشخصية، جاء فيه: "يستخدم العلم في وقتنا الراهن على نطاق واسع ليكون أداة لتكبيل الإنسان بقيود خفية.. والجديد في عصرنا أن أدوات العلم أي وسائل الدعايات المضللة تسيطر على عقول تتوهم نفسها حرة لأن هذه الأدوات بلغت درجة عالية من الاتقان".

*فلسفة الأخلاق في الإسلام،الشيخ محمد جواد مغنية، دار التيار الجديد،بيروت لبنان،ط5، 1412هـ 1992، م،ص109-120.


1- الإنسان: 9
2- الإسراء: 84
3- الحجر: 50
4- الزلزلة:7- 8
5- الشورى: 40
6- الشورى: 40
7- الأعراف: 147
8- التوبة: 35
9- التحريم: 11.
10:النسلء: 10
11- البقرة: 81
12- الشعراء: 88-89
13- البقرة: 179
14- البقرة: 251
15- التوبة: 72
16- ص: 28

05-03-2010 عدد القراءات 8016



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا