20 أيلول 2017 الموافق لـ 29 ذو الحجة 1438
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: فلسفة الأخلاق

هل الأخلاق ذاتية؟



تقول الفلسفات أو التيارات المادّية: ان الأخلاق ليست ذاتية، لأنها مجرد شعور يتسرب إلى الإنسان من التربية والمحيط دون أن يعتمد على شيء من الواقع، ومن هنا تنوعت القيم الأخلاقية تبعاً لاختلاف الأمم والشعوب والأزمنة والأمكنة، فما تراه أمة خيراً تراه ثانية شراً، وما يُعد في هذا الزمان مباحاً كان بالأمس مخطوراً.

الجواب
ان الوجود من حيث هو نوعان: وجود عيني محسوس ومستقل في وجوده كالنيل والفرات، ووجود معنوي قائم في الأشياء الخارجية كالأبوة في الأبوين، والزوجية في الزوجين، والظلم في العدوان، والعدل في الحكم، ونحو ذلك.والقيم الأخلاقية بكاملها هي من نوع الموجود المعنوي لا المادي العيني. وتوصف الأشياء الخارجية بالقيم الأخلاقية لأنها قائمة بها فعلاً وحقاً وواقعاً، فإذا قيل: الصدق خير، والكذب شر، والوفاء بالعهد واجب، والنكث به محرم فالمعنى أن الخير كامن في الصدق والشر في الكذب، والوجوب قائم بالوفاء، والتحريم بالنكث تماماً كقيام العلم بالعالم والجهل بالجاهل والجود بالجواد والحرص بالبخيل، إلى غير ذلك من الصفات الثابتة الراسخة رسوخ الجبال.

وهذا الوجود الذي سميناه بالمعنوي يسميه المعلم الأول أرسطو بالقانون الطبيعي باعتباره ضرورياً لا مفر منه، وضرب له مثلاً بتعاون أفراد المجتمع حيث لا يستطيع واحد منهم أن يستقل بنفسه مستغنياً عن الخباز والقصاب والحذّاء وبائع أنواع السلع الضرورية، وقال ما نصه بالحرف الواحد:(وأي شخص لا يحتاج إلى غيره من الناس فهو إما إله وأما وحش)1.

وأخذ النائيني هذا المعنى من أرسطو فيما نظن وطبقه على بعض الأحكام الوضعية كالملكية والزوجية المسببة عن العقد، وسمى ذلك بالأمور الاعتبارية ولكن أعطاها صفة الأحكام الطبيعية، وقال ما نصه بالحرف الواحد:(ما المانع ان تكون هذه الأمور في وعاء الاعتبار ويكون وجودها التكويني عين وجودها الاعتباري)2.

وجاء في الموسوعة الفلسفية المختصرة ص 126: أن الفيلسوف الهولندي جروتيوس قال ما معناه: إن المبادئ الأخلاقية طبيعية وحتمية بذاتها، والله سبحانه يأمر بها لأنها كذلك، ولا يمكن أن يجعل الله ما هو شر بذاته ليس شراً تماماً كما لا يمكن أن يجعل ضعف الاثنين ثلاثاً أو خمساً.

وفي كتاب المنطق الحديث للدكتور محمود قاسم ص 331:(قال دور كايم: ان المرء إذا أدى واجبه كأخ أو زوج أو مواطن، وانجز مواثيقه فانه يؤدي واجبات لا تنبع من شعوره الذاتي، بل تأتي من الخارج).
وفي ص 309:(كانت الفكرة السائدة منذ عهد السفسطائيين ان القوانين الإنسانية نسبية تختلف باختلاف الشعوب حتى جاء منتسكيو وبيّن في كتابه روح القوانين أن الظواهر الإنسانية تشريعية كانت أم سياسية أم اقتصادية تخضع لقوانين وقواعد ثابتة تقتضيها طبائع الأشياء).

ولا شيء أدل على أن المبادئ والقيم الإنسانية حقائق واقعية من أن الناس يتخذون منها مقاييس لأفعالهم ومعاملاتهم والتزاماتهم، ولفصل الخصومات والمنازعات فيما بينهم، بل الإيمان بها متغلغل في كل نفس حتى نفوس الجاحدين بها تقدس القيم الإنسانية من حيث لا يحس صاحبها ويشعر.فقد جاء في موسوعة الفلسفة المختصرة ص 411:(أن البير كامي وهو وجوديّ ملحد ورفيق سارتر ألف رواية الطاعون وتشع في هذه الرواية نغمات دينية خافتة لا مراء فيها، وإن يكن في ذلك من الغرابة ما فيه).

وأغرب منه أن يقول (كامي) وأضرابه: إن أحكام الأخلاق لا تعبر إلا عن عواطف المتكلم وشعوره، ثم يذهلون أن قولهم هذا بالذات اعترفا بطريق أو بآخر أنه لا واقع له، وإنما هو تعبير عن شعورهم وعواطفهم ولا يسوغ الحكم بالعاطفة على عاطفة ولا غيرها!وهكذا يتخبط في الجهالة والضلالة كل من عاند الحق، ويناقض بنفسه من حيث لا يحس ويشعر، وصدق الله العلي العظيم:﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ﴾3 .

ولنفترض أنهم جحدوا بالقيم قلباً ولساناً، وأنه لا عين ولا أثر في أعماقهم للإيمان بها فإن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. أما اختلاف الأمم والشعوب في نظرتها إلى الخير والشر فقد تحدثنا عنه في فصل حول الأخلاق في فقرة بين الأخلاق والعادات، والآن نعطف على ما تقدم: أن الاخلاق في الوقائع والحقائق لا يغير منها شيئاً، فقد مضى على الناس حين من الدهر وهم يؤمنون بأن الأرض مسطحة، وأن الشمس تدور حولها ولا عكس وأيضاً كانوا يعتقدون أن العالم بكامله: العلوي منه والسفلي والقريب والبعيد مسخر للإنسان قال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا 4 وجميعاً هنا تشمل ما تناله قدر الإنسان وطاقاته دون غيره بحكم الواقع والبديهة حتى جاء العلم وحررهم من هذا الجهل.وما يدرينا أن يأتي يوم يتفق فيه الناس، كل الناس، على القيم الأخلاقية وغيرها من الحقائق تماماً كما اهتدوا إلى شكل الأرض وحركتها وكثير مما كشف عنه العلم الحديث.

وبعد الإجابة عن الإشكال الأول نعرض الإشكال الثاني، ويتلخص بأن الأخلاق يستحيل أن تكون علماً بين العلوم لأن صفة العلم لا تصدق وتنطبق عليها بحال، وذلك لأن القضية العلمية لا تخلو من أحد فرضين: إما أن تكون رياضية تستمد صدقها ويقينها من لفظها الدال عليها بالذات ومن صلب تركيبها وتكوينها بحيث لا تحتاج إطلاقاً إلى الاختبار والتجربة لأنها ضرورية الصدق ولا يمكن أن تكون كاذبة مثل (2×2=4) حيث يكون القول (4) تكراراً للقول (2×2) تماماً كالأرض أرض والسماء سماء، ومن هنا سميت القضية الرياضية قبلية لأن العلم بها سابق وليس بلاحق وتحصيلٌ للحاصل، ولا جديد مفيد.

وإما أن تكون القضية العلمية إخبارية تحتمل الصدق والكذب، ويستحيل أن تكون ضرورية الصدق وإلا لم تكن اخبارية مثل الماء مركب من عنصرين هما الأوكسيجين والهيدروجين، وهنا يمكن التحقّق والتثبت من صدق الخبر أو كذبه، بالخبرة والتجربة، ولذا سميت هذه القضية وأمثالها بالبعدية (أي أن العلم بصدقها أو كذبها يحصل بعد الاختبار والامتحان لا قبله).

وأية قضية لا تكون إخبارية بعدية أو رياضية قبلية فما هي من المعرفة العلمية في شيء، وإنما هي كلام مهمل وفارغ من المعنى، لا يوصف بكذب ولا خطأ حيث لا موضوع اطلاقاً يقبل الامتحان والتحقق من الكذب أو الصدق مثل جنية البحر سمراء والعنقاء طائر طويل بعد الفرض بانهما مجهولان بالعين والأثر.

والقضايا الأخلاقية ليست إخبارية يمكن التحقق من صدقها أو كذبها كالقضايا الطبيعية، وأيضاً بناؤها وتكوينها اللفظي لا يدل على صدقها بالضرورة كما هو الشأن في القضية الرياضية، وإنما هي (أي القضايا الأخلاقية) معيارية محض، تضع للناس ما ينبغي أن يفعلوا ويتركوا، وترسم لهم طريق السلوك في المستقبل القريب والبعيد، وبهذا تخرج عن نطاق العلم الموضوعي، وتدخل في عالم الشعور الذاتي والرغبات والآمال التي لا ضابط لها ولا مقياس، فكيف تكون علماً؟

وأجاب عن ذلك الفيلسوف الشهير(كانت) بأنه لا فرق بين القضية الرياضية القبلية والقضية الطبيعية الإخبارية من حيث أن كلا منهما مضمونها الإخبار، فمن قال: 2×2=4 فهو يخبر بأن ضم عدد 2 إلى مثله ينتج (4) والفارق أن القضية الرياضية ضرورية الصدق ومعرفتنا بها قبلية لا تفتقر إلى الاختبار والامتحان على العكس من القضية الطبيعية البعدية التي تستدعي مراجعة الواقع الخارجي في صدقها أو كذبها 5.

وعلى فرض صحة هذا الجواب في نفسه فانه لا يصدق على مبادئ الأخلاق بكاملها لأنها ليست كقضايا الرياضيات في البداهة والوضوح وإلا كانت من المسلمات الأولية عند الجميع لا شك فيها ولا نزاع مع العلم بأن الخلاف حولها قائم ولم يقعد.

والحق في الجواب كما نرى أن القيم الأخلاقية ثابتة ومستقرة في الفعل والسلوك الخارجي كما بينا في الجواب عن الإشكال الأول، فالدفاع عن الوطن وخدمته لذات الوطن، والانتصار للمظلوم لأنه مظلوم كل ذلك مما لا تتم الحياة ولا تستقيم إلا به يحتوي على الخير والفضيلة حقاً وواقعاً تماماً كما تحتوي حياة الأمن والصحة والدعة على السعادة والهناء، قال سبحانه:﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ6. ومعنى هذا أن الشر والخير قائمان في قلب الفعل وصميمه لا في ذات الفاعل وعاطفته أو في تفكيره وعقيدته، وأنهما ثابتان حتى ولو ذهل الناس عنهما، أو رأوا الخير شراً والشر خيراً تماماً كما لو رأوا العلم جهلاً، والجهل علماً.

وعلى ثبوت المبادئ الأخلاقية ورسوخها في دنيا الواقع، قام النظام الاخلاقي الذي يوجب على المرء أن يوافق بين سلوكه وافعاله من جهة وبين النظام الأخلاقي من جهة ثانية حيث لا يكمل الإنسان إلا بهذا التوافق والتطابق، وعليه فإذا أردنا أن نعرف أن هذا السلوك هل هو خير أو شر، أخلاقي أو غير اخلاقي؟ اختبرناه وقسناه بتلك المبادئ المقررة في النظام فإن تم الاتساق والانسجام بينهما فهو اخلاقي وإلا فما هو من الأخلاق في شيء.

وبهذا يتبين معنا أن القضايا الاخلاقية إخبارية تركبية بعدية لا رياضية تحليلية قبلية، وزيادةً في التوضيح نذكر هذه العبارة التي جاءت في كتاب الفلسفة بنظرة عملية لرسل ص 196:(وألخص مذهبي في الأخلاق بعبارة واحدة هي أن الحياة الخيرية هي حياة يوحي بها الحب، وتهديها المعرفة).

ومعنى هذا أن الحب موجود، والمعرفة ثابتة تماماً كوجود الأعيان الطبيعية وثبوتها، وأن أفعالنا إن انسجمت مع الحب والمعرفة وجاءت على وفقهما فهي خير، وإلا فشر.وهذا عين الذي نؤمن ونلتزم به، وندعو إليه، وإياه عنى نبي الرحمة والإنسانية(صلى الله عليه واله وسلم) بقوله: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

وبعد التمهيد بما أسلفنا نعرض فيما يأتي على وجه العموم كلاً من الوجودية والوضعية المنطقية والبرجماتية وطبيعة الإنسان في الماركسية في فقرة خاصة ونردها بالعقل والمنطق، ونبدأ بالوجودية لأنها الأكثر سيطرة على أفكار الناشئة كما لاحظنا ونذكر اولاً جملة من أقوال روادها واقطابها بقصد التيسير والتسهيل على الفهم والعلم بالوجودية على حقيقتها.

جاء في كتاب سارتر مفكراً وإنساناً ص 18 أنه قال:(أنا لست معنياً بالله، أنا معنيّ بالإنسان) لأن الناس بزعمه هم الذين خلقوا(فكرة) الله وليس هو الذي خلقهم كما جاء في مسرحية الله والشيطان(أنظر مجلة عالم الفكر العدد الأول من المجلد الأول) بل الناس خلعوا أيضاً المعنى والنظام على العالم والكون وإلا فهو لغو وعبث كما جاء في الموسوعة الفلسفية المختصرة ص 176، وعلى مبدأ سارتر ومنطقه هذا يسوغ لنا أن نقول له: وايضاً انت وأمثالك خلقتم الوجودية وابتدعتموها وإلا لم يكن لها عين ولا أثر.وفي ص 33 من الكتاب المذكور قال سارتر:(الإنسان ليس سوى ما يصنعه من نفسه.لقد كتب ديستوفسكي: إذا كان الله غير موجود فإن كل شيء سيكون مباحاً، وهذا بالنسبة إلى الوجودية هو نقطة الانطلاق) أي أن الوجودية تؤمن بأن كل شيء مباح، وترفض كل القيم سماوية كانت أم أرضية، ولا شيء على الاطلاق إلا حرية الفرد!وهذه العبارة تدل دلالة واضحة على أساس الوجودية واخلاقها.ونشرت مجلة عالم الفكر في أول عدد صدر منها مقالاً مطولاً عن الوجودية بعنوان أمراض الفكر في القرن العشرين، جاء فيه أن البير كامي، وهو قطب وجودي قال: إن الحياة لا معنى لها ولا تستحق أن تُعاش، وعليه فالانتحار أمر طبيعي معقول ومقبول.

بين ديكارت وسارتر
بين ديكارت وسارتر بُعد المشرقين، فالأول فيلسوف كبير. وكثيراً ما يطلقون عليه لقب أبي الفلسفة الحديثة، وعالم طبيعي ورياضي أيضاً، والثاني أديب ناقد ومجدد في عالمه، وأيضاً ألف كتاب الوجود والعدم في الفلسفة، وإذن فلا قاسم مشترك يبرر المقارنة بين الاثنين، وأي عاقل يقول: هذا في الطب أفضل من ذاك في الهندسة؟. ويُعرف الهدف من ذكرنا للاسمين معاً مما يلي:

جاء في كتاب سارتر مفكراً وإنساناً ص 30 وما بعدها أنه قال:(نقطة انطلاقنا هي ذاتية الفرد.ولا توجد حقيقة أخرى سوى هذه الحقيقة:(أنا أفكر إذن أنا موجود). وتسمى هذه الصيغة عادة بالكوجيتو، ومن المعلوم ان هذه الكلمة لديكارت، وقد استعارها سارتر للتعبير بها عن مذهبه، مع الفارق البعيد بين الهدف الذي رمى إليه ديكارت أنه يستطيع أن يشك في الحس وان له بدناً، لكنه لا يستطيع أن يشك في بديهية العقل وانه موجود طالما هو يفكر، وعلى هذا النحو أثبت وجوده باعتباره مفكراً لا باعتباره جسماً، ثم انتقل ديكارت من هذه النقطة إلى ثانية، إلى وجود الله تعالى.ويتفق هذا تماماً مع قول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في الحكمة 281 من حكم النهج:(ليست الرؤية كالمعاينة مع الأبصار، فقد تكذب العيون، ولا يغش العقل من استنصحه).

أما سارتر فقد أراد من هذه الصيغة أن يحدد بها مذهبه وفلسفته، وأنها أنانية أحدية، وغنية في سلطانها وجبروتها عن المبدع والخالق، تنفذ مشيئتها في نفسها، ولا تنفذ فيها أية مشيئة عقيدة كانت أو نظاما أو شريعة سماوية أو أرضية.. أبداً لا شيء إلا (الأنا) وحدها لا شريك لها!. وقال قطب آخر من الطائفة الوجودية ما نصه بالحرف الواحد:(إنك تلغيني إذا وضعتني في نظام أو مذهب).


*فلسفة الأخلاق في الإسلام،الشيخ محمد جواد مغنية،دار التيار الجديد،بيروت لبنان،ط5-1412ه- 1992م،ص27-35.


1-انظر مجلة عالم الفكر المجلد الرابع العدد الثالث ص 163.
2-(انظر فوائد الأصول للكاظمي ج 4 ص 141.
3-النمل:14
4- الجاثية:13
5-انظر كتاب نحو فلسفة علمية لزكي نجيب ص 17.
6-الزلزلة:7-8

31-03-2011 عدد القراءات 9160



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا