10 آب 2020 م الموافق لـ 20 ذو الحجة1441 هـ
En FR

 

القائد الخامنئي :: 2019

كلمة الإمام الخامنئي في لقاء جمع من الفاعلين الاقتصاديين



كلمة الإمام الخامنئي في لقاء جمع من الفاعلين الاقتصاديين_19-11-2019

بسم الله الرحمن الرحيم


والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا أبي القاسم المصطفى محمد وآله الطاهرين، لا سيما بقية الله في الأرضين.

أرحّب بكم كثيرًا. الجلسة جلسة مهمة وقيّمة جدّاً. وأنا آسف لأنّ بعض الأعزاء لم تسنح لهم الفرصة لإلقاء كلماتهم هنا. والحل هو أن تسلّمونا ما كتبتم وسجّلتم بنيّة قراءته أو إلقائه هنا. لقد رفع بعض الإخوة أيديهم من وسط الجموع ليتكلّموا، ولأن إدارة هذه الجلسة بيد المقدم المحترم، لذلك لم أقل شيئًا في خصوصهم ولن أقول.

لقاء اللّيلة هو بالدرجة الأولى لتكريم المنتجين [الاقتصاديين]. أساس هذه الجلسة هو هذا الأمر. أردنا أن نُكرّس لدى الرّأي العام في البلد فكرة أن نظام الجمهورية الإسلامية يهتم -بكل ما للكلمة من معنى-بمنتجي ومروّجي الصّناعة الداخلية والزّراعة الدّاخلية والإنتاج الداخلي والخدمات الداخلية ويُكرّمهم. وهذا ما حصل بحمد الله.

والآن، إن تكلّمت بما لدي أم لم أتكلم، فقد تحقق، حتى السّاعة، ما كنا نقصده. وقد استمعت بدقة إلى الكلام الذي قاله الأعزاء هنا؛ كان كلامًا في منتهى الأهمية وجديرًا بكل اهتمام. طبعًا من أجل أن يتّخذ الإنسان قرارات على ضوء الاقتراحات المطروحة، فلا بُدّ من التأمّل والتفكير واستشارة الخبراء. ولكن ما يجب أن تكونوا واثقين منه، وعلى علم به، هو أنني مؤمن من أعمق الأعماق بهذه الحركة والمسيرة. وأعتقد أن حلّ مشاكل البلد ومفتاح حل معضلاته هو عبارة عن الترويج للإنتاج الدّاخلي في مختلف القطاعات.

حسنًا؛ لحسن الحظ، فإن كلام هذا العدد من الأشخاص الّذين تحدّثوا الليلة. كان كلامًا على جانب كبير من الأهمية والصحة. وقد تحدّث الليلة عشرة أشخاص. أي إنه لدينا من الكلام في القطاعات الإنتاجية العشر المهمة في البلاد ما هو جدير بالطرح. أنا إنسان بارع في الاستماع؛ يأتي الكثيرون إلى هنا ويتكلمون وأجلس وأستمع للكلام. كان الكلام مدروسًا، جيّداً، ومهمّاً. بعض المسؤولين المحترمين حاضرون في هذه الجلسة؛ لكن هذا لا يكفي. ليت عددًا أكبر من المسؤولين الحكوميين من مختلف قطاعات الحكومة، كذلك من نواب مجلس الشورى الإسلامي كانوا حاضرين في هذه الجلسة هنا ، ليستمعوا لهذا الكلام. أو ليت أولئك الّذين يفكّرون بطريقة أخرى بخصوص الإنتاج أو ازدهار اقتصاد البلد ويُسمّرون أعينهم على مكان آخر؛ كانوا حاضرين ورأوا أن الطريق هو هذا. وإنما النافذة الناقلة للحياة والضياء والقدرة إلى داخل البلد هي هذه النافذة المفتوحة بواسطة العناصر المتصدية للإنتاج والمتكفلة به. لا طريق غير هذا الطريق.

وأقول؛ إنّنا نهتمّ بالشؤون الاقتصادية لأن للاقتصاد دوراً مهمّاً جدّاً في النظام الإسلامي. خطأ كبير أن يتصور البعض أن النظام الإسلامي لا يهتم بقضية إنتاج الثروة وإشاعة الرفاه العام وتأسيس مؤسسات مهمة لإنتاج الثروة. ليس في ذلك [التصور] شيء من الصحة. فمن الأركان المهمة للنظام الإسلامي، إثراء المجتمع والبلد؛ [زيادة] الثروة الوطنية. طبعًا نوعية نظرة النظام الإسلامي للثروة تختلف عن نوعية نظرة الحكومات المادية والأنظمة المادية لها. سواء ما يُعرف في العالم بالرأسمالية والليبرالية أو ما يعرف بعنوان الماركسية والنظام الاشتراكي وما شاكل ذلك.

ففي النظام الإسلامي [كما إن] إنتاج الثروة الوطنية قيمة، فإنَّ توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل هو قيمة أيضًا. والإسلام لا يقبل بتلك المساواة التي يدّعيها النظام الاشتراكي والتي لم تتحقق أبدًا بالطبع. في الإسلام لا معنى أبدًا لتلك المساواة بمفهومها الاشتراكي. أمّا تمتع عموم الناس [بالإمكانات] فبلى. يجب أن يتمتع عموم الناس [بإمكانات البلد]. والذين رفعوا شعارات المساواة، وحسب معلوماتنا الواضحة والكاملة عن الحكومات الشيوعية – سواء الحكومات الشيوعية الأصلية والأم مثل الاتحاد السوفيتي وغيره أو الحكومات التابعة للشيوعية مثل حكومات أمريكا اللاتينية والحكومات الأفريقية وبعض الحكومات الآسيوية – لم تتوافر فيها عمليًا تلك المساواة على الإطلاق. أصلًا لم تكن المساواة قابلة للتحقّق.

لا يعترف الإسلام بهذه الأمور. ويعتقد الإسلام بإنتاج الثروة الوطنية ورفع مستوى الرفاه العام للمجتمع. طبعًا هناك من يمتلكون ثروات أكثر من غيرهم في المجتمع. وهناك من يمتلكون أقل. ولا إشكال في ذلك. إلّا أنه يجب توزيع الموارد بشكل عادل. هذه هي نظرة الإسلام للثروة. طبعًا لا تحدث في النظام الإسلامي انقسامات طبقية. ولا تحصل فيه تلك الهوات الطبقية. هناك فوارق، ولكن لا توجد انقسامات طبقية.

ما أروم قوله لكم بالدرجة الأولى هو أن ساحة الإنتاج هذه والازدهار الاقتصادي وارتفاع الثروة الوطنية والرفاه العام في البلاد إلى الذروة؛ بحاجة إلى رُوّاد وقادة وصفوف متقدمة، شأنها شأن سائر الساحات. ورُوّادها وقادتها وصفوفها المتقدمة هم أنتم. أنتم المنتجين. ولا أقصد الجماعة الحاضرة في هذه الجلسة فقط. بل هذا النوع وهذه الحركة وهؤلاء السادة الّذين تحدّثوا وأشاروا إلى نشاطاتهم؛ هؤلاء هم الصفوف المتقدمة وعناصر الاشتباك في هذه الساحة وهذا الميدان. [إذًا] هذه الساحة ساحة مهمة أيضًا وميدان خطير. إنها ميدان حرب.

هناك أشكال مختلفة للحرب الاقتصادية في العالم. وأولئك المنخرطون في شؤون الاقتصاد الدولي يرون بوضوح أن البلدان والقوى والعالم كله في حالة حرب في الشأن الاقتصادي. وقد ظهرت وبرزت هذه الحرب في الدورة الحالية من رئاسة الجمهورية في أمريكا؛ مع الصين بشكل ما، مع كوريا الجنوبية بشكل آخر، ومع أوروبا كذلك ومع الآخرين... لا أن هذه المعركة لم تكن قائمة في زمان غيره [الدورات السابقة]. بلى، كانت موجودة بأنماط مختلفة. إلّا أنّ هذه الحرب تكتسب بعض الأحيان طابعًا وحشيًا حاقدًا. نظير الحرب التي تُشنّ ضدنا في المضمار الاقتصادي. حيث اتخذت العقوبات طابعًا حاقدًا وإجراميًّا. طبعًا كان الحظر موجودًا منذ مطلع الثورة، لكنه اشتدّ خلال الأعوام العشرة الأخيرة. وهذا الحظر باقٍ. وأن يأمل شخص بأن يرتفع هذا الحظر بعد سنة أو سنتين، فهذا وهم باطل. هذا ما أودّ قوله لكم. فطبقًا لمعرفتنا بقضايا هذه الجبهة، ما أفهمه هو أن هذه العقوبات ستبقى الآن وفي المستقبل القريب. ويجب أن يبقى، وسيبقى. ومن أجل إنقاذ اقتصاد البلاد يجب أن لا نسمر أعيننا ولا نعقد آمالنا على إلغاء العقوبات أو ذهاب هذا الشخص أو رحيل تلك الجماعة أو إقدام ذاك البلد على الأمر الفلاني... كلّا، هذه أمور لا تأثير لها، وهذه العقوبات موجودة.

طبعًا البعض يتصرفون بذكاء، ويلتفّون على العقوبات. هذا جيد ولا إشكال فيه وسلِمت أياديهم. لكن المهمة الأساسية هي صيانة اقتصاد البلد من أضرارها. هذه هي المهمة الأساسية. الالتفاف على العقوبات هو تكتيك، أما صيانة وحماية البلد مقابلها فاستراتيجية. يجب القيام بهذا الأمر. يجب القيام بما يجعلنا أقوياء أمام العقوبات. والأمر الآن ليس كذلك. فاقتصادنا الآن يعتمد على النفط. لحسن الحظ، تقلّص اعتمادنا هذا إلى حدٍّ ما مع العقوبات على النّفط. واختلفت تركيبة الميزان التجاري. لكن اقتصادنا مبدئيًا يعتمد على النفط. وهذه نقطة ضعف. فعندما نلجأ لاستخدام أموال النفط لميزانية الحكومة -وليس فقط في الميزانيات العمرانية وميزانيات البناء في البلد، بل حتى في ميزانياتنا الآنيّة- ستكون النتيجة على ما هي عليه الآن. وسيؤول الوضع إلى ما هو عليه. وسنتأذّى. يجب أن نعالج هذا الأمر.

ما أقوله ليس كلام اليوم. بل كنت أُردِّده منذ عقد السبعينيات (تسعينيات القرن العشرين الميلادي) ومنذ حكومة المرحوم السيد هاشمي رحمة الله عليه – أخينا وصديقنا العزيز. كنت أقول له ولوزرائه إنه يجب أن نفْعل ما يُقلِّل تدريجيًّا من تبعيّتنا للنفط. وصندوق التنمية الوطنية هذا الذي تلاحظونه أنشئ أساسًا لهذا الغرض. معنى صندوق التنمية الوطنية هو أن نخرج كل سنة نسبة مئوية من عائدات النفط من دائرة تصرّف الأجهزة المستهلِكة ونودعها في صندوق. وهذا الصندوق في يد الحكومة طبعًا. إلّا أنّ الإنفاق منه لن يُخصّص للأمور الآنية. وكان من المقرّر أن تزداد النّسبة تدريجيًّا لتصل هذه السنة إلى نحو 35 في المئة من عائدات النفط تودع في صندوق التنمية الوطنية، لو أنّ الأمور سارت وفقًا للسياق القانوني. لكن القائمين على الحكومات المتعاقبة -ليس فقط في الحكومة الحالية– كانوا يأتون عند مختلف القضايا ويُصرّون على السحب من هذا الصندوق. العملية غير قانونية. ولأنها غير قانونية، كانوا يراجعونني. ولو كان الأمر قانونيًّا لسحبوا. ولكن لأنه غير قانوني، ومن أجل أن تتدبر الأمور بشكل من الأشكال، كانوا يراجعونني ويصرّون ويتوسّلون لحل المشكلة وإعطائهم الإذن بسحب المقدار الفلاني مثلًا من صندوق التنمية. وللأسف، فإن صندوق التنمية أصبح قليل التأثير والفاعلية. وكنت قد قلت بأنه عندما يكتب لي شخص رئيس الجمهورية بأن الأمر ضروري، فإنني أوافق. طبعًا الصندوق بيد الحكومة نفسها. والحكومة هي التي تعيّن رئيسه. وإدارته عندهم وليست عندنا. إلّا أنّ إذن السحب منه بهذا الشكل غير القانوني يجب أن أتحمّله أنا. ويجب عليّ أن أعطي الإذن بذلك. إذًا هذه هي المشكلة فقط. يجب علينا أن نختار مسارًا جديدًا نسير فيه بجدّية؛ مسار الإنتاج الدّاخلي.

بالنسبة إلى ما قاله أحد الأصدقاء الأعزاء هنا؛ أنه من وجهة نظر البعض "أقل الأعمال خطرًا هو عدم اتخاذ القرار". هذا القول من أخطر الأفكار. من أخطر الأفكار فكرة أن قول المرء: "بما أنني إذا ما اتخذت قرارًا فإن جهاز الرقابة الفلاني سيقول كذا وكذا والمعرقِل الفلاني سيواجِه بكذا وكذا، إذاً فالأسهل أن لا أقرر." هذا خطير جدّاً. كلا! يجب أن تتخذوا القرارات، ويجب أن تُقْدموا، ويجب أن تتكيفوا مع الصعاب، ويجب أن تذلّلوا الموانع. وقد ذُلّلت لحد الآن الكثير منها. وأنتم تلاحظون ذلك. فالكثير من المجموعات الّتي تحدّثت اليوم، لها أعمالها الناجحة في مختلف القطاعات. ولم يكن الأمر كذلك قبل عشرة أعوام وخمسة عشر عامًا. بل توافرت الإمكانيات تدريجيّاً. وقد وقفتُ مع هذه القضية. اعلموا أنّني أدافع وأساعد. يجب أن يتقدّم الإنتاج في البلد. فهذا هو الحل والعلاج. إذًا استراتيجيّتنا الأساسية هي صيانة الاقتصاد من العقوبات. وتمكين و-في الواقع- تسليح الثورة بسلاح الإنتاج الداخلي والإرادة الداخلية وما شاكل ذلك.

إحدى البركات التي تترتّب على هذا المعنى -أي توجهنا نحو الحراك الداخلي- هي خروج اقتصاد البلاد من حال الارتهان. من أسوأ المشكلات في البلاد أن نجعل الاقتصاد مرتهنًا. وللأسف فإن اقتصادنا في هذه الأعوام الأخيرة كان مرتهنًا: "لنرى ما سيحدث. ما الذي سيحدث بعد ستة أشهر. ما هو مصير الاتفاق [النووي]" وما إلى ذلك. والآن أيضًا يحاول البعض أن يجعل الاقتصاد مرتهنًا مرة أخرى: "لنرى نتيجة مبادرة رئيس جمهورية فرنسا. لنرى نتيجة المبادرة الفلانية" يجب أن يتركوا هذه الأمور جانبًا. إذا أرادوا أن يقوموا بعمل ما، فليقوموا به. إذا لم يكن الأمر ممنوعًا ولا هو تجاوزٌ للخطوط الحمر، فليقوموا به. ولكن لا يوقِفوا الاقتصاد عليه. ولا يربطوا الرأي العام به. وليعلم الرأي العام:
إصلاح جبتك القديمة
خير من طلب جبة مستعارة
علينا أن ندبر أمورنا بأنفسنا.

الكفاءات في الداخل كبيرة جدّاً. كبيرة جدّاً! أنتم تعرفون ذلك أكثر منّي. وأنا بدوري لست بغير مطّلع طبعًا. لكن حيثُ إنكم تعملون في مختلف القطاعات الإنتاجية، تعلمون جيّدًا كم هي كبيرة الكفاءات في البلد. وقد أوضح السادة والسيدة الذين تحدّثوا هنا، جانبًا من طاقات البلد في المجال الذي يعملون فيه. ومعنى الشكاوى والهواجس التي تم طرحها هو أن في هذه المجالات كفاءات غير مستفاد منها، ولا يمكن الاستفادة منها بوجود هذه الموانع. فلنزيح الموانع لنتمكن من الاستفادة من الكفاءات.

لاحظوا أنّ جلّ الكلام في جلستنا هذه الليلة هي أن طاقات البلد وافرة ولا متناهية. وقد تمّ الاستفادة من جزء منها، وكان لذلك تأثيره بحمد الله. كما ولم يُستخدم الكثير منها بعد. ولو تمكّنّا من الاستفادة من هذه الكفاءات، لغدا اقتصادنا مصانًا. وسوف نستفيد منها إن شاء الله ببركة هذه العقوبات. فالعقوبات من هذه الناحية – كما أشار أحد الأعزاء هنا وكلامه صائب – يمكن أن تتحول إلى فرصة لنا بدل أن تكون تهديدًا علينا.

ولنلتفت أيضًا إلى هذه النقطة: إذا استطعنا نحن الشعب الإيراني، والناشطين الاقتصاديين، والمفكرين في مجتمع الأعمال في البلد، أن نبطل مفعول العقوبات بالاعتماد على القدرات الداخلية، فإن الأطراف التي فرضت العقوبات سوف تُقلع عنها. أي إنهم عندما يدركون بأنه لا فائدة من العقوبات، فسوف يُقلعون هم أيضًا عنها لأنهم بدورهم يتضرّرون. الآن، الأوروبيّون والآخرون يتضررون من العقوبات المفروضة علينا. لكن العلاقات الاقتصادية الدولية المعقدة والمتشابكة لا تسمح لهم بفعل شيء. [ولكن] عندما يجدون بأنه لا فائدة من العقوبات، سوف يتنازلون هم أيضًا. طبعًا بدورنا يجب أن لا نغيّر سياسة الاعتماد على الداخل إذا ما تنازلوا هم عن العقوبات. إنّ البعض ينتظر أن يُفتح الطريق إلى الجانب الآخر لينعطف ثانية إلى ذلك الاتجاه. وهذا أمر خاطئ. يجب أن نتمسّك بإحكام وثبات بأطراف سياسات الاعتماد على الداخل. ولو افترضنا أن العقوبات انتهت، فلا يضرّن ذلك بحركة الاعتماد على الداخل. ها إنّ إمكانات أكبر قد صارت بتصرفنا. وأنه صار بإمكاننا الاستفادة من التّصدير وما شاكل ذلك من الإمكانات المتنوعة.

من المزايا الكبيرة للبلد فرصة وجود سكان شباب في البلد. ولكم سررتُ حين قال أخونا هذا: "لقد منحت فرص عمل لأربعة آلاف شاب في هذا القطاع." إن المرء يرتاح حقًا لهذا الأمر. يعبّر الخبراء السكّانيون عن الأمر بـ"النافذة السكانية". إننا نقف اليوم في قلب هذه الفرصة. وفقًا لما رفعوه لي من تقارير، يقول المتخصصون في هذه الشأن والخبراء فيه بأن هذه الفرصة سوف تستمر حتّى عشرين سنة قادمة. هذه الفرصة أمامنا حتّى عشرين سنة قادمة. فإذا استطعنا خلال هذه الأعوام العشرين تمتين دعائم أمورنا نكون قد ربحنا. أما إذا غفلنا وفاتتنا فرصة هذه الأعوام العشرين ودخل البلد حيّز الشيخوخة والتهالك فلن يمكن عندها فعل أيّ شيء.

حسنًا، كيف نستفيد من هذه الفرصة في هذه الأعوام العشرين؟ هناك قضيّتان أساسيّتان: إحداهما قضية السكان؛ بأن لا نسمح بانخفاض عدد السكان. ولا نسمح بانخفاض عدد السكان من الشباب. [أي] نزيد من المواليد. والثانية إيجاد ثروة مستدامة للبلد. ينبغي القيام بهذين الأمرين. وهذا هو معنى إصراري الدائم على المواليد والإنجاب وما شاكل ذلك. أي إنه إذا لم يتم الاهتمام بهذه القضية -كما جرى الأمر لفترة طويلة للأسف- ولم يفكر الجميع بالإنجاب ولم تحصل هذه الحركة العظيمة التي يجب أن تحصل في البلد، فبعد عشرين سنة –وستنقضي بسرعة البرق، فعشرون عامًا ليست بالزمن الطويل– سندخل في مسار يكون فيه العمل صعبًا جدّاً علينا. قضيّة أخرى أيضًا قضية إنتاج الثروة.

مزايا البلد كثيرة وطاقاته عظيمة. والجميع عليهم واجبات. لقد سجّلت هنا توصيات للناشطين الاقتصاديين، ولعموم الناس، وللنخب الجامعيين، وكذلك للمؤسسات العامة غير الحكومية، وأيضًا للأجهزة الإعلامية –التي اشتكى منها أحد السادة– وكذلك للأجهزة الحكومية. وإذا ما أردت طرح جميع هذه التوصيات لما كفانا الوقت بالتأكيد. لذا فأنا مضطر للاختصار.

فيما يتعلق بالناشطين الاقتصاديين -وهم أنتم- أقول كلمة واحدة فقط؛ وهي أنكم أنتم المعنيّين بسياسات المادة 44. أساسًا المعنيّ بقضية المادة 44 هذه وذلك الإطار الذي جئنا وفتحناه بنظرة قانونية وبرؤية قائمة على أساس الحكمة وأطلقنا سياسات المادة 44 وأوضحناها للناس، هو أنتم. طبعًا يوم تم تبليغ هذه السياسات أيّدها الجميع. أي إنني لا أتذكر أن أحدًا من الناقدين الاقتصاديين والخبراء الاقتصاديين قد اعترض حينها على هذا الأمر. بل إن الجميع أيّدوه وقالوا إنه عمل صحيح. وهو كذلك فعلًا. أي إنّه صحيح حقّاً. وكذا كان الحال بالنسبة إلى المسؤولين الحكوميين. طبعًا لم يجرِ العمل به بصورة صحيحة. فأن يمنحوا، بذريعة المادة 44، المعمل الفلاني لشخص استغلالي انتهازي يُدمّر المعمل ويبني مكانه برجًا فهذا ليس تعزيزًا للقطاع الخاص. وكم أفسد هذا الأمر الأجواء. من بين الناشطين الاقتصاديين والذين مُنحت لهم الشركات الحكومية، لم يعمل ربما حتى واحد في المائة بتلك الطريقة. فقد عمل الباقون بطريقة سليمة. ولكن نفس ذلك الواحد في المائة، عندما ذاع [خبرهم] وتكرر [ذكرهم] وتوبع [أمرهم]، أدّى إلى نوع من التّشاؤم بأن "لماذا جرى ما جرى؟". وأقولها لكم بأنكم أنتم المعنيّون بهذا الأمر. فسياسات المادة 44 تخلق لكم أنتم الناشطين الاقتصاديين حقّاً، وتوجب عليكم واجبًا. على عاتقكم مسؤولية؛ اذهبوا وتابعوا القضية.

كنت قد سجّلت هنا أيضًا: شكّلوا سلاسل تخصصية للعمليّات [المطلوبة] [ضمن] خارطة [واضحة] للطريق. ثم تابعوها. أي من إنتاج العلم والتقنية إلى التخطيط والهندسة فصناعة التجهيزات والمعدّات مرورًا بتأمين المواد الأولية وصولًا إلى إنتاج البضائع والتّسويق والتوزيع. هذه كلها أعمال تقع على عاتقكم. ويجب أن تقوموا بها إن شاء الله.

طبعًا أضيف هنا أنني أؤمن إيمانًا كبيرًا بالتعاونيات. وما قاله رئيس التعاونية المحترم هو موضع تأييدي وتصديقي تمامًا. فالتعاونيات ظاهرة مطلوبة بشدة لاقتصادنا. فهي تجمع الرساميل الصغيرة وتؤهل الأفراد فردًا فردًا. وتنتج الكثير من فرص العمل. ثم إذا أمكن أن نجعل من هذه التّعاونيات شبكات، وجمعها في شبكة واحدة، فستكون النتيجة منظومة هائلة عملاقة. وستكون فيها خيرات وبركات كثيرة. ينبغي أن يتابعوا أمر هذه التعاونيات. ففيها من البركات ما هو كثير. والوزير المحترم موجود هنا. تابعوا –حتمًا- قضية التعاونيات بجدية. وحلّوا المشاكل التي أشاروا إليها في خصوص التعاونيات.

وفيما يخصّ عامّة الناس، فتوصيتي للناس تكرّرت مرارًا. ما أقوله لشعبنا العزيز هو أن يستهلكوا البضائع داخلية الصنع حتمًا. وليشارك الذين يستطيعون في الاستثمارات المنتجة. ومنها هذه التعاونيات. أو في أماكن أخرى من البورصة.

وليُروّج الناس في ما بينهم، وأولئك الذين يقدرون على ذلك ولديهم مساحة نفوذ بين الناس، لثقافة العمل الجهادي والتعاون. ولحسن الحظ فإن شعبنا حاضر لذلك. لاحظوا إذا ما أتى سيلٌ أو زلزالٌ ما، كيف ينزل الناس للميدان تلقائيّاً دون أن يطلب أحد منهم ذلك. هذه هي تجربتنا. وهي لا تختص بالزمن الحاضر فقط. فقد كان الأمر كذلك حتى قبل الثورة. وأنا شخصيّاً لدي عدة تجارب عينية شخصية ناجحة في مجال المساعدات الشعبية والتعاونيات الشعبية لمثل هذه الحوادث. وقد شاهدت في الحادثة الأخيرة لهطول الأمطار والثلوج في شوارع طهران؛ حيث عرض التلفزيون عدة أشخاص، عدة من المسلمين، حضروا ليفرشوا الملح والرمل! هؤلاء لم يكونوا أعضاء بلدية، ولا أعضاء في مجلس خدمة البلدية، ولا أعضاء في قوى الشرطة، بل مواطنون عاديون. وليس معلومًا ما إذا كان ذلك الشارع مربوطًا بهم أصلًا. ولا تلك السيارات، لم تكن تخصّهم أصلًا. كل ما في الأمر أن السيارات لم تستطع الحركة على طبقة الجليد المتشكلة، فجاؤوا يفرشون الملح والتراب! هكذا هم ناسنا. حاضرون [دائمًا]. فليتمّ استغلال هذه الروحية للترويج للعمل الجهادي. فليُكرّم الناس العمل الإنتاجي وليحترموا المنتج والناشط الاقتصادي السليم. وليُقبّح الناس السلوكيات والتصرفات الخاطئة. من دون أن يعمّموها. ما نُشدّد عليه هو أن لا يعمّموا العمل الخاطئ الذي يشاهدونه في مكان ما، على الجميع. فمن الممكن أن يكون هناك إنسان طالح في أيّ جماعة. وهو موجود فعلًا.

يشاهد المرء أيضًا أمرًا فيما يخص صناعات الناس، والأعمال والمنتجات الصغيرة؛ إذ تراهم قد ينتجون شيئًا ما، شيئًا جيّدًا جدًّا، وإذ بهم يلصقون عليه ماركة خارجية. أنا أتعجّب لهذا الأمر! ماركة خارجية! [مرة] جرى طلب مقدار من البضائع لمنطقةٍ محرومة. جاء الطلب وأحضروا لي نموذجًا عنه. فوجدت أن عليه ماركة خارجية. فقلت لهم "أولم تقولوا إنها صناعة داخلية؟! كان مقرّرًا أن يكون صناعة داخلية!" فأجابوا: "بلى إنها داخلية! وخياطها فلان. لكن أُلصقت هذه الماركة عليها." فطلبت منهم أن يقلعوها. إنه لمن الأعمال السيئة أن يأتوا بالإنتاج الداخلي عليه ماركات خارجية ويوزّعوه بين الناس.

وحول النخب العلمية والجامعية فقد قلت مرارًا: الأولويّة هي للخوض في حل القضايا الاقتصادية الأساسيّة. لدينا في البلد الكثير من القضايا على الصعيد الاقتصادي. وبوسع الجامعات أن تعمل على هذه القضايا وتعالجها.

ثانيًا يمكنهم التعاون مع الأجهزة الإنتاجية ومؤازرتها. وبذلك يساعدون الأجهزة الإنتاجية، وستمنح الأجهزة الإنتاجية بدورها أجورًا ومكافآت لقاء هذا العمل. ما من شانه مساعدة البحوث الجامعية على التطور. هذا العمل مليء بالبركة وضروري. وطبعًا قد بدأ منذ سنين. ويجب أن يستمر.

إعداد طاقات بشرية خلّاقة ومبدعة وبما يتناسب واحتياجات العصر. والعمل العلمي حول النظام المصرفي وقضية تخطيط الميزانيات. هذه هي مشكلاتنا. لدينا في الوقت الحاضر مشكلة حقيقية في خصوص التخطيط والميزانية. وقد أوصيت وأكّدت ومنحنا فرصة الأشهر الأربعة الأولى من السنة ليُصلحوا نظام الميزانية. لكن الأمر لم يحصل. هناك عقدة علمية. وعلى الجامعات معالجة هذه المشكلة. وكذا الحال بالنسبة إلى نظامنا المصرفي. في شهر رمضان حيث لي لقاءات مع الطلبة والأساتذة الجامعيين. يأتون إلى هنا ويتحدثون لساعات ويبدون آراء جيدة جدّاً. لا الأساتذة فقط، بل حتى الطلبة الجامعيين. طلبة الماجستير، وطلبة الدكتوراه يأتون ويتحدثون هنا ويقولون كلامًا يستفيد منه الإنسان. وأنا أستفيد حقّاً. فهم أصحاب رأي ويمكنهم حلّ المشاكل. فلتستفد منهم الأجهزة الحكومية، ولتطلب منهم. وليبادروا هم وليعملوا.

توصيتي الأكيدة للمؤسسات العامة غير الحكومية هي أن لا يكونوا منافسين للقطاع الخاص في الأعمال الاقتصادية على الإطلاق. هذا ما قلناه لكل المؤسسات العامة غير الحكومية ونقوله. ليخوضوا في المواطن التي لا يكون للقطاع الخاص فيها القدرة والإمكانيات اللازمة، أو لا تكون لديه الرغبة في العمل. وإذا ما دخل القطاع الخاص في ذلك المجال بعد مدة من الزمن، فليغادروا هم ذلك المجال إلى مكان أبعد وأصعب. وليذهبوا إلى هناك ليعملوا ويستثمروا. وليتحاشوا بجد منافسة القطاع الخاص.

وبالنسبة إلى الأجهزة الحكومية، عمدة توصياتنا هي الآتي:

القضية الأولى التي أُصرّ على الأجهزة الحكومية أن تتابعها هي قضية تحسين مساحة الأعمال التكسّبية. كل هذه الأمور التي تحدث عنها السادة ناجمة عن عدم تحسين مساحة الأعمال التكسبية. القوانين المربكة، المقررات المربكة، الأداء الخاطئ أحيانًا دون قصد، أو قد يكون عن قصد أحيانًا. يجب أن يوفروا الأجواء الملائمة للإنتاج في البلد. أي الأجواء الملائمة المساعدة لصالح الحركة الإنتاجية وباتجاه الإنتاج مقابل اتجاه الاستيراد والاعتماد على الخارج. لدينا للأسف موروث جد مرير ومشؤوم عن النظام الطاغوتي. فقد كان أساس الاقتصاد وأساس التحرك الاقتصادي والتجاري وما إلى ذلك مبنيًّا على الاستيراد. وهذا ما لم ينتفِ ولم ينته لحد الآن. لقد غيّرت الثورة الكثير من الأسس الخاطئة لكنها لم تستطع للأسف تغيير هذه الحال بصورة صحيحة. يجب العمل بجدٍّ في هذا المجال. ليوجهوا أجواء البلاد وأجواء الاقتصاد الوطني، أجواء المال [والأعمال] في البلاد، والبنوك والجمارك والميزانية والتأمين الاجتماعي والمقررات، باتجاهٍ يكون لصالح الإنتاج. وليتم عزل الاستيراد والسمسرة وألاعيب أوراق الدّفع (الكمبيالات) وما إلى ذلك. هذه أهم قضية.

[وهناك] التعامل التكريمي مع الناشطين الاقتصاديين النزيهين المعتبرين. لحسن الحظ فإن جماعة كبيرة من ناشطينا الاقتصاديين هم أناس سالمون نزيهون أصحاب اعتبار وأصول وجذور. وهم يعملون [بجدّ] حقّاً. وبعض منهم يعمل في سبيل الله. بالطبع، القطاع الخاص يبحث عن الربح الشخصي ولا إشكال في ذلك. لكن البعض إلى جانب ذلك يعملون في سبيل الله. لقد رأيت أحد الأثرياء، وكان من معارفنا في مشهد، يقول: كان بوسعي أن أضع هذا المال في البنك وأحصل من ورائه على أرباح كبيرة من دون أية متاعب ومن دون ضرائب ومن دون مشاكل ومن دون دراسة وتحقيق وغير ذلك. لكن قلبي لم يطاوعني – كان يعمل في تربية الدواجن والدجاج وما إلى ذلك – فذهبت ووظفت الأموال في ذلك المجال. عمل مليء بالمتاعب. عمل إنتاجي، لكنه من أجل رضى الله. قال وجدت أن هذا العمل ضروري للثورة. لاحظوا، إنه يربح، لكن الله يعطيه الأجر والثواب في الوقت نفسه. هذه إحدى القضايا.

القوانين والأوامر والتعميمات المُربكة والمعرقلة – وهذا ما يتعلق بمجلس الشورى – يجب أن تُنسخ بمقررات تسهيلية بديلة. لقد حصل هذا الأمر في بعض القوانين. أي إنهم غيّروا القوانين لصالح الإنتاج. لكن هذه القوانين لم تدخل حيّز التنفيذ. وُضعت قوانين جيدة لكنها لم تُنفّذ ويجب تنفيذها. هذه مشكلاتنا الأساسية في مجال البنوك والجمارك وما إلى ذلك. هذه مشاكل ينبغي أن تُحلّ وعلى مجلس الشورى والحكومة أن ينشطا بجد في هذا المضمار.

بعض الأخطاء تحصل في خصوص المنتجين. وهذه الأخطاء ليست كلها في مستوى واحد. لا يجب أن يؤدي أيّ خطأ إلى أن تنهال الأجهزة الرقابية على تلك الوحدة الإنتاجية وتخلق لها المشاكل. هذه توصيتنا لتلك الأجهزة. طبعًا البعض يرتكبون الخيانة، ولهم حسابهم الخاص. ولكن هناك بعض الأخطاء والهفوات التي يجب علاجها عن طريق التنبيه والتذكير ومنح الفرص. لحسن الحظ، قال لي رئيس السلطة القضائية المحترم قبل مدة، ربما الأسبوع الماضي، إنهم بادروا وحالوا دون إقفال العدد الفلاني – وكان عددًا كبيرًا جدّاً – من الوحدات الإنتاجية التي كانت على مشارف الإقفال. هذا أمر جيّد جدّاً. على الأجهزة الرقابية أن تهتم بهذا الأمر.

ونقطة أخرى من التوصيات الضرورية للحكومة هي الاستقرار والثبات في السياسات المالية والمصرفية. الاستقرار والثبات في السياسات. السياسات التي تتغير مرة كل عدة أشهر أو مرة كل عام توجه ضربات قاسية لإنتاج البلد.

نقطة أخرى – ناتجة هي الأخرى عن تجربة التبادل مع الأجانب وما إلى ذلك – هي أن التجربة دلت على أن الشركات الأجنبية غير مستعدة لنقل التقنيات الأساسية المهمة للبلد. وقد قال عزيزنا هنا إننا نُصدّر التقنية للبلدان الفلانية. فقلنا بارك الله بجودكم وكرمكم إذ تُصدّرون التقنية! الآخرون يُصدّرون المنتجات لنا ولا يُصدّرون لنا التقنية. لا أقول افعلوا أنتم أيضًا الشيء ذاته. كلا، ففي بعض الأحيان، قد يكون من اللازم أن تُصدّروا التقنية، وهذا جيّد جدّاً. وهو اعتبار للبلد. لكن الآخرين لا يفعلون ذلك. وخصوصًا في المجالات الأساسية مثل النفط والسيارات والبتروكيمياويات ونظير هذه الأمور. وعلى الأجهزة الداخلية أن تعمل بجد على إغناء البلد والأجهزة الحكومية في هذا الشأن. هذا المشروع الذي كان لوزارة النفط في العام الماضي – قبل سنة أو سنتين – بأن يأتي الأجانب ويستخرجوا من آبار النفط بطريقة ما؛ نعم، نعاني من بعض التأخّر في هذا المجال. لكنني أقول بأنّ ذلك الفكر الدقيق الذي يستطيع إنتاج الخلايا الجذعية في البلاد من دون أية مساعدة – ويوم أنتجناها وتوصلنا إليها كانت صناعة معقدة ونادرة جدّاً في العالم – أو يستطيع الارتفاع بنسبة تخصيب اليورانيوم من ثلاثة وثلاثة ونصف في المائة إلى عشرين في المائة في حين لا تُعرب أية مؤسسة دولية أو أحد مالكي هذه الصناعة عن الاستعداد لتقديم أبسط مساعدة في هذا المجال. أتراه غير قادر على مساعدة الدولة على استحصال آبار النفط بصورة أفضل وأكثر؟ يستطيع بالتأكيد. وهذه من المهام والأعمال الأساسية. ينبغي التخطيط من أجل التقنيات الأساسية. واستغلال هذه الفرصة التاريخية.

لاحظوا، لقد غادرت الشركات المختصة بالنفط والشركات المختصة بالسيارات، أسرع من غيرها. وقد أُصيب البعض بالأسى لذلك. وبإمكاننا أن لا نصاب بالأسى. بل بإمكاننا الابتهاج لهذا الحدث. لا بأس، لقد غادروا، لدينا كل هذه الإمكانات في مجال قطع السيارات. وهو ما أشاروا إليه الآن. أوضح ذلك أحد الأعزاء هنا: لدينا القطع اللازمة في صناعة النفط وفي صناعة السيارات وفي الصناعات المهمة وفي صناعة الأجهزة، ويمكننا الاستفادة منها. طبعًا بوسع الحكومة أن يكون لها دور مؤثر جدّاً في هذا الإطار. صناعة القطع في مختلف المجالات – النفط، السيارات، اللوازم المنزلية، النقل والمواصلات والأجهزة – وتجميعها وتبادلها والعمل على التآزر والتعاون وإقامة معارض دائمة لعرضها. وقد قلت سابقًا قبل أشهر: فليَتُمّ إحصاء احتياجات الصناعات المختلفة في القطاعات والميادين التي تعاني من عُقد ومشاكل في صناعاتها، ولتُقدّم الإحصاءات للمؤسسات والشركات علمية المحور أو الجامعات لتعرض تلك الأعمال التي أنجزتها في خصوص هذه المشاكل. وقد حصل هذا الأمر واتخذت خطوة لحسن الحظ. لكنها لا تكفي. فليقام معرض دائم لصناعة قطع الغيار في مختلف المجالات والقطاعات.

وعملية أخرى هي نقل القدرات الهندسية والتقنية العالية جدّاً التي تتمتع بها الأجهزة العسكرية إلى الأجهزة غير العسكرية. ولحسن الحظ فإن مستوى النشاط الهندسي في القطاع العسكري عندنا عال جدّاً. هذه الأعمال التي يتم إنجازها الآن مهمة جدّاً ولا تختص بالزمن الحاضر فقط. ربما منذ عشرة أعوام أو اثني عشر عامًا والأعمال المهمة تُنجز في مجال الصناعات العسكرية. وربما أشرت إلى هذا الأمر في كلماتي العامة هذه مرة أو مرتين. وهو أنني قرأت في مقال كتبه جنرال إسرائيلي قبل سنوات حين اختبر شبابنا صاروخًا. كتب مقالًا في مكان ما – وقد ترجموه وجاءوني به – يقول فيه: أنا على علاقة سيئة مع إيران والإيرانيين، لكنني أنحني أمام هذا الإنجاز العظيم. فإيران التي تتعرّض لهذا الحصار الشديد قادرة -رغم ذلك- على القيام بهذا العمل والإنجاز! طبعًا تم القيام بأعمال كثيرة أفضل وأهم ولافتة أكثر بعد ذلك الإنجاز. حين ترون أن صاروخًا بالستيًّا مداه ألفي كيلومترًا، درجة خطئه في إصابة الأهداف لا تتعدّى المتر الواحد أو المترين أو الخمسة أمتار. فهذا أمر عظيم جدّاً ومهم للغاية. هذه القدرات الهندسية والتقنية يمكن توظيفها في مجال السيارات والنفط والقطاعات المختلفة. وفي مجال الجو والطيران والفضاء. وفي المجالات غير العسكرية عمومًا. هذا أمر يمكن القيام به. طبعًا الأجهزة العسكرية نفسها -لحسن الحظ- لها علاقات جيدة بالجامعات وتستفيد منها إلى أقصى الحدود. هذا أيضًا أمر لا بأس أن تعلموا به.

قضية أخرى هي قضية دعم التصدير ومشاركة الناشطين الاقتصاديين على المستوى الخارجي. وهو ما أشار له بعض الأعزاء أيضًا. وهو صحيح تمامًا. فنحن بإمكاننا أن نستفيد من إمكاناتنا الدبلوماسية. هناك من حولنا ثلاثمائة أو أربعمائة مليون نسمة من السكان، لهم حدودهم المباشرة معنا. أي إنهم جيراننا. ولنا مع بعضهم روابط عادية جيدة. وبمستطاعنا أن تكون لنا معهم علاقات جيدة. فليُروّج المسؤولون الدبلوماسيون الإيرانيون للماركات الإيرانية في الخارج. على سبيل المثال عندما تشاركون في الاجتماع الدولي الفلاني، فلتحمل البدلة التي ترتدونها ماركة الخياطة الإيرانيّة – مثلًا ماركة تدلّ على أنّ خياطًا إيرانيًّا من سمنان خاطها بشكل جميل جدّاً. عندما يشاركون بها، سوف يروجون لهذه الماركة. ينبغي الترويج للماركات الإيرانية. وليروجوا أيضًا للكلام والآراء والمفاهيم الإيرانية. يتصرف البعض على العكس. إحدى شكاوانا على بعض مسؤولي البلاد في الأعوام الماضية هي أنهم عندما يذهبون إلى الخارج ويتحدثون بين الأوروبيين، يتحدثون بكلام أوروبي. ويتحدثون بكلام قاله -مثلًا- مفكر أوروبي قبل مئة عام ووصل إلينا الآن. ويذهب ذاك ليلقيه عليهم هناك. لن يكون لذلك أي قيمة عندهم. نحن لدينا كلامنا وآراؤنا الجديدة غير المسبوقة. فلنطرحها عليهم. وهذه القضية بعينها تصدق على الماركات الإيرانية التي ينبغي استخدامها. ويجب اعتماد أسلوب المقايضة في بعض البضائع.

وبالنسبة إلى قضية سياسات المادة 44 التي تحدثنا عنها أعود وأشدد عليها ثانية وأقول: إن سياسات المادة 44 لم تكن قضية استبدال القطاع الخاص بالقطاع الحكومي. فللقطاع الخاص شأنه، وللقطاع الحكومي شأنه. وعلى هذين أن يساعد أحدهما الآخر ولا يضايقا أو يعرقلا عمل بعضهما. قلنا "لا يضايقنّ القطاع الحكوميُّ القطاعَ الخاص" ما معنى هذا؟ معناه أن العمل الذي بوسع رساميل القطاع الخاص القيام به، لا يتدخلنّ به القطاع الحكومي. وإذا كان القطاع الحكومي عاملًا هناك، فلينسحب. وليسمح للقطاع الخاص بالتصرف والعمل. وليكونا مكملين لبعضهما. لكن هذا لا يعني أن يعتزل القطاع الحكومي النشاط الاقتصادي نهائيًّا. كلا! ثمة أعمال لا يمكن لطرف غير القطاع الحكومي أو القطاعات العامة غير الحكومية القيام بها. لذلك ينبغي أن يخوضوا ويدخلوا وينجزوا هذه الأعمال كما قلنا.

يجب بكل تأكيد تنمية القطاع الخاص والقطاع التعاوني. في مجال النفط والغاز يمكن للقطاع الخاص والقطاع التعاوني أن يشاركا مشاركة شاملة. تمت المصادقة مؤخّراً على قانون – يتعلق ببعض الصناعات النفطية والغازية – ويجب تنفيذ هذا القانون. بعض القوانين يصادق عليها في مجلس الشورى لكنها لا تطبق. أي إن الأنظمة الداخلية لا تُعَدّ، فتبقى القوانين بلا تطبيق. ينبغي المبادرة إلى هذه المهمة بأسرع ما يمكن. يجب أن يتابعوا الأمر ليتم إنجازه. وهناك زيادة الطاقة الإنتاجية في النفط والغاز وإيجاد احتياطي استراتيجي في النفط والغاز. هذه أمور ضرورية وقد أشرنا لها في سياسات الاقتصاد المقاوم.

في خصوص وسائل الإعلام، أوصي وسائل الإعلام بأن تعكس هذه النجاحات وتنشرها. تنشر وسائل الإعلام بعض الإشكالات من باب الحرص والإخلاص. لا بأس في ذلك. فلينشروا الإشكالات والمؤاخذات أيضًا ليدرك المسؤولون إذا ما كانوا يشاهدون التلفاز، مكمن المشاكل. لكن إلى جانب ذلك لينشروا النجاحات أيضًا. هذا الكلام الذي قلتموه أنتم وهذه الأعمال التي تم إنجازها في مجال النفط وفي مجال الثروة السمكية وفي مجال الأعمال الكيمياوية... فلينشروا هذه الأعمال ويعكسوها للناس ليعلمها الشباب. ثم ليعرّفوا بالكفاءات والطاقات الكامنة الكبيرة الموجودة في البلد، كي يتابعها وينجذب إليها أصحاب المواهب والقابليات. طبعًا ليتابعوا أيضًا المطالبات المنطقية للناشطين الاقتصاديين حتى يتنبّه لها رجال الحكومة. وقد استفدنا الليلة من نقطة أخرى من هؤلاء الإخوة في خصوص وسائل الإعلام وهي أن الأجانب يأتون ويحملون معهم أموالًا طائلة، يحملون ثلاثين مليون دولار إلى الداخل ويروجون لبضائعهم عن طريق مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الجمهورية الإسلامية مثلاً. هم يعطون الأموال، وبالتالي، حينما تكتسب تلك البضائع زبائنها، ترتفع الأسعار. وحينما ترتفع الأسعار، ويريد ذلك المنتج الداخلي أن يقصد الإذاعة والتلفزيون، يجب عليه أن يعطي نفس المبالغ. وهو ما لا يستطيع تسديده. توصيتي هي: لا أقول أن لا تأخذوا تلك الثلاثين مليون دولار. خذوها. وخذوا أكثر ما تستطيعون. لكن ميّزوا واجعلوا الأسعار على أساس حسابات دقيقة. اجعلوا للمنتج الأجنبي سعرًا، وللمنتج الداخلي سعرًا آخر. لا تفعلوا ما يجعل المنتج الداخلي عاجزًا عن الدعاية لنفسه ولبلده.

حسنًا، لقد انتهى كلامنا. ليعلم الجميع، سواء الأصدقاء أو الأعداء؛ بأننا فرضنا التراجع على العدو في الحرب العسكرية. وفرضنا التراجع على العدو في الحرب السياسية. وفرضنا التراجع على العدو في ساحة الحرب الأمنية. فما جرى في الأيام الأخيرة كان أعمالًا أمنية، وليس أعمالًا من جانب الشعب. وفرضنا على العدو التراجع فيها. لقد دحرنا العدو وفرضنا عليه التراجع في مجالات وساحات مختلفة. وبالتوفيق الإلهي، سنفرض عليه التراجع بشكل حاسم في ساحة الحرب الاقتصادية أيضًا.

نتمنى أن يزيد الله تعالى من توفيقاتكم ونجاحاتكم إن شاء الله. وحسب ما رُفع إلي من تقارير في خصوص القضايا المتعلقة بالإنتاج وما حصل هذا العام، فإني أرى مستقبلًا مشرقًا إن شاء الله فيما يخص الشؤون الاقتصادية. وقد قلت إن مفتاح ذلك هو الإنتاج وازدهار الإنتاج. وسوف يزداد هذا الدرب وضوحًا ونورًا يومًا بعد يوم إن شاء الله. وسيحقّق الأعزاء مزيدًا من النجاحات إن شاء الله. وبحمد الله، أرى الأوضاع مشرقة الأفق؛ أي على ضوء ما هو موجود أمام ناظري وعلى أساس التجارب والمعلومات التي لدي، أرى الأفق مُشرقًا تمامًا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

09-01-2020 عدد القراءات 453



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا