18 أيلول 2020 م الموافق لـ 29 محرم 1442 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: إضاءات إسلامية

مشروعية حركة التوابين




إن حركة التوابين تلقيت من قبل الوسط الشيعي قاطبة بالقبول، حيث كتب سليمان بن صرد إلى الشيعة في الأمصار ينبئهم بخبر التوابين. فكان، يجيبهم القوم بعد القوم والنفر بعد النفر[1]. وحيث أن مدة الاستعدادات للعمل العسكري استغرقت أكثر من ثلاث سنوات، فلابد أن الشيعة قد اتصلوا بالامام (عليه السلام)، وأخبروه بعزم الحركة فلم يمنعهم من نشاطهم، فيدل ذلك على رضا الإمام (عليه السلام) من حركة التوابين. إذ من المستبعد عدم معرفة الإمام السجاد (عليه السلام) بنشاطهم، ومن المستبعد أن لا يشير بكلمة، أو بموقف عملي محدد يفهم منه قبوله لتلك الحركة، أو رده لها، وحيث أن الشيعة قد تجاوبت مع حركة التوابين، فهذا يكشف عن وجود موافقة من قبل الإمام السجاد (عليه السلام)، وإن لم يصلنا نص في هذا المجال، إذ لو صدر من الامام شئ ضد الحركة لوصل إلينا، كما وصل مثلا القدح بالمختار من قبل نفس الإمام السجاد (عليه السلام) على حسب ما يرويه المسعودي[2]. حيث أن طبيعة تفكير قيادات الحركة وأشخاصها مؤثرة في مسار الحركة، إذ أنها تتجه باتجاه تفكير قياداتها، وحيث أن تلك القيادات من الطراز الشيعي الذي أثبت ولاءه للإمام علي (عليه السلام) وللإمام الحسن (عليه السلام)، وقد خاض التجارب القاسية دفاعا عن هويته الشيعية، إذ فضلا عن الأشخاص الخمسة الذين تقدم ذكرهم، والذين عرفوا بتشيعهم الشديد، فقد انضم تيار الشيعة إلى هذه الحركة، فقد حدث أبو مخنف قال: حدثني حميد بن مسلم قال: والله إني لشاهد بهذا اليوم، يوم ولوا سليمان بن صرد وأنا، يومئذ لأكثر من مئة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره[3].

 أقول: حيث كل ذلك متوفر في الحركة فلا بد أن يكون نشاطها وأهدافها، ينطبق مع العقلية الشيعية الموالية لأهل البيت (عليه السلام) فتكون مرضية للإمام (عليه السلام)، وإن لم يصدر من عنده. إن طبيعة أهداف تلك الحركة تضفي الشرعية عليها، فقد خطب سليمان بن صرد وهو يحدد هدف الحركة قائلا: إنا كتبنا إلى الحسين بن علي فجاء وأخذ يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطاه، اتخذه الفاسقون غرضا للنبل، ودرية للرماح حتى أقصدوه، وعدوا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخط ربكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنه راضيا دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا (تهلكوا)، ألا لا تهابوا الموت، فوالله ما هابه امرؤ قط إلا ذل[4].

 فهذا الهدف الذي طرحه قادة الحركة، وتجمعت القوات الشيعية على أساسه: يكشف عن رضا الامام بها، فالثأر لدم الحسين (عليه السلام) الذي سعت الحركة للأخذ به كاف لإثبات مشروعيتها، إذ لا شك في أن قيادات الحركة وجنودها كانوا مخلصين في رفع هذا الشعار، والقضاء على قتلة الإمام الحسين ورموز فاجعة كربلاء. ومن جهة أخرى فإن التحرك في إطار هذا العنوان مما يرضى عنه الإمام السجاد (عليه السلام)، إذ طالما دعا الله في القضاء على قتلة أبيه وأهله. فعن المنهال بن عمرو قال: دخلت على علي بن الحسين (عليه السلام)] عند [منصرفي من مكة فقال لي: يا منهال، ما صنع حرملة بن كاهل الأسدي؟ فقلت: تركته حيا بالكوفة. قال: فرفع يديه جميعا ثم قال (عليه السلام): اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر الحديد[5].

 وعن عمر بن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: . إن علي بن الحسين (عليه السلام) لما أتي برأس عبيد الله بن زياد ورأس عمر بن سعد خر ساجدا، وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثاري من أعدائي، وجزى الله المختار خيرا[6].

 وقال الإمام السجاد (عليه السلام): دخلت على ابن زياد، وهو يتغدى ورأس الحسين أبي (عليه السلام) بين يديه فقلت: اللهم لا تمتني حتى تريني رأس ابن زياد وأنا أتغدى[7]. بل يبدو أن محمد بن الحنفية كان مأمورا من قبل الإمام السجاد (عليه السلام) بتوجيه حركة الشيعة، للأخذ بثأر الحسين (عليه السلام) وأهله، فقد كتب صاحب بحار الأنوار: وكان محمد بن الحنفية أكبر من زين العابدين سنا، ويرى تقديمه عليه فرضا، ودينا، ولا يتحرك حركة إلا بما يهواه، ولا ينطق إلا عن رضاه، ويتأمر له تأمر الرعية للوالي، ويفضله تفضيل السيد على الخادم والموالي، وتقلد محمد (رض) أخذ الثأر إراحة لخاطره الشريف (أي خاطر زين العابدين (عليه السلام)، من تحمل الأثقال والشد والترحال[8]. فإذا كان الثأر لدم الإمام الحسين (عليه السلام) مما يسعى إليه الإمام السجاد (عليه السلام)، وقد كلف عمه لمتابعة هذا الأمر: فإنه حينئذ سوف يرضى على حركة التوابين، لأنها حركة تستهدف الثأر للإمام الحسين (عليه السلام)، وقد أخذوا يجمعون العدة والعدد خلال مدة طويلة، حتى إذا اجتمعت قوتهم اندفعوا لقتال عبيد الله بن زياد، ولكنهم لقلتهم خسروا المعركة بعد أن أبلوا بلاء حسنا، وكبدوا الجيش الأموي خسائر فادحة[9].
 
رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ

[1]  تاريخ الطبري ج 7 ص 51.
[2]  تاريخ المسعودي ج 3 ص 74.
[3]  تاريخ الطبري ج 7 ص 48.
[4]  تاريخ الطبري ج 7 ص 49.
[5]  البحار ج 45 ص 332.
[6]  البحار ج 45 ص 347.
[7]  إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ج 3 ص 12.
[8]  البحار / ج 45 / ص 347.
[9]  إلا أن يقال: إن جواز رفع السلاح أمام الحاكم الجائر، وما يستلزم ذلك من إراقة الدماء، موقوف على إذن خاص من الامام، ولا تكفي الأدلة اللبية لإثبات ذلك، والمفروض عدم وجود الإذن الخاص من الإمام السجاد (عليه السلام) لنشاط الحركة المسلحة.

07-01-2020 عدد القراءات 690



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا