12 كانون الأول 2019 م الموافق لـ 15 ربيع الثاني 1441 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: إضاءات إسلامية

حكومة القانون الإلهي





من وجهة نظر المفكّرين الغربيّين، حاكميّة الله أو الثيوقراطيّة أُخذت من الأصل اليوناني، Theos بمعنى الله وkratia بمعنى الحكومة، وتعني حكومة الله. وفي عرف المفكّرين المسيحيّين في القرون الوسطى، الثيوقراطيّة حكومة، الحاكميّة فيها لله وحده، بل هي حكومة تُدار من قبل رجال الدين المسيحيّين الذين يدّعون امتلاك السلطة من قِبل الله. في هذا النوع من الحكومة المتولّون الأصليّون هم القادة الدينيّون[1].

وعلى هذا، فالثيوقراطيّة نوع من الحكومات التي يشكّل النظام الدينيّ أساسها، والبناء فيها على أنّ الحاكميّة لله، والقوانين المشرّعة هي من قِبله. أمّا رجال الدين فهم الحاكمون أيضًا والمروّجون لأوامر الله والمفسّرون لها، والممثّلون لذلك الحاكم اللامرئيّ[2]. يعتقد أنصار هذه النظريّة بأنّ تشكيل الحكومة ناشىء عن الحكمة والإرادة الإلهيّة، والمتصدّون للأمور يُبعثون من قبل الله، ويديرون المجتمع من قِبله وكممثّلين له. كانت هذه النظريّة سائدة في الممالك القديمة كمصر والصين والآشوريّين والكلدانيّين، ونمت بعد ظهور المسيحيّة نموًّا استثنائيًّا. وادّعى معظم كتّاب القرون الوسطى مع القدّيس أوغسطين، بأنّ الحكومة ناشئة عن الله، وأنّ إدارة الحكومة ينبغي أن تكون بيد رجال الدين وممثّلي الدين المسيحيّ.

ويلاحَظ مع ذلك أنّ هؤلاء الكتّاب أنفسهم خضعوا لحكومة السلاطين والأمراء أيضًا، وكانوا يعتقدون أنّهم كُلِّفوا من قِبل الله بمهمّة إدارة الناس باسمه وبالنيابة عنه. ويعتقد الكتّاب، آنفو الذكر، أنّ السلاطين مسؤولون فقط أمام الله تعالى، ولا يمكنهم نقل سلطاتهم المطلقة واللامحدودة كلًّا أو جزءًا لشخص آخر، أو لجماعة من الناس أو بالنهاية، إلى كلّ الشعب. ولأنّ السلاطين ممثّلوا الله على الأرض، ويحكمون الناس باسمه، فالأفراد ملزَمون ومكلَّفون بإطاعتهم من دون قيد أوشرط[3].

ولا شكّ في أنّه لا وجود في دين الإسلام المبين سواءً من الناحية النظريّة أم من الناحية التاريخيّة، لفكرة الفصل بين السياسة والدين، بل إنّ الحكومة هي من أحكام الإسلام الأصيلة والأساسيّة، والرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله منذ اليوم الأوّل لهجرته إلى المدينة المنوّرة، جعل من تشكيل الحكومة الإسلاميّة القائمة على حاكميّة الله تعالى أولى أولويّاته. وقد خصّص القرآن الكريم، بصفته الكتاب السماويّ للمسلمين، غالب آياته لمسائل ترتبط بالدولة.

وخلافًا للمسيحيّة المتَّبعة، التي من حيث فكرها ومن حيث عملها، كانت تتبنّى في عهدها الكنسيّ نوعًا من الثنويّة في الحاكميّة، قامت الدولة الإسلاميّة على أساس أحكام الوحدانيّة لله، ومن خلال الاعتقاد بالتوحيد، لا تقبل أيّ شكل من أشكال الثنويّة في الحكومة وفي الحياة البشريّة، بل تعتبر أنّ الله القادر القهّار حاكم على جميع زوايا الحياة البشريّة. وبهذا، تعتبر حكومة الله وحاكميّته محرزة وثابتة في جميع عهود التاريخ البشريّ، ويطلب من العباد الامتثال والاتّباع لهذا الأصل، أي حاكميّة الله.

لقد وردت في هذا الكتاب السماويّ، سواءً بصورة مباشرة، أو بصورة ضمنيّة، إشارات كثيرة ومتعدّدة إلى هذا الأصل؛ نشير هنا فقط إلى بعضها. وقد اعتُبرت الحاكميّة في هذه الآيات لله، وأُنكرت ورُفضت حاكميّة غير الله.
1.     ﴿إن الحكمُ إلّا لله﴾[4]
2.     ﴿ومن لم  يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾[5]
3.     ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾[6]
4.     ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾[7]
 في هذه الآيات الثلاثة، وُصف الذين يحكمون بغير ما أنزل الله بالكفر والفسق والظلم، ذلك أنّ إنكار ربوبيّة الله نوع من الشرك والخروج عن طاعة الله هو دخول في طاعة الشيطان، وهذا أيضًا كفر وظلم وفسق.
5.     ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾[8]
6.    ﴿وما لهم من دونه من وليّ ولا يشرك في حكمه أحدً﴾[9].
 ففي هذه الآية نفي لوجود شريك لله في مسألة وضع القوانين والحكومة. إذًا، فقبول القانون غير الإلهيّ هو بحكم اتّخاذ شريك له في مقام وضع القوانين والحكم.
7.    ﴿إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾[10]               

وطِبقًا لرأي الإمام الخميني قُدِّس سرُّه الذي لم يكن قائد الثورة الإسلاميّة ومؤسّس نظام الجمهوريّة الإسلاميّة فحسب، بل كان في الواقع المنظّر الأصليّ لهذا النظام، فإنّ ملاك مشروعيّة الحكومة على صعيد التشريع، أو التنفيذ، أو القضاء، هو وحده إرادة الله تعالى، ولا يمكن لأيّ شيء آخر حتّى إرادة جميع البشر، أن يكون ملاك مشروعيّة الحكومة. يقول الإمام الخميني في هذا المجال:

إنّ حكومة الإسلام هي حكومة القانون، وفي هذا الشكل من أشكال الحكومة، الحاكميّة منحصرة بالقانون. الحاكميّة منحصرة بالله، والقانون هو أمر الله وحكمه. لقانون الاسلام [الإسلام] أو أمر الله، الحاكميّة المطلقة على جميع الأفراد وعلى الحكومة الإسلاميّة. وإنّ جميع الأفراد ابتداءً من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وانتهاءً بخلفائه عليهم السلام وسائر الأفراد هم تابعون للقانون إلى الأبد[11].

ويقول في موضع آخر:
الحكومة الإسلاميّة ليست حكومة استبداديّة ولا مطلقة، بل مشروطة. بالطبع، ليست مشروطة بمعناها المتعارف، حيث تكون المصادقة على القانون تابعة لآراء أشخاص الأكثريّة، مشروطة بلحاظ أنّ الحكّام ملتزمون في التنفيذ والإدارة بمجموعة من الشروط التي حُدّدت في القرآن الكريم وسنّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومجموعة الشروط هي أحكام الاسلام [الإسلام] وقوانينه نفسها التي ينبغي رعايتها. من هذه الناحية، تكون الحكومة الإسلاميّة حكومة القانون الالهيّ [الإلهيّ] على الناس[12].

إنّ الفارق الأساسي بين الحكومة الإسلاميّة والحكومات السلطويّة المشروطة والجمهوريّة يتمثّل في أنّ ممثّلي الشعب أو الملك في مثل هكذا أنظمة يقومون بالتقنين، في حال أنّ السلطة التشريعيّة واختيار التشريع في الإسلام مختصّ بالله تعالى. فالشارع الإسلاميّ المقدّس هو السلطة التشريعيّة الوحيدة، وليس لأحد حقّ التقنين، وليس لحكم أن يُنفّذ سوى حكم الشارع. ويقول الإمام في تحديد مكانة الوليّ الفقيه الذي يتولّى قيادة هذا النظام وزعامته أنّ "الفقهاء الجامعون للشرائط نوّاب عن المعصومين في جميع الأمور الشرعيّة والسياسيّة والاجتماعيّة وولاية الأمور في الغَيبة الكبرى موكولة لهم"[13]. ويبيّن في موضع آخر أنّ " مفهوم القيادة الدينيّة هو قيادة علماء الدين لجميع شؤون المجتمع"[14].

وبالرجوع إلى دراسة عامّة لمقدّمة الدستور وأسسه، يلاحظ أنّ الحاكميّة المطلقة في جميع الشؤون السياسيّة والاجتماعيّة كانت لله، وكان لمدوّني القانون دومًا، اهتمامًا كبير جدًّا، في أن تكون المراعاة التامّة للأحكام الالهيّة والشرعيّة ملحوظة، في تشكيل نظام الجمهوريّة الإسلاميّة وإدارته.

إنّ الأصل الأوّل في التحليل البنيويّ لأيّ حكومة هو من أين أخذ الحكّام السياسيّون سلطاتهم؟ هل أنّ مشروعيّتهم مستندة إلى الإرادة الشعبيّة أو أنّهم أخذوها أنفسهم من مصادر أخرى.

  في الأصلَين الأوّل والثاني للدستور، تُعتبر حكومة الجمهوريّة الإسلاميّة حكومة قائمة على الإيمان بالله الواحد وأنّ الحاكميّة والتشريع مختصّان به، ولزوم التسليم له، وقد وضعت هذه الأمور في البنود الأخرى لهذَين الأصلَين نفسيهما. فالأصل 56 يصرّح بأنّ الحاكميّة المطلَقة على العالم والإنسان هي لله، وفي الوقت عينه يقول أنّ الإنسان أصبح حاكمًا على مصيره الاجتماعيّ بإرادة الله تعالى.

كما عالجت آليّات إعمال الحاكميّة الإلهيّة وضرورة رعاية الأحكام الالهيّة، وهذه الآليّات محكمة أهمّها إدارة النظام على أساس ولاية الفقيه المطلقة التي هي في الواقع نيابة عن حاكميّة الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله والأئمّة الأطهار عليهم السلام. فالوليّ الفقيه مسؤول عن الإشراف على إجراء الموازين الشرعيّة، ومن خلال تنصيب فقهاء مجلس صيانة الدستور، الذي يستمرّ في تنفيذ هذه المهمّة، فلمجلس صيانة الدستور الإشراف القانونيّ على المصادقة على قوانين البلاد، بنحوٍ لا يمكن لأيّ قانون أن يُطبّق من دون موافقة مجلس صيانة الدستور.

كما أنّ الأصلان الرابع والخامس من الدستور يشيران بشكلٍ واضح وصريح إلى أصالة حاكميّة الله في الجمهوريّة الإسلاميّة.

بناءً على هذا، فلا شكّ، سواءً من وجهة نظر الأحكام الدينيّة في الإسلام والقرآن، أم من وجهة نظر قائد الثورة الإسلاميّة ومؤسّس الجمهوريّة الإسلاميّة، أو من وجهة نظر الدستور، الحاكميّة الإلهيّة هي أصل أساسيّ وركن لا يمكن التشكيك به في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، وهذه الحاكميّة غير قابلة للتقسيم والتجزئة أو التفويض إلى الغير. وبعبارة أخرى، مشروعيّة النظام مشروطة بالتبعيّة للحاكميّة الإلهيّة وقبولها.
 
السيادة الشعبيّة الدينيّة، الجمهوريّة الإسلاميّة - الدكتور منوجهر محمّدي


[1] Webster in New Twenhieth Century Dictionary   Noah Webster,   
[2] آشوري داريوش، الثقافي السياسيّ (منشورات مرواريد، 1345ه. ش)، الصفحة 61.
[3] قاسم زاده، الحقوق الأساسيّة، (منشورات ابن سينا، سنة 1344)، الصفحتان 15 و16.
[4] سورة الأنعام، الآية 57؛ سورة يوسف، الآية 40.
[5] سورة المائدة، الآية 4.
[6] سورة المائدة، الآية 47.
[7] سورة المائدة، الآية 45.
[8] سورة الشورى، الآية 10.
[9] سورة الكهف، الآية 26.
[10] سورة النساء، الآية 105.
[11] الامام الخميني (ره)، صحيفة النور، المجلّد 6، الصفحة 137.
[12] الامام الخميني (ره)، صحيفة النور، المجلّد 4، الصفحة 168.
[13] الإمام الخميني (ره)، صحيفة النور، المجلّد 19، الصفحة 237.
[14] الإمام الخميني (ره)، صحيفة النور، المجلّد 18، الصفحة 42.

09-08-2019 عدد القراءات 459



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا