19 تموز 2019 م الموافق لـ 16 ذو القعدة 1440 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: إضاءات إسلامية

توفير الكساء في المنظومة القيمية للاسلام




 
الكساء أمر لابدّ منه لستر عورة الإنسان وصون كرامته وإنسانيته، لذلك أسهبت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام): في تبيان الثواب الأخروي الذي ينتظر من يسهم في سد حاجة المعوزين من الكساء ليقيهم قوارص زمهرير الشتاء، أو ليظلهم من لوافح هجير الصيف اللاهب. وفي هذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «من كسا أخاه كسوة شتاءٍ أو صيف، كان حقا على الله أن يكسوه من ثياب الجنّة، وأن يهوّن عليه سكرات الموت، وأن يوسِّع عليه في قبره، وأن يلقى الملائكة إذا خرج من قبره بالبُشرى»[1].

وعنه (عليه السلام): «من كسا آخاه المؤمن من عري كساه الله من سندس الجنّة واستبرقها وحريرها، ولم يزل يخوض في رضوان الله ما دام على المكسوّ منه سلك»[2].

وعنّه (عليه السلام) في حديث آخر: «من كسا مؤمناً ثوباً من عري كساه الله من إستبرق الجنّة، ومن كسا مؤمناً ثوباً من غنى لم يزل في سترٍ من الله ما بقي من الثوب خرقة»[3].

فهذه الأحاديث المختلفة الألفاظ والمتفقة في المضمون، تكشف عن أن مسألة توفير الكساء هي بمثابة القطب من الرحى في توجهات أهل البيت (عليهم السلام) الاجتماعية.

وحول هذه الفقرة بالذات كانت لأمير المؤمنين (عليه السلام) مواقف من الإيثار رائعة، فهو يرقع مدرعته حتى يستحيي من راقعها، وكان بإمكانه أن يلبس أفخر الملابس، ولكنه لم يفعل حرصاً على التكافل مع فقراء المسلمين والتأسي بهم.

عن الإمام الصادق (عليه السلام): «خطب علي (عليه السلام) الناس وعليه إزار كرباس غليظ مرقوع بصوف، فقيل له في ذلك، فقال: يخشع القلب، ويقتدي به المؤمن»[4].

وكان(عليه السلام) يقتدي برسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه[5].

  وكان (عليه السلام) يؤثر غيره على نفسه في اللباس، ففي خبر طويل عن الأصبغ ابن نباتة أنه اشترى ثوبين؛ ثوب بأربعة دراهم، وثوب بثلاثة دراهم، وقال لغلامه قنبر: اختر، فاختار الذي بأربعة، ولبس هو الذي بثلاثة[6].

  كلّ ذلك لأنّه يؤثر على نفسه، ويفضل مصلحة غيره على مصلحته، وكان حفيده الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) إذا انقضى الشتاء تصدق بكسوته في الشتاء. وإذا انقضى الصيف تصدق بكسوته في الصيف. وكان يلبس من خير الثياب. فقيل له: تعطيها من لا يعرف قيمتها ولا يليق به لباسها، فلو بعتها وتصدقت بثمنها ؟ فقال (عليه السلام): «إني أكره أن أبيع ثوباً صليت فيه»[7].

والأئمة: عموماً كانوا يحثّون شيعتهم على تحقيق أعلى درجة من التعاون والإيثار في هذا الشأن، قال الإمام الباقر(عليه السلام) لأحد أصحابه: «يا إسماعيل، أرأيت فيما قِبَلكم إذا كان الرجل ليس له رداء وعند بعض إخوانه فضل رداء يطرحه عليه حتى يصيب رداءً؟ فقلت: لا، قال: فإذا كان له إزار يرسل إلى بعض إخوانه بإزاره حتى يصيب إزارا، فقلت: لا، فضرب بيده على فخذه ثم قال: ما هؤلاء بإخوة»[8].

وهكذا نجد مسألة توفير الكساء تتصدر سلّم الأولوية أيضاً كحاجة أساسية ينبغي تأمينها للمحتاجين.
 
 التكافل الاجتماعي في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)


[1] اصول الكافي 2: 204 / 1 باب من كسا مؤمنا من كتاب الإيمان والكفر.
[2] ثواب الأعمال: 146.
[3] اصول الكافي 2: 205 / 5، باب من كسا مؤمنا من كتاب الإيمان والكفر.
[4] مكارم الأخلاق / الطبرسي: 113.
[5] انظر: نهج البلاغة / صبحي الصالح: 228، الخطبة 160.
[6] روضة الواعظين / ابن الفتال: 107 مجلس في ذكر الإمامة وامامة علي بن أبي طالب (عليه السلام).
[7] مناقب آل أبي طالب 3: 294.
[8] كتاب المؤمن / الحسين بن سعيد: 45، نشر مدرسة الإمام المهدي عليه‌السلام.

09-04-2019 عدد القراءات 476



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا